قال القرضاوي في حلقة تلفزيونية على قناة الجزيرة (12/9/99): إن النبي ﷺ كان يجتهد أحيانا ويخطئ في اجتهاده وقد استدل بحديث أن شخصا سأل النبي عليه الصلاة والسلام عن الشهادة فقال ﷺ يغفر للشهيد كل ذنب ثم بعد أن تولى الرجل ناداه فقال له: إلا الدين، فاعتبر القرضاوي أنه أخطأ بالأولى ونبهه جبريل إلى ذلك فاستثنى.
الرد:
أن أفحم ما يجاب به القرضاوي وأمثاله هو قول الله تعالى: {وما ينطق عن الهوى (٣) إن هو إلا وحي يوحى} [سورة النجم: 3، 4]. وأما ما ادعاه القرضاوي فقد كان الكلام الأول بوحي والثاني بوحي وليس عن اجتهاد خاطئ كما ادعى القرضاوي وكذلك أخذه للفداء من أسارى بدر كان بتخير من جبريل بين قتل الكفار وبين الفداء رواه ابن حبان([1])، إذا فلا حجة لمن ادعوا أنه مجوز الخطأ عليه ﷺ في اجتهاده.
وأما ما جاء في قصة فداء أسرى بدر بالمال أن النبي u قال في غد يوم الفداء: «لو نزل من السماء عذاب ما نجا منه إلا عمر» وكذلك قولهم بدعوى جواز الخطأ عليه من اجتهاده بقوله ﷺ: «إنما أنا بشر وإنكم تختصمون إلي فلعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض فأقضي له على نحو ما أسمع فمن قضيت له بشيء من حق أخيه فلا يأخذ منه شيئا فإنما أقطع له قطعة من النار» رواه البخاري([2]) فإنه لا يقضي في مثل ذلك بناء على ما أوحي إليه من الشرع ليس اجتهادا منه، والله لم يكلفه أن يطلع على الغيب ويحكم بمقضتاه فتبين أنه لا يجوز الخطأ عليه ﷺ في الحكم الشرعي وأما الخطأ في غير التشريع فجائز عليه، فإنه في الأمور الدنيوية مثل الذي ورد في تأبير النخل كذلك لا يجوز عليه الخطأ في إخباره بأن كذا فيه شفاء كقوله u لرجل استطلق بطن أخيه: «اسقه عسلا» فإن تجويز الخطأ عليه في مثل ذلك فيه نسبة ما يضر الأمرة إليه ﷺ، والحاصل: أن كل ما احتج به القائل يجوز الخطأ عليه في الأحكام الشرعية ليسوا على فهم؛ بل عقولهم معكوسة وأفهامهم مطموسة وفي قول هؤلاء إيهام للجهال للشك فيما يقوله رسول الله هل هو موافق للحق أم لا وهذا فيه سوق الناس إلى الإلحاد قال بدر الدين الزركشي في كتاب «تشنيف المسامع»: إن القول الصحيح أن النبي إذا اجتهد لا يخطئ. هذا وقد قال العلامة ابن أمير الحاج في كتابه «التقرير التحبير» ما نصه([3]): «وقيل بامتناعه أي جواز الخطأ على اجتهاده نقله في الكشف وغيره عن أكثر العلماء وقال الإمام الرازي والصفي الهندي إنه الحق وجزم به الحليمي والبيضاوي وذكر السبكي أنه الصواب وأن الشافعي نص عليه في مواضع من الأم؛ لأنه أولى بالعصمة عن الخطأ من الإجماع؛ لأن عصمته، أي: الإجماع عن الخطأ لنسبته إليه، أي: إلى النبي ﷺ وللزوم جواز الأمر باتباع الخطأ لأننا مأمورون باتباعه ﷺ بقوله تعالى: {قل إن كنتم تحبون اللـه فاتبعوني يحببكم اللـه} [سورة ءال عمران: 31] إلى غير ذلك».
وقال أيضا ما نصه([4]): «وقيل كان له الاجتهاد في الأمور الدنيوية والحروب دون الأحكام الشرعية حكاه في «شرح البديع» وقيل: كان له الاجتهاد في الحروب فقط وهو محكي عن القاضي والجبائي لقوله تعالى: {عفا الله عنك لم أذنت لهم} [سورة التوبة: 43]، فعوتب على الإذن لما ظهر نفاقهم في التخلف عن غزوة تبوك ولا يكون العتاب فيما صدر عن وحي فيكون عن اجتهاد لامتناع الإذن فيه تشهيا ودفعه السبكي بأن غير واحد قال إنه ﷺ كان مخيرا في الإذن وعدمه فما ارتكب إلا صوابا فإن الله تعالى يقول: {فأذن لمن شئت منهم} [سورة النور: 62]، فلما أذن لهم أعلمه الله بما لم يطلع عليه من شرهم أنه لو لم يأذن لهم لقعدوا وأنه لا حرج عليه فيما فعل ولا خطأ قال القشيري: ومن قال العفو لا يكون إلا عن ذنب فهو غير عارف بكلام العرب وإنما معنى: {عفا اللـه عنك} لم يلزمك ذنبا كما عفى عن صدقة الخيل ولم يجب عليهم ذلك قط».اهـ.
هذا وقد قام رئيس جامعة الأزهر الدكتور أحمد عمر هاشم بالرد على القرضاوي في قوله: إن النبي يجتهد ويخطئ والرد كان من خلال خطبة الجمعة في جامع الأزهر في القاهرة وذلك بتاريخ 7/10/1999.
وأما رواية مسلم تلك الرواية التي انفرد بها فهي رواية معلولة لا يحتج بها فيها مخالفة للأصول؛ لأن ما وافق عليه الرسول أبا بكر مستحيل شرعا أن يكون سببا للعذاب فهذه الرواية خالفت القاعدة الدينية؛ لأن الرسول خيره جبريل بين أن يأخذ الفداء من الكفار وبين أن يقتلهم فاختار الفداء فكيف يترتب على أمر جاء به الإذن من الله عذاب في أمر وافق فيه الرسول، فإن رسول الله ﷺ عمل برأي أبي بكر ولا بد أن يقع عمل رسول الله ﷺ إذا أقر عليه صوابا والله تعالى قرره عليه فقال: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} [سورة الأنفال: 69]، وتأويل العتاب {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [سورة الأنفال: 67].
وكان لك كرامة خصت بها رخصة {لولا كتاب من اللـه سبق} [سورة الأنفال: 68] بهذه الخصوصية {لمسكم فيما أخذتم عذاب} [سورة الأنفال: 68] لحكم العزيمة على ما قال عمر.
والوجه الآخر: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى} [سورة الأنفال: 67] قبل الإثخان وقد أثخنت يوم بدر فكان لك الأسرى كما كان لسائر الأنبياء عليهم السلام ولكنك كان الحكم في الأسرى المن أو القتل دون المفاداة فلولا الكتاب السابق في إباحة الفداء لكل لمسكم العذاب. والمخلص على ما ذكره الكرماني بحثا وهو أنه أيضا ترك الأولى ولو كان حكمه فيه خطأ لكان الأمر بالنقض مع أنه ليس فيه إلزام ذنب للنبي ﷺ؛ بل فيه بيان ما خص به من بين سائر الأنبياء فكأنه قال ما كان هذا لنبي غيرك وتريدون الخطاب فيه لمن أراد منهم ذلك وليس المراد بالمريد النبي ﷺ لعصمته ثم الحاصل من هذا أنه ﷺ كان له العمل برأيهم عند عدم النص فبرأيه أولى؛ لأنه أقوى.
وكلهم اتفقوا أن العمل يجوز له بالرأي في الحروب وأمور الدنيا: وتلك القصة المردودة التي ساقها مسلم([5]) قال رسول الله ﷺ لأبي بكر وعمر: «ما ترون في هؤلاء الأسارى؟» فقال أبو بكر: هم بنو العم والعشيرة أرى أن تأخذ منهم فدية فتكون لنا قوة على الكفار فعسى الله أن يهديهم للإسلام، فقال رسول الله ﷺ: «ما ترى يا ابن الخطاب»، قال: قلت: لا والله يا رسول الله ما أرى الذي رأى أبو بكر، ولكن أرى أن تمكننا فنضرب أعناقهم فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه وتمكنني من فلان نسيبا لعمر فأضرب عنقه، فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديده. فهوى رسول الله ﷺ ما قال أبو بكر ولم يهو، قلت: فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله ﷺ وأبو بكر قاعدين يبكيان فقلت: يا رسول الله أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك، فإن وجدت بكاء بكيت وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما فقال رسول الله ﷺ: «أبكي للذي عرض علي أصحابك من أخذهم الفداء فقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة»، شجرة قريبة من رسول الله ﷺ وأنزل الله U: {ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض} [سورة الأنفال: 67] إلى قوله: {فكلوا مما غنمتم حلالا طيبا} [سورة الأنفال: 69]، فأحل الله لهم الغنيمة.
وقال رسول الله ﷺ: «إنما أنا بشر فإذا أمرتكم بشيء من دينكم فخذوا به، وإذا أمرتكم بشيء من رأيي فإنما أنا بشر» رواه مسلم([6])، والمعنى أي: مما يتعلق بغير الدين كالحرب.
ومن أقوى الردود على القرضاوي قوله ﷺ: «ما منكم من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله»([7])، وفي رواية: «إلا النبي» أخرجه الطبراني في «الأوسط» وحسنه الحافظ زين الدين العراقي في تخريجه أحاديث «إحياء علوم الدين» وهذا صريح في أن الرسول لا يخطئ في اجتهاده كما يخطئ أفراد الأمة ويستثنى من ذلك إجماع الأمة، فإنه لا يكون خطأ لدليل حديثي ءاخر «لا تجتمع أمتي على ضلالة» رواه الترمذي([8]) وغيره فبعد هذين الحديثين لا يجوز الالتفات إلى القول بأنه يجوز على الرسول الخطأ في اجتهاده في أمور الدين، هذان الحديثان يهدمان قول من قال يجوز عليه الخطأ في اجتهاده في أمور الدين، لكن لا يقر على ذلك؛ بل ينبه ويؤيد هذا نص الإمام الشافعي في «الأم» وأما القول الذي يجيز الخطأ على الرسول في اجتهاده فلم يقل به مجتهد إنما قال به بعض الشافعية والحنفية هؤلاء قالوا من رأيهم ولا يوجد فيهم مجتهد، لا قيمة لكلام هؤلاء؛ لأن كلامهم عارض الحديث وعارض كلام مجتهد، فينبغي أن يضرب بكلامهم عرض الحائط.
يقول في «مناهج تقريبية»([9]) العدد 13: «إن حديث افتراق الأمة إلى ثلاث وسبعين فرقة قد يشوش على الوحدة المفروضة والمنشودة»، ثم يقول عن هذا الحديث: إن ثبت.
الرد:
إن القرضاوي افترض افتراضين؛ أولهما: أن الحديث قد لا يكون ثابتا وهذا ما يرجحه، والآخر: إذا كان ثابتا، فإنه يشوش على الوحدة الإسلامية.
إن القرضاوي يرى وحدته المزعومة القائمة على ما يزيد على سبعين فرقة التي هي مجموع الفرقة الناجية مع البقية الضالة التي تستوجب النار كما جاء في الحديث وأن هذا الكلام من رسول الله ﷺ بزعمه تشويش على هذه الوحدة. إن هذا الكلام كفر صريح من هذا الذي يتبجح بوقاحة على رسول الله ﷺ ويتهمه بالتشويش على الوحدة المزعومة وكأنه أحرص من رسول الله على هذه الأمة وهذا إن دل على شيء، فإنما يدل على مضامين نفسه الأمارة بالسوء وعلى افترائه وتجنيه على رسول الله ﷺ بوقاحة وتجرؤ نادرين.
إن القرضاوي يريد أمة مجتمعة من أحبابه الحزبيين الذين يكثر من مديحهم ومن أصوله الإخوان الذي يعتبر مرجعا دوليا لهم وقد أقر بذلك لمجلة الأهرام العربي عدد 95 (ص19).
ويريد أن يجمع معهم المعتزلة والخوارج الذين يرى أنهم من المسلمين وقد وصل به تجرؤه أنه ألغى هذا الحديث حديث افتراق الأمة وحديث([10]): «القدرية مجوس هذه الأمة» من أجل خدمة هواه ومن أجل تبييض وجهه أمام نفاة التوسل وإخوان ومعتزلة وخوارج ومرجئة وغيرهم من طوائف السوء.
ولـما ألغى حديث: «القدرية مجوس هذه الأمة» رد عليه شخص على قناة الجزيرة بنص الحديث وإسناده فقام المذيع الجاهل الذي يتضامن مع القرضاوي في مزاعمه السخيفة ويسانده في سقطاته وزلاته قال المذيع الجاهل حرفيا: «وهل كان أيام النبي قدرية ومرجئة حتى يقول هذا الكلام؟».
وقد فات المذيع الجاهل أن النبي عليه الصلاة والسلام تحدث عن الخوارج قبل خروجهم بنحو أربعين سنة وقال عنهم فيما قال: «هم شر البرية».
ونقلت مجلة روز اليوسف في عددها الصادر بتاريخ 9/11/1998 عن مقابلة تلفزيونية أجراها «الدكتور» في ذلك الوقت تكلم فيها عن أمر الجماع بين الزوجين أنه قال فيها: «إن النبي ﷺ كان يغتسل مع زوجاته مجردا من الإزار».اهـ!!!
قلت: كأنه سمع في بعض الأحاديث أن النبي عليه الصلاة والسلام كان يغتسل مع بعض زوجاته من إناء واحد، ولعله قرأ في أحاديث أخرى عبارة متجردا فاختلط الأمر في ذهنه فتجرأ وقال زورا وكذبا إن النبي كان يغتسل مع زوجاته مجردا من الإزار([11])، هذا مع أن التجرد الوارد في بعض الأحاديث معناه كشف الجزء الأعلى من البدن وليس ما تحت السرة؛ بل ثبت في الحديث أن رسول الله ﷺ كان أشد الناس حياء، فكيف بعد هذا ينسب إليه القرضاوي ما نسب؟! لكن من لا يستحي لا يمسك لسانه، وصدق رسول الله ﷺ حيث قال: «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستح فاصنع ما شئت»([12]).
قال يوسف القرضاوي على قناة الجزيرة الفضائية مساء يوم الأحد بتاريخ الثاني عشر من أيلول سنة 1999 متكلما عن نبي الله موسى الذي هو من أفضل رسل الله؛ بل هو يلي سيدنا محمدا وسيدنا إبراهيم في الفضل عند الله، القرضاوي صاحب الطامات والبلايا يذم كليم الله تعالى بكلمة لا يتجرأ أقل المسلمين علما وثقافة أن يطلقها على نبي من الأنبياء، فقال: «إن سيدنا موسى عنيد بطبيعته».اهـ.
قلت: لا خلاف في أن العناد صفة ذم ونقصان، ومعناه: الثبوت على الباطل بعد تبيين الحق للشخص، وقد ذم ربنا U من اتصف بلك فقال تعالى: {واستفتحوا وخاب كل جبار عنيد} [سورة إبراهيم: 15]، فجعل القرضاوي سيدنا موسى في وصف أولئك الكفرة، فجازاه الله بما يستحق.
وكأن القرضاوي لم يشم رائحة اللغة على الإطلاق فالعامة الذين لا يعرفون اللغة يعلمون أن كلمة عنيد هي كلمة ذم وقدح، أما من الناحية اللغوية فاسمع إلى قول خاتمة اللغويين السيد مرتضى الزبيدي في «تاج العروش شرح القاموس» في مادة: (ع ن د)، (ص129) قال ما نصه: «وعند الرجل عتا وطغى وجاوز قدره وخالف الحق ورده عارفا به».اهـ. فهل يليق أن تصف نبيا بالعناد أيها المعاند المكابر؟!
الرد:
مما لا شك فيه أن المنافقين أيام رسول الله ﷺ كانوا ينقسمون إلى قسمين:
القسم الأول: وهم كانوا غير معروفين وإنما كان الوحي ينزل على النبي ﷺ يخبره بأحوالهم وأوضاعهم وأقوالهم وغدرهم ومحاورة تثبيطهم لعزائم المسلمين ومؤامراتهم من غير أن يذكر القرءان أسماءهم ومن غير أن ينزل وحي غير قرءاني بتعيين كل فرد منهم بحيث يعلم الرسول أنهم فلان وفلان وهذا محمل الآية {ومن أهل المدينة مردوا على النفاق لا تعلمهم نحن نعلمهم} [سورة التوبة: 101]، وقد أعلم الرسول u ببعض المنافقين بالتعيين لبعضهم فقد صح أن الرسول قال ذات يوم في أثناء خطبته لبعض المنافقين: «اخرج فإنك منافق»([14]) فهذا يرد قول القرضاوي إنه كان يعاملهم معاملة المسلمين على الإطلاق، وهذا التهور من القرضاوي منشؤه أنه ليس له باع في العقيدة ولا في الفقه ولا في الحديث إنما هو مطالع من المطالعين لبعض الكتب. وبما أن المنافقين أيام رسول الله كانوا يبطنون الكفر ويظهرون الإسلام فكان ﷺ والصحابة يعاملونهم معاملة المسلمين بحسب ما يرون ظواهرهم.
أما القسم الثاني: فينقسمون إلى قسمين؛ منهم: قسم عرفهم النبي ﷺ بالوحي، ومنهم: عرفهم بإظهارهم للكفر صراحة.
فأما القسم الأول ممن لم يطلع على أحوالهم فكان يعاملهم معاملة المسلمين، وكان يصلي عليهم لما كان يظهر منهم من الإسلام.
وأما القسم الثاني فكان يمسك عن قتلهم وينهى عن ذلك لئلا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه، ولمصلحة تأليف قلوبهم للدخول في الإسلام؛ ولأن المسلمين يومها كانوا في حالة ضعف.
وأما دعوى القرضاوي أنه ﷺ كان يطلع على أحوالهم وما تسره أفئدتهم بوحي من الله تعالى وأنهم يعاملون على أنهم مسلمون فهذه دعوى باطلة لا أساس لها، ولم يقل بها مسلم واحد فضلا عن إجماع أئمتهم، فكيف يعامل على أنه مسلم. وهو يعلم نفاقه وفي هذا نسبة النفاق للنبي ﷺ؛ لأنه بزعم القرضاوي كان يعتقد كفرهم ويعاملهم معاملة المسلمين.
فإن كان القرضاوي يتمسك بنهي النبي ﷺ عن قتل من قال لرسول الله ﷺ: «إن هذه قسمة ما أريد بها وجه الله»، أو ذاك الذي قال له: اعدل، فقال ﷺ: «ويلك ومن يعدل إذا لم أعدل». قال عمر بن الخطاب: دعني أضرب عنقه قال ﷺ: «دعه فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاته وصيامه مع صيامه يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية» الحديث([15]).
فالجواب: ما قاله الحافظ ابن حجر في «الفتح» ونصه([16]): «قوله: «فإن له أصحابا» هذا ظاهره أن ترك الأمر بقتله بسبب أن له أصحابا بالصفة المذكورة وهذا لا يقتضي ترك قتله مع ما أظهره من مواجهة النبي ﷺ بما واجهه، فيحتمل أن يكون لمصلحة التأليف كما فهمه البخاري؛ لأنه وصفهم بالمبالغة في العبادة مع إظهار الإسلام، فلو أذن في قتلهم لكان ذلك تنفيرا عن دخول غيرهم في الإسلام».اهـ. ثم إن رسول الله ﷺ أمر بقتله بعد ذلك كما ذكر الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري» ونصه([17]):
«تنبيه: جاء عن أبي سعيد الخدري قصة أخرى تتعلق بالخوارج فيها ما يخالف هذه الرواية وذلك فيما أخرجه أحمد بسند جيد عن أبي سعيد قال: جاء أبو بكر إلى رسول الله ﷺ فقال: يا رسول الله إني مررت بوادي كذا، فإذا رجل حسن الهيئة متخشع يصلي فيه فقال: «اذهب إليه فاقتله»، قال: فذهب إليه أبو بكرن فلما رءاه يصلي كره أن يقتله فرجع فقال النبي ﷺ لعمر: «اذهب فاقتله»، فذهب فرءاه على تلك الحالة فرجع، فقال: «يا علي اذهب إليه فاقتله»، فذهب علي فلم يره فقال النبي ﷺ: «إن هذا وأصحابه يقرءون القرءان لا يجاوز تراقيهم يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية ثم لا يعودون فيه، فاقتلوهم هم شر البرية»، وله شاهد من حديث جابر أخرجه أبو يعلى([18]) ورجاله ثقات. ويمكن الجمع بأن يكون هذا الرجل هو الأول وكانت قصة هذه الثانية متراخية عن الأولى، وأذن ﷺ في قتله بعد أن منع منه لزوال علة المنع وهي التألف، فكأنه استغنى عنه بعد انتشار الإسلام، كما نهى عن الصلاة على من ينسب إلى النفاق بعد أن كان يجري عليهم أحكام الإسلام قبل ذلك، وكأن أبا بكر وعمر تمسكا بالنهي الأول عن قتل المصلين وحملا الأمر هنا على قيد أن لا يكون لا يصلي([19])، فلذلك عللا عدم القتل بوجود الصلاة أو غلبا جانب النهي. ثم وجدت في مغازي الأموي من مرسل الشعبي في نحو أصل القصة: «ثم دعا رجالا فأعطاهم فقام رجل فقال: «إنك لتقسم وما نرى عدلا، قال: «إذا لا يعدل أحد يعدي»، ثم دعا أبا بكر فقال: «اذهب فاقتله» فذهب فلم يجده فقال: «لو قتلته لرجوت أن يكون أولهم وءاخرهم»، فهذا يؤيد الجمع الذي ذكرته لما يدل عليه «ثم» من التراخي، والله أعلم».اهـ.
وقال ابن قدامة الحنبلي في «المغني»: «فمقتضى قولهم يستتابون فإن تابوا وإلا قتلوا لكفرهم كما يقتل المرتد، وحجتهم قول النبي ﷺ في الذي أنكر عليه إنها قسمة ما أريد بها وجه الله (لأبي بكر): «اذهب فاقتله»، ثم قال لعمر مثل ذلك».اهـ.
أما إن كان ما قاله القرضاوي مستندا على أن النبي ﷺ صلى على عبد الله ابن أبي بن سلول حيث توهم بعض أن الرسول صلى عليه وهو يعلم نفاقه في حال صلاته عليه.
فالجواب: أن الرسول عليه الصلاة والسلام معصوم عن الكفر، والصلاة على الكافر مع اعتقاد أنه كافر كفر، وذلك ينافي العصمة، وهذا أيضا تلاعب في الدين والرسول معصوم عن ذلك. فالرسول ﷺ لم يصل عليه إلا لاعتقاده تلك الساعة أنه ذهب عنه النفاق وأخلص في إسلامه وإيمانه كما ذكر ذلك الحافظ ابن حجر في موضع من «شرح البخاري»، فإذا كان حكم من يصلي وهو محدث متعمدا كافرا في نظر أبي حنيفة لاعتبار ذلك تلاعبا بالدين فكيف يتجرأ على قول إن الرسول صلى على ابن أبي مع علمه بأنه منافق غير مصدق للإسلام في قلبه، وهذه المسألة، أي: صلاة المحدث متعمدا عند الشافعية ليست كفرا وردة إنما هي من كبائر المعاصي إلا إذا اعتقد صحة صلاته أو فعلها مستخفا بالصلاة.
قال الحافظ ابن حجر في «شرح البخاري» ما نصه([20]): «وفي الطبراني من طريق عروة بن الزبير، عن عبد الله بن عبد الله بن أبي أنه استأذن نحوه، وهذا منقطع؛ لأن عروة لم يدركه، وكأنه كان يحمل أمر أبيه على ظاهر الإسلام فلذلك التمس من النبي ﷺ أن يحضر عنده ويصلي عليه ولا سيما وقد ورد ما يدل على أنه فعل ذلك بعهد من أبيه، ويؤيد ذلك ما أخرجه عبد الرزاق عن معمر والطبري من طريق سعيد كلاهما عن قتادة قال: أرسل عبد الله بن أبي إلى النبي ﷺ فلما دخل عليه قال: «أهلكك حب يهود» فقال: يا رسول الله إنما أرسلت إليك لتستغفر لي ولم أرسل إليك لتوبخني، ثم سأله أن يعطيه قميصه يكفن فيه فأجابه، وهذا مرسل مع ثقة رجاله. ويعضده ما أخرجه الطبراني من طريق الحكم ابن أبان عن عكرمة، عن ابن عباس قال: «لما مرض عبد الله بن أبي جاءه النبي ﷺ فكلمه فقال: قد فهمت ما تقول فامنن علي فكفني في قميصك وصل علي، ففعل»، وكأن عبد الله بن أبي أراد بذلك دفع العار عن ولده وعشيرته بعد موته فأظهر الرغبة في صلاة النبي ﷺ عليه، ووقعت إجابته إلى سؤاله بحسب ما ظهر من حاله إلى أن كشف الله الغطاء عن ذلك كما سيأتي، وهذا من أحسن الأجوبة فيما يتعلق بهذه القصة».اهـ.
وقال الحافظ أيضا ما نصه([21]): «قوله – أي: عمر – قال: إنه منافق، فصلى عليه، أما جزم عمر بأنه منافق فجرى على ما كان يطلع عليه من أحواله. وإنما لم يأخذ النبي ﷺ بقوله وصلى عليه إجراء له على ظاهر حكم الإسلام كما تقدم تقريره واستصحابا لظاهر الحكم، ولما فيه من إكرام ولده الذي تحققت صلاحيته، ومصلحة الاستئلاف لقومه ودفع المفسدة. وكان النبي ﷺ في أول الأمر يصبر على أذى المشركين ويعفو ويصفح ثم أمر بقتال المشركين فاستمر صفحه وعفوه عمن يظهر الإسلام ولو كان باطنه على خلاف ذلك لمصلحة الاستئلاف وعدم التنفير عنه، ولذلك قال: «لا يتحدث الناس أن محمدا يقتل أصحابه»، فلما حصل الفتح ودخل المشركون في الإسلام وقل أهل الكفر وذلوا أمر بمجاهرة المنافقين وحملهم على حكم الحق، ولا سيما وقد كان ذلك قبل نزول النهي الصريح عن الصلاة على المنافقين، وغير ذلك مما أمر فيه بمجاهرتهم، وبهذا التقرير يندفع الإشكال عما وقع في هذه القصة بحمد الله تعالى». انتهى كلام ابن حجر.
الرد:
بعد أن زعم القرضاوي أن سيدنا موسى كان عنيدا وأن النبي يجتهد ويخطئ وأنه كان يعلم حال المنافقين ويعاملهم على أنهم مسلمون، بعد كل هذه الانتهاكات لحرمة الأنبياء ولعصمتهم ها هو اليوم يتبجح بمقولاته البشعة والقبيحة الذي يتهم فيها سيدنا يونس بالثورة وقلة الصبر وضيق الصدر وتناسى بأنه نبي مرسل.
وها هو أيضا يتهم سيدنا ءادم عليه الصلاة والسلام بالضعف ومعنى ذلك أي أنه بزعمه ضعف أمام شهوته ومن المعلوم من الدين بالضرورة أن الأنبياء معصومون عن صغائر الخسة والدناءة فأما الذي فعله سيدنا ءادم عليه الصلاة والسلام إنما كانت معصية صغيرة ليست بذات دناءة ولا خسة وهذا جائز على الأنبياء عليهم الصلاة والسلام لقوله تعالى: {وعصى ءادم ربه فغوى} [سورة طه: 121].
وأما الداهية الدهياء والبلية النكراء والمصيبة الدهماء في افترائه واجترائه على منصب الأنبياء في قوله بسكوت سيدنا هارون على الشرك الأكبر وذلك في سبيل وحدة الجماعة وهذا الكلام من أبشع ما سمع من كفرك وضلالك يا قرضاوي ألا تتقي الله تقول وتزعم وتدعي، والله إنك لأخطر على الإسلام والمسلمين من الملحدين والصهاينة؛ لأنك تهدم الدين من الداخل.
عتبي الكبير على بعض المرجعيات الكبيرة التي تسكت على افتراءاتك ودسائسك أيها المهرج الذي اتخذت من الفضائيات ملعبا ومسرحا. ولكن القيامة موعدك.
ألا تعلم يا قرضاوي أن الساكت عن الحق شيطان أخرس فهل يليق هذا بمنصب النبوة؟
ألا تعلم أن الرضى بالكفر كفر كما نص على ذلك العلماء.
كيف يرضى بالكفر من أجل هذه الوحدة وحدة الجماعة التي زعمت وما هذه الوحدة القائمة على الشرك هل المهم أن نجمع الناس تحت أية راية؟
وهذه دعوة منك صريحة للتوحد مع الصهاينة رغم كفرهم وعدوانهم طالما أن المهم بزعمك أن نتوحد. أن نجمع ناسا كفارا ومؤمنين وكأنك تقول كما قال القائل:
سلام على كفر يوحد بيننا | وأهلا وسهلا بعده بجهنم |
ألا تعلم يا قرضاوي أن التفرق على الحق خير من الاجتماع على الباطل فبسبب عشقك لهذه الوحدة وتهيامك بها زعمت أن حديث اختلاف الأمة «ستفترق أمتي» «يشوق على الوحدة هذا إن ثبت»، من قلة أدبك أيها المشوش جعلت رسول الله مشوشا وهذا من أقبح كفرك وكذلك شننت الغارة على حديث «القدرية مجوس هذه الأمة» فقلت: بأنه موضوع لخدمة مآربك الدنيئة وذلك لإدخال القدرية بالمنظومة الحزبية الوحدوية.
وما هي هذه المآرب؟ وهي أن توحد بين من تدافع عنهم وتمدحهم باستمرار، حزب الإخوان الخوارج وحزب التحرير المعتزلة وبالمقابل تهجمك على الأنبياء والأئمة وأهل الحق كل ذلك من أجل خدمة مآربك الدنيئة.
وها أنت الآن تشن الغارة على سيدنا هارون وتتهمه بالسكوت عن الشرك الأكبر.
وهنا لا أريد أن أرد عليك بما قال العلماء والمفسرون بالآية؛ بل سأرد عليك بالآية نفسها فقد قال الله تعالى حاكيا عن سيدنا هارون عليه الصلاة والسلام: {قال ابن أم إن القوم استضعفوني وكادوا يقتلونني فلا تشمت بي الأعداء ولا تجعلني مع القوم الظالمين} [سورة الأعراف: 150].
ألا تقرأ يا قرضاوي ألا تفهم أن هذه المقالة لا تدل على أنه سكت من أجل الوحدة المزعومة هل قال له لقد سكت على الشرك الأكبر من أجل وحدة الجماعة؟ بل قال له: إن القوم استضعفوني. لماذا استضعفوه ولماذا كادوا أن يقتلوه لأي سبب ألا يكفي تحريفك للأحاديث بل وصل تحريفك إلى القرءان الكريم.
ألم تقرأ قوله: {ولا تجعلني مع القوم الظالمين} [سورة الأعرف: 150]، فهل كان هارون منافقا ذا وجهين بزعمك مرة يتوحد مع القوم الظالمين ثم لما جاء موسى u تبرأ من القوم الظالمين؟!!!
ثم ألم تقرأ قوله تعالى في هذه الآية: {ولقد قال لهم هارون من قبل يا قوم إنما فتنتم به وإن ربكم الرحمٰن فاتبعوني وأطيعوا أمري} [سورة طه: 90] أليست هذه الآية مشرقة كالصبح لذي عينين؟ فهل بعد هذا البيان يسوغ لك أن تتهم سيدنا هـٰـرون بالسكوت على الشرك؟؟؟
قال الرازي في تفسيره ما نصه([23]): «إن هارون u كان مأمورا من عند الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وكان مأمورا من عند أخيه موسى u بقوله: {اخلفني في قومي وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين} [سورة الأعراف: 142]، فلو لم يشتغل بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لكان مخالفا لأمر الله تعالى ولأمر موسى u».اهـ.
وقال أيضا ما نصه ([24]): «إن هارون u رأى القوم متهافتين على النار ولم يبال بكثرتهم ولا بقوتهم؛ بل صرح بالحق فقال: {يا قوم إنما فتنتم به} [سورة طه: 90]، ثم إن هارون صرح بالحق ودعا الناس إلى متابعة نفسه والمنع من متابعة غيره. واعلم أن هارون u سلك في هذا الوعظ أحسن الوجوه؛ لأنه زجرهم عن الباطل أولا بقوله: {يا قوم إنما فتنتم به} [سورة طه: 90]، ثم دعاهم ثالثا إلى معرفة النبوة بقوله: {فاتبعوني} [سورة طه: 90]، ثم دعاهم إلى الشرائع رابعا بقوله: {وأطيعوا أمري} [سورة طه: 90]».اهـ. وذكر المفسر اللغوي أبو حيان الأندلسي نحوه([25]).
وقال أبو حيان في موضع ءاخر ما نصه([26]): «إن هارون بالغ في الإنكار عليهم حتى هموا بقتله».اهـ. فإذا كان هارون u سكت عن إشراكهم كما زعم القرضاوي فلماذا إذا هموا بقتله كما ذكر ذلك أبو حيان.
الرد:
يبدو بوضوح أن القرضاوي يسير على نهج من أعجب به عنيت رشيد رضا وعلى نهج زميله في حزب الإخوان فيصل مولوي اللذين يريان إيمان منكر نبوة ءادم u.
فلقد لاحظت أن القرضاوي يعد الأنبياء من عهد نوح فمن بعده كما رأيت.
ولاحظت كلامه عن ءادم بكلام لا يقال عن نبي حيث قال: ليس عجيبا أن يتورط الإنسان في معصية الله (تغلبه شهوته وهواه) هذه العبارة فيها قدح للعصمة وهذا من الضلال أن يقال عن نبي غلبته شهوته وهواه ثم في ءاخر النص نسب لسيدنا ءادم الضعف وهذا لا يليق بنبي، أي: الضعف أو الهوى والشهوة ولاحظنا أنه قال ءادم أبو البشر ولم يقل عنه نبي ولا رسول ولا قال ﷺ ولا قال عليه الصلاة والسلام؛ بل اكتفى بتسميته بأبي البشر وهذا تجاهل منه أيضا لسيدنا إدريس وسيدنا إدريس كان قبل نوح.
وكأنه جهل أو تجاهل قوله تعالى: {واذكر في الكتاب إدريس ۚ إنه كان صديقا نبيا} [سورة مريم: 56].
أما نبوة ءادم فقد اتفق المسلمون عليها وأجمعوا، ونقل إجماعهم أبو منصور التميمي البغدادي المتوفى سنة 429 هجرية في موضعين من كتابه فقال ما نصه([30]): «أجمع أصحاب التواريخ من المسلمين على أن عدد الأنبياء عليهم السلام مائة ألف وأربعة وعشرون ألفا كما وردت به الأخبار الصحيحة أولهم أبونا ءادم u وءاخرهم نبينا محمد ﷺ».اهـ.
وقال في موضع ءاخر([31]): «أجمع المسلمون وأهل الكتاب على أن أول من أرسل من الناس ءادم u».اهـ.
وفي الحديث([32]) عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله ﷺ: «أنا سيد ولد ءادم يوم القيامة وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي يومئذ ءادم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر».اهـ.
وأما تكفير منكر نبوته فهو في الفتاوى الهندية([33]) ففيها ما نصه: «عن أبي جعفر فيمن يقول: ءامنت بجميع أنبيائه ولا أعلم أن ءادم نبي أم لا، يكفر كذا في العتابية».اهـ.
وقال ملا علي القاري في «الفقه الأكبر»([34]) ما نصه: «والأنبياء عليهم الصلاة والسلام كلهم أي جميعهم الشامل لرسلهم ومشاهيرهم وغيرهم أولهم ءادم عليه الصلاة والسلام على ما ثبت بالكتاب والسنة وإجماع الأمة فما نقل عن بعض من إنكار نبوته يكون كفرا».اهـ.
وفي قول الله تعالى: {قال لأقتلنك قال إنما يتقبل اللـه من المتقين (٢٧) لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك إني أخاف اللـه رب العالمين (٢٨) إني أريد أن تبوء بإثمي وإثمك} الآية [سورة المائدة: 27 – 29] دليل على رسالة ءادم، وأن أبناءه كانوا على شريعة أنزلت على أبيهم، وفي حديث البخاري([35]): «لا تقتل نفس ظلما إلا كان على ابن ءادم الأول كفل من دمها»، دليل أيضا لأنه لو لم يكن مرسلا إلى أبنائه لم يكونوا مكلفين، فلم يكن يكتب على ابن ءادم الأول ذنب.
وقد أخبر الله تبارك وتعالى في كتابه بفضل أبي البشر، ولو كان أولهم ءادم وأبناؤه عائشين بغير شريعة يعملون بها لكانوا كالبهائم ليس لهم ذلك الفضل الذي ناله أبوهم بإسجاد الملائكة له.
وروى ابن حبان في صحيحه([36]) قال: «أخبرنا محمد بن عمر بن يوسف، حدثنا محمد بن عبد الملك بن زنجويه، حدثنا أبو توبة، حدثنا معاوية بن سلام، عن أخيه زيد بن سلام قال: سمعت أبا سلام قال: سمعت أبا أمامة أن رجلا قال: يا رسول الله أنبيا كان ءادم؟ قال: «نعم مكلم»، قال: فكم كان بينه وبين نوح؟ قال: «عشرة قرون»».
وفيه([37]) عن أبي ذر أنه قال: «قلت: يا رسول الله كم الأنبياء؟ قال: «مائة ألف وعشرون ألفا» قلت: يا رسول الله كم الرسل من ذلك؟ قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر جما وغفيرا» قال: قلت: يا رسول الله من كان أولهم؟ قال: «ءادم» قلت: يا رسول الله أنبي مرسل؟ قال: «نعم، خلقه الله بيده ونفخ فيه من روحه وكلمه قبلا». رواه ابن حبان وصححه، وكلام من تكلم في إبراهيم بن هشام بن يحيـى الغساني أحد رواة هذا الحديث لا يضر تصحيحه؛ لأن ابن حبان ذكره في كتابه «الثقات»([38]).
ورواه الحافظ ابن حجر في «المطالب العالية»([39]) في عدة مواضع مطولا وعزاه لمحمد بن أبي عمر، ومختصرا وعزاه لإسحاق بن راهويه([40]).
وقد ذكر الحافظ ابن حجر هذا الحديث في «شرح البخاري» عازيا([41]) له لابن حبان مع ذكر أن ابن حبان صححه ولم ينتقده لكون ذلك الراوي المختلف فيه وجد لحديثه شواهد، وكثير من الأحاديث يكون في إسنادها من هو مختلف في توثيقه ويوجد لحديثه شاهد فيقوى بالشاهد([42]).
وقال في موضع ءاخر([43]): «قوله: {إنا أوحينا إليك} الآية [سورة ءال عمران: 163]، قيل: قدم ذكر نوح فيها لأنه أول نبي أرسل أو أول نبي عوقب قومه، فلا يرد كون ءادم أول الأنبياء مطلقا كما سيأتي بسط القول في ذلك في الكلام على حديث الشفاعة».اهـ.
ويحتم كونه رسولا أن النبي غير الرسول يكون تابعا لرسول قبله ولم يكن قبل ءادم بشر حتى يكون فيهم رسول وءادم نبيا تابعا له.
أما حديث البخاري([44]) الذي فيه أن الناس يأتون نوحا يوم القيامة فيقولون: أنت أول الرسل إلى أهل الأرض، فمعناه: أنه أول رسول أرسل إلى قبائل متعددة؛ لأن من كان قبله لم يكونوا كذلك؛ دل على ذلك كلمة «إلى أهل الأرض».
ومن الدليل على رسالة ءادم أنه أحل له أن يزوج بنيه من بناته الذكر من هذا البطن من الأنثى من البطن الآخر، ثم نسخ هذا الحكم بموته. ولولا أن فعل ءادم الذي فعله من تزويج بنيه من بناته بوحي أوحي إليه؛ لأنه رسول من الله لكان ذلك التصرف تصرفا باطلا ولكان ذلك كتسافد الحمير، ولكان البشر الأول لا نسب لهم شرعي؛ بل كانوا أبناء زنى، وذلك مناف لكرامة ءادم عند الله؛ فنفي رسالة ءادم على الإطلاق تكذيب للدين فهو كفر. فهو كإنكار نبوته الذي نقل الإجماع على أنه كفر غير واحد منهم ابن حزم فقد ذكر: إن المخالف في ذلك متفق على كفره وذلك في كتابه «مراتب الإجماع»([45]).
[1])) انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (7/143).
[2])) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب المظالم، باب: إثم من خاصم في باطل وهو يعلمه.
[3])) التقرير والتحبير (2/300).
[4])) التقرير والتحبير (3/296).
[5])) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الجهاد والسير، باب: الإمداد بالملائكة في غزوة بدر وإباحة الغنائم.
[6])) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب الفضائل، باب: وجوب امتثال ما قاله شرعا دون ما ذكره r من معايش الدنيا على سبيل الرأي.
[7])) ولشدة جهل القرضاوي لما رد عليه أحد المستمعين لقناة الجزيرة وأورد عليه هذا الحديث: «ما منكم من أحد إلا ويؤخذ من قوله ويترك غير رسول الله» فقال القرضاوي: هذا ليس حديثا هذا كلام مالك. وهذا دليل شدة جهله حتى بالحديث النبوي.
[8])) أخرجه الترمذي في سننه، كتاب الفتن، باب: ما جاء في لزوم الجماعة.
[9])) انظر: الكتاب (ص143).
[10])) انظر: ما يسمى «مناهج تقريبية» (ص147).
[11])) لو اغتسل شخص مع زوجته في مكان واحد وهما عراة فهذا ليس محرما شرعا إنما رددنا على القرضاوي هنا لأمرين:
الأول: لأنه أثبت للنبي ما لم يثبت عليه.
الآخر: أنه نسب للنبي ما لا يليق به.
[12])) أخرجه أحمد في مسنده (421).
[13])) انظر: الكتاب (ص38).
[14])) ذكره ابن جرير في تفسيره (7/10).
[15])) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب استتابة المرتدين والمعاندين وقتالهم، باب: من ترك قتال الخوارج للتألف ولئلا ينفر الناس عنه.
[16])) فتح الباري (12/293).
[17])) فتح الباري (12/298، 299).
[18])) أخرجه أبو يعلى في مسنده (4/150).
[19])) كذا في الأصل، ولعل الصواب: «على أن لا يكون يصلي».
[20])) فتح الباري (8/334).
[21])) فتح الباري (8/336).
[22])) انظر: الكتاب (ص30).
[23])) تفسير الرازي (22/105).
[24])) تفسير الرازي (22/106).
[25])) البحر المحيط (6/272).
[26])) البحر المحيط (4/396).
[27])) انظر: الكتاب (ص95).
[28])) انظر: الكتاب (ص107).
[29])) انظر: الكتاب (ص19).
[30])) أصول الدين (ص157).
[31])) أصول الدين (ص159).
[32])) أخرجه الترمذي، في كتاب المناقب، باب: في فضل النبي r وقال عقبه: حسن صحيح.
[33])) الفتاوى الهندية (2/263).
[34])) انظر: الفقه الأكبر (ص56).
[35])) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب الجنائز، باب: قول النبي r: «يعذب الميت ببعض بكاء أهله عليه» إذا كان النوح من سنته.
[36])) انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (8/24).
[37])) انظر: الإحسان بترتيب صحيح ابن حبان (1/287، 289).
[38])) كتاب الثقات (8/79).
[39])) المطالب العالية (3/114).
[40])) المطالب العالية (3/269).
[41])) فتح الباري (6/361).
[42])) قال الشيخ المحدث حبيب الرحمـٰن الأعظمي الهندي في تعليقه على هذا الحديث قال البوصيري: «رواه الطيالسي وابن أبي شيبة وابن أبي عمر وإسحـٰق بن راهويه وأبو يعلى وأحمد والحـٰرث فذكره مختصرا وابن حبان فذكره بزيادة طويلة جدا».اهـ. انظر: تعليق الشيخ حبيب الرحمـٰن على المطالب العالية، لابن حجر العسقلاني (3/114).
[43])) فتح الباري (1/9).
[44])) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب أحاديث الأنبياء، باب: قول الله U: {ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه} [سورة المؤمنون: 23].
[45])) مراتب الإجماع (ص173).