يقول القرضاوي في «مناهج تقريبية»([1]): «وإنما أدركته الرحمة لجهله وإيمانه بالله والمعاد ولذلك خاف العقاب وأما جهله بقدرة الله تعالى على ما ظنه محالا فلا يكون كفرا إلا لو علم أن الأنبياء جاءوا بذلك».اهـ.
وقال في كتابه المسمى «الصحوة الإسلامية»([2]): «حديث الذي أوصى لإسرافه أن يحرق ثم يذرى في يوم شديد الرياح نصفه في البر ونصفه في البحر حتى لا يقدر الله عليه ثم يعذبه. وأما جهله بقدرة الله على ما ظنه محالا فلا يكون كفرا وهذا الحديث أرجى حديث لأهل الخطأ والتأويل».اهـ.
الرد:
إن القرضاوي يعني – ابن قتيبة – بذلك قصة الرجل الذي قال رسول الله ﷺ فيه: «كان رجل يسرف على نفسه، فلما حضره الموت قال لبنيه: إذا أنا مت فأحرقوني ثم اطحنوني ثم ذروني في الريح، فوالله لئن قدر الله علي ليعذبني عذابا ما عذبه أحدا»([3])، حيث ظن ابن قتيبة أن هذا الرجل شك في قدرة الله عليه، قال ابن الجوزي: «جحده صفة القدرة كفر اتفاقا»، وإنما معنى قوله: «لئن قدر الله علي»، أي: ضيق فهي كقوله تعالى: {ومن قدر عليه رزقه} [سورة الطلاق: 7]، أي: ضيق، وأما قوله: «لعلي أضل الله» كما في رواية لهذا الحديث، فمعناه: لعلي أفوته؛ ولعل هذا الرجل قال ذلك من شدة جزعه وخوفه كما غلط ذلك الآخر فقال: أنت عبدي وأنا ربك، أو يكون قوله: «لئن قدر علي» بتشديد الدال، أي: قدر علي أن يعذبني ليعذبني.
قال الحافظ ابن حجر([4]): «وأظهر الأقوال أنه قال ذلك في حال دهشته وغلبة الخوف عليه حتى ذهب بعقله». وتتمة الحديث المذكور: «فلما مات فعل به ذلك فأمر الله الأرض فقال: اجمعي ما فيك منه، ففعلت فإذا هو قائم فقال: ما حملك على ما صنعت؟ قال: يا رب خشيتك، فغفر له»، والحديث أخرجه البخاري وغيره، وأخرجه ابن حبان([5]) بلفظ: «توفي رجل كان نباشا فقال لولده: أحرقوني».اهـ.
وقال النووي([6]): «اختلف العلماء في تأويل هذا الحديث فقالت طائفة: لا يصح حمل هذا على أنه أراد نفي قدرة الله، فإن الشاك في قدرة الله تعالى كافر، وقد قال في ءاخر الحديث إنه إنما فعل هذا من خشية الله تعالى والكافر لا يخشى الله تعالى ولا يغفر له، قال هؤلاء: فيكون له تأويلان؛ أحدهما: أن معناه لئن قدر علي العذاب، أي: قضاه يقال منه قدر بالتخفيف وقدر بالتشديد بمعنى واحد، والثاني: أن قدر هنا بمعنى ضيق علي قال الله تعالى: {فقدر عليه رزقه} [سورة الفجر: 16]، وهو أحد الأقوال في قوله تعالى: {فظن أن لن نقدر عليه} [سورة الأنبياء: 87]، وقالت طائفة: اللفظ على ظاهره ولكن قاله هذا الرجل وهو غير ضابط لكلامه ولا قاصد لحقيقة معناه ومعتقد لها بل قاله في حالة غلب عليه فيها الدهش والخوف وشدة الجزع، بحيث ذهب تيقظه وتدبر ما يقوله، فصار في معنى الغافل والناسي، وهذه الحالة لا يؤاخذ فيها وهو نحو قول القائل الآخر الذي غلب عليه الفرح حين وجد راحلته: أنت عبدي وأنا ربك فلم يكفر بذلك الدهش والغلبة والسهو». انتهى، كلام النووي.
فإذا عرف هذا علم أنه لا يعذر أحد في نفي القدرة عن الله ونحوها من صفاته بسبب الجهل مهما بلغ الجهل بصاحبه. وكن على ذكر واستحضار لنقل ابن الجوزي الإجماع.
[1])) العدد 14، (ص102).
[2])) انظر: الكتاب (ص108).
[3])) صحيح البخاري، كتاب الأنبياء، الباب الأخير، وصحيح مسلم، كتاب التوبة، باب: في سعة رحمة الله تعالى وأنها سبقت غضبه.
[4])) فتح الباري (6/523).
[5])) أخرجه ابن حبان في صحيحه، كتاب الرقاق، انظر: الإحسان (2/22).
[6])) شرح صحيح مسلم (126/71).