الخميس يناير 29, 2026

 القرضاوي يزعم أنه تؤكل كل ذبائح أهل الكتاب حتى ولو خنقا ولا يجب علينا السؤال عن كيفية الذبح

قال في كتابه المسمّى «الحلال والحرام»([1]): «ولقد سئلت عن النصراني يفتل عنق الدجاجة (يخنقها) ثم يطبخها هل تؤكل معه أو تؤخذ منه طعاما؟ فقلت: تؤكل؛ لأنها طعامه وطعام أحباره ورهبانه وإن لم تكن هذه ذكاة عندنا ولكن أباح الله لنا طعامهم مطلقا وكل ما يرونه في دينهم فإنه حلال لنا».اهـ.

وقال من المصدر نفسه([2]): «وعلى ضوء ما ذكر نعرف الحكم في اللحوم المستوردة من عند أهل الكتاب؛ كالدجاج ولحوم البقر المحفوظة مما قد تكون تذكيته بالصعق الكهربائي ونحوه فما داموا يعتبرون هذا حلالا مذكى فهو حل لنا([3])».اهـ.

ويقول في نفس الصحيفة عن ذبيحة المجوس: «وقال ءاخرون هي حلال؛ لأن النبي ﷺ قال: «سنوا بهم سنّة أهل الكتاب»، ثم قال في التعليق: «وما ورد من تتمة لهذا الحديث: «غير ناكحي نسائهم ولا ءاكلي ذبائحهم» فلم يصح عند المحدثين».اهـ.

وقال في الصحيفة نفسها: «وليس على المسلم أن يسأل عما غاب عنه كيف كانت تذكيته؟ وهل استوفت شروطها أم لا؟ وهل ذكر اسم الله على الذبيحة أم لم يذكر؟ بل كل ما غاب عنا مما ذكاه مسلم ولو جاهلا أو فاسقا أو كتابي فحلال أكله. وقال العلماء في حديث: (إن قوما يأتوننا بلحمان لا ندري…): هذا دليل على أن الأفعال والتصرفات تحمل على حال الصحة والسلامة حتى يقوم دليل على الفساد والبطلان».اهـ.

 

الرّدّ:

أحب أن أبدأ أوّلا بأن الجزء الأخير من حديث «سنوا بهم سنّة أهل الكتاب غير ناكحي نسائهم ولا ءاكلي ذبائحهم» هو صحيح وليس كما ادعى القرضاوي أن قوله: (غير ناكحي نسائهم ولا ءاكلي ذبائحهم) غير صحيح وهذا دليل جهله بالحديث والحديث رواه أبو داود والبيهقي ونتحدى القرضاوي أن يسمي لنا محدثا معتبرا قال بمقولته.

ثم إن ما قاله القرضاوي هنا في مخالفة صريحة للشرع ولا سيما ونحن الآن يأتينا من الغرب ما يعرف باللحوم المثلجة، وقد ثبت وبما لا يحتمل الشك أن المسالخ هناك لا تذبح غالبا؛ بل يصعقون الثور مثلا بالتيار الكهربائي أو يطلقون عليه الرصاص فيقتل ثم يسلخ ثم يكتبون على العلب المجهزة «ذبح على الطريقة الإسلامية» وذلك للكذب والتمويه.

وهناك بعض الدول الأوروبية تعتبر أن الذبح جريمة يعاقب عليها القانون لذلك؛ فإن بعض المسلمين في سويسرا يدخلون إلى فرنسا ويذبحون ذبائحهم ثم يدخلونها إلى سويسرا؛ لأن سويسرا تعتبر أن ذبح البهيمة جريمة يعاقب عليها القانون فأين الذبح الشرعي في كل هذا؟!

وقول القرضاوي هذا فيه مخالفة للإجماع المنعقد على عدم جواز الأكل من اللحم الذي لم يعرف كيف ذبحوه وهو اللحم المشكوك فيه، ولمزيد من الفائدة إليك الرد التالي بالتفصيل:

اعلم أن الذكاة الشرعية بقطع مجرى الطعام والشراب ومجرى النفس بما له حدّ، بشرط أن يكون الذابح مسلما أو يهوديّا أو نصرانيّا. فإذا حصل هذا وكان المذبوح مأكولا حلّ الأكل منه لمن علم، وأمّا ما كان موته بما لا حدّ له، كأن مات بسبب التردّي أو الغرق أو شيء يزهق الروح يثقله لا بحدّه فلا يحلّ أكله. وأيضا لا يحلّ أكل ما لم يعلم هل ذابحه هو ممن يصحّ تذكيته أم لا؛ لأن أمر اللحم في هذا أشدّ من أمر الجبن والحلوى ونحوهما، فإنه إذا شك شخص هل في الحلوى التي بين يديه أو الجبن الذي بين يديه نجاسة جاز له الأكل منه مع الشك، وأمّا اللحم فلا يجوز الشروع في أكله مع الشك في ذكاته كما نصّ على ذلك الفقهاء؛ كابن حجر الهيتمي والسيوطي من الشافعية والقرافي من المالكية وغيرهم؛ بل تحريم اللحم الذي لم يعلم طريق حله بأن شك في ذلك مجمع عليه.

ففي «الفتاوى الكبرى» لابن حجر الهيتمي([4]) ما نصّه: «وسئل نفع الله ببركاته عن شاة مذبوحة وجدت في محلة المسلمين ببلد كفّار وثنية وليس فيهم مجوسي ولا يهودي ولا نصراني، فهل يحلّ أكل تلك الشاة المذبوحة التي وجدت في تلك المحلة أم لا؟ فأجاب: بأنه حيث كان ببلد فيه من يحلّ ذبحه كمسلم أو يهودي أو نصراني، ومن لا يحلّ ذبحه كمجوسي أو وثني أو مرتد، ورؤي بتلك البلد شياه مذبوحة مثلا، وشكّ هل ذبحها من يحلّ ذبحه لم تحلّ للشك في الذبح المبيح والأصل عدمه».اهـ.

وفي «الأشباه والنظائر» للسيوطي([5]) ما نصّه: «الفائدة الثانية: قال الشيخ أبو حامد الإسفراييني: الشك على ثلاثة أضرب شك طرأ على أصل حرام، وشك طرأ على أصل مباح، وشك لا يعرف أصله، فالأول مثل أن يجد شاة في بلد فيها مسلمون ومجوس فلا يحلّ حتى يعلم أنها ذكاة مسلم؛ لأنها أصلها حرام وشككنا في الذكاة المبيحة».اهـ.

وفي كتاب «التاج والإكليل لمختصر خليل»([6]) في باب الوضوء نقلا عن شهاب الدين القرافي ما نصّه: «الفرق الرابع والأربعون بين الشك في السبب والشك في الشرط، وقد أشكل على جمع من الفضلاء قال: شرع الشّارع الأحكام وشرع لها أسبابا وجعل من جملة ما شرعه من الأسباب الشك، وهو ثلاثة مجمع على اعتباره كمن شك في الشاة المذكّاة والميتة وكمن شكّ في الأجنبية وأخته من الرضاعة».اهـ.

أي: أنّ تحريم ما شك فيه من اللحم مسألة إجماعية، فلا التفات إلى ما يخالف هذا الإجماع من قول بعض أهل العصر المتعالمين، وهؤلاء ضرّوا النّاس برأيهم المخالف للإجماع في البلاد العربية وفي أوروبا وأمريكا، وموه بعضهم بإيراد حديث أخره البخاري([7]) على غير وجهه، والحديث ورد في ذبيحة أناس مسلمين قريبي عهد يكفر وذلك لحديث عائشة: «أن قوما قالوا للنبي ﷺ: إن قوما يأتوننا بلحم لا ندري أذكر اسم الله عليه أم لا، فقال: «سمّوا عليه أنتم وكلوه»، قالت: وكانوا حديثي عهد بالكفر». ومعنى الحديث: أن هذه اللحوم حلال؛ لأنها مذكّاة بأيدي مسلمين ولو كانوا حديثي عهد بكفر، ولا يضرّكم أنكم لم تعلموا هل سمّى أولئك عند ذبحها أم لا، وسمّوا أنتم عند أكلها أي ندبا لا وجوبا؛ لأن التسمية سنة عند الذبح فإن تركها الذابح حل الأكل من الذبيحة.

فمن أين موّه هؤلاء بإيراد هذا الحديث على غير وجهه، فكأن هؤلاء قالوا: إنّ الرسول أحلّ أكل ما لم يعلم هل ذابحه مسلم أم مجوسي أم بوذي أم غير ذلك بالاقتصار على التسمية عند الأكل، وهذا لم يقله عالم مسلم قطّ، فليتقوا الله هؤلاء المتهورون، وليعلموا أنّ الإنسان يسأل يوم القيامة عن أقواله وأفعاله وعقائده.

ملاحظة: لقد ألف الشيخ عبد الحي الغماري رسالة في الرد على القرضاوي في مسألة الذبائح هذه.

ومن مخازي القرضاوي أنه يدعو إلى الاجتهاد بالتصويت انظر كتابه المسمّى «شريعة الإسلام»([8]). رغم هذا فقد صدر عن المجلس الأوروبي للإفتاء في اجتماعه الثاني في دبلن والذي يرأسه القرضاوي وأعضاؤه من حزب الإخوان فتاوى وتوصيات وبنوا في كل المسائل المطروحة إلا في مسألة الذبائح فقد ورد في (ص4) ما نصّه: «وبعد البحث المضني والتباين الكبير في وجهات النظر وزوايا المعالجة قرر المجلس إفراد الموضوع بالمزيد من البحث والتدقيق حتى يتم حسمه بالنظر إلى جوانبه المتعددة».اهـ.

[1])) انظر: الكتاب (ص62).

[2])) انظر: الكتاب (ص63).

[3])) قال في كتابه المسمّى «فقه الأولويات» (ص169): «فهناك الموسوسون الذين يبحثون عن الشبهات لأدنى ملابسة حتى يجدوها كالذين يشككون في الذبائح في بلاد الغرب لأوهى سبب».اهـ.

[4])) الفتاوى الكبرى (1/45 و46).

[5])) الأشباه والنظائر (ص74).

[6])) التاج والإكليل لمختصر خليل بهامش كتاب مواهب الجليل شرح مختصر خليل (1/301).

[7])) صحيح البخاري، كتاب الذبائح والصيد والتسمية على الصيد، باب ذبيحة الأعراب.

[8])) انظر: الكتاب (ص156).