الخميس يناير 29, 2026

الفقيه الحنفي ملا علي القاري يبين مسلك العلماء في تأويل الآيات المتشابهة

قال ملا علي القاري في مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح:

عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم (ينزل ربنا) أي أمره لبعض ملائكته، أو ينزل مناديه (تبارك) كثر خيره ورحمته وآثار جماله (وتعالى) عن صفات المخلوقين من الطلوع والنزول وارتفع عن سمات الحدوث بكبريائه وعظمته وجلاله، قيل: إنهما جملتان معترضتان بين الفعل وظرفه، للتنبيه على التنزيه لئلا يتوهم أن المراد بالاسناد ما هو حقيقته (كل ليلة إلى السماء الدنيا) قال ابن حجر: أي ينزل أمره ورحمته أو ملائكته وهذا تأويل الإمام مالك وغيره ويدل له الحديث الصحيح: أن الله عز وجل يمهل حتى يمضي شطر الليل ثم يأمر مناديا ينادي فيقول هل من داع فيستجاب له، الحديث، والتأويل الثاني ونسب إلى مالك أيضا أنه على سبيل الاستعارة، ومعناه الاقبال على الداعي بالإجابة واللطف والرحمة وقبول المعذرة كما هو عادة الكرماء لا سيما الملوك إذا نزلوا بقرب محتاجين ملهوفين مستضعفين، قال النووي في شرح مسلم في هذا الحديث وشبهه من أحاديث الصفات وآياتها، مذهبان مشهوران فمذهب جمهور السلف وبعض المتكلمين الإيمان بحقيقتها على ما يليق به تعالى وأن ظاهرها المتعارف في حقنا غير مراد ولا نتكلم في تأويلها مع اعتقادنا تنزيه الله سبحانه عن سائر سمات الحدوث، والثاني مذهب أكثر المتكلمين وجماعة من السلف وهو محكي عن مالك والأوزاعي إنما يتأول على ما يليق بها بحسب بواطنها، فعليه الخبر مؤول بتأويلين أي المذكورين وبكلامه وبكلام الشيخ الرباني أبي إسحاق الشيرازي وإمام الحرمين والغزالي وغيرهم من أئمتنا وغيرهم، يعلم أن المذهبين متفقان على صرف تلك الظواهر كالمجيء والصورة والشخص والرجل والقدم واليد والوجه والغضب والرحمة والاستواء على العرش والكون في السماء وغير ذلك مما يفهمه ظاهرها لما يلزم عليه من محالات قطعية البطلان، تستلزم أشياء يحكم بكفرها بالإجماع، فاضطر ذلك جميع الخلف والسلف إلى صرف اللفظ عن ظاهره وإنما اختلفوا هل نصرفه عن ظاهره معتقدين اتصافه سبحانه بما يليق بجلاله وعظمته، من غير أن نؤوله بشيء آخر وهو مذهب أكثر أهل السلف وفيه تأويل إجمالي أو مع تأويله بشيء آخر وهو مذهب أكثر أهل الخلف وهو تأويل تفصيلي ولم يريدوا بذلك مخالفة السلف الصالح معاذ الله أن يظن بهم ذلك، وإنما دعت الضرورة في أزمنتهم لذلك لكثرة المجسمة والجهمية وغيرهما من فرق الضلال واستيلائهم على عقول العامة، فقصدوا بذلك ردعهم وبطلان قولهم ومن ثم اعتذر كثير منهم وقالوا لو كنا على ما كان عليه السلف الصالح من صفاء العقائد وعدم المبطلين في زمنهم لم نخض في تأويل شيء من ذلك وقد علمت أن مالكا والأوزاعي وهما من كبار السلف أولا الحديث تأويلا تفصيليا وكذلك سفيان الثوري أوّل الاستواء على العرش بقصد أمره ونظيره ثم استوى إلى السماء …. ومنهم الإمام جعفر الصادق بل قال جمع منهم ومن الخلف أن معتقد الجهة كافر كما صرح به العراقي وقال إنه قول لأبي حنيفة ومالك والشافعي والأشعري والباقلاني. اهـ

من كتاب مرقاة المفاتيح شرح مشكاة المصابيح للفقيه الحنفي ملا علي القاري.

لا نفسر الآيات المتشابهات على هوانا، قال الله تعالى في محكم كتابه ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب﴾ [سورة آل عمران]

القرآن كتاب الله تعالى فيه آيات متشابهات وفيه آيات محكمات، والآيات المحكمات هي التي دلالتها على المراد واضحة كقوله تعالى ﴿ليس كمثله شيء﴾ وقوله ﴿ولم يكن له كفوا أحد﴾. وليعلم أن الآيات القرآنية أغلبها محكمة هن أم الكتاب كما أخبر ربنا بقوله عز من قائل ﴿هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب وأخر متشابهات فأما الذين في قلوبهم زيغ فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله وما يعلم تأويله الا الله والراسخون في العلم يقولون آمنّا به كل من عند ربنا وما يذكر الا اولوا الالباب﴾ [سورة آل عمران]

أما الآيات المتشابهات فهي التي دلالتها على المراد غير واضحة، وقد ذم الله تعالى الذين يتبعون ما تشابه من القرآن ابتغاء الفتنة أي الزيغ أي ابتغاء الإيقاع في الباطل والعياذ بالله، لذلك قال الإمام الكبير الشيخ العارف بالله أحمد الرفاعي رضي الله عنه (صونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة فإن ذلك من أصول الكفر).

فليس لكل إنسان يقرأ القرآن أن يفسره، فإذا ما سمعت أخي المسلم بآية قرآنية لم تسمع بتفسيرها قبل ذلك قل كما قال الشافعي رضي الله عنه (آمنت بما جاء عن الله على مراد الله) كأن سمعت مثلا قوله تعالى ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ [سورة فاطر]

(الكلم الطيب) هو ككلمة لا إله إلا الله.

(والعمل الصالح) يشمل كل عمل صالح يتقرب به إلى الله، أي يعمله المسلم لأجل الأجر والثواب من الله كالصلاة والصدقة وصلة الأرحام.

فمعنى ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ أن كل ذلك من ذكر لله تعالى والأعمال الصالحة كالصلاة والصدقة وصلة الرحم يتقبلها الله، فليس معنى الآية ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ أن الله له حيز يتحيز فيه يسكنه، ليس معناها أن الله في جهة فوق يسكن في السماء، تنزه الله عن ذلك، فالله سبحانه وتعالى موجود بلا مكان.

من أراد أن يفسر المتشابه من القرآن الكريم فيجب أن يكون التفسير موافقا للآيات المحكمات كتفسير الاستواء بالقهر في قوله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ أي نفسر كلمة (استوى) هنا في هذه الآية بالقهر أي أن العرش وهو أكبر مخلوقات الله مقهور لله تعالى، هذا ولا أحد يعلم مساحة العرش إلا الله، حتى الملائكة الذين يطوفون حول العرش لا يعلمون مساحة العرش فهو أكبر مخلوقات الله، والعرش مقهور لله تعالى وسائر المخلوقات التي هي أصغر من العرش مقهورة لله تعالى، تفسير (استوى) بالقهر في هذه الآية يليق بالله، أما من فسر (استوى) جلس أو استقر فهذا شبه الله تعالى بخلقه والعياذ بالله، وهذا كفر والعياذ بالله.

فلا يجوز حمل الآيات المتشابهة على الظاهر لأنه يلزم من ذلك ضرب القرآن بعضه ببعض، وذلك لأن قول الله تعالى ﴿الرحمن على العرش استوى﴾ وقوله ﴿إليه يصعد الكلم الطيب والعمل الصالح يرفعه﴾ تحيز الله تعالى في جهة فوق وهذا مستحيل في حق الله، وقوله تعالى ﴿ولله المشرق والمغرب فأينما تولوا فثم وجه الله﴾ [سورة البقرة]، ظاهره أن الله في أفق الأرض وهذا لا يليق بالله.

وقوله في حق إبراهيم ﴿وقال إني ذاهب إلى ربي﴾ [سورة الصافات] ظاهره أن الله ساكن فلسطين لأن إبراهيم كان متوجها إلى فلسطين، تنزه الله عن ذلك، فإن تفسير هذه الآيات على ظواهرها يؤدي إلى نسبة التناقض في القرآن، والحق أن القرآن لا يناقض بعضه بعضا، فوجب ترك الأخذ بظواهر هذه الآيات، والرجوع إلى آية ﴿ليس كمثله شيء﴾، ولا نفسر المتشابه من القرآن على هوانا، بل كن أخي المسلم مستحضرا لقول الشافعي رضي الله عنه (آمنت بما جاء عن الله على مراد الله، وآمنت بما جاء عن رسول الله على مراد رسول الله).

اللهم ثبتنا على العقيدة الحقة واحفظنا من عقيدة التجسيم والتشبيه يا رب العالمين.