الخميس يناير 29, 2026

الفضل بتفضيل الله

لقد رَوَى الإمام مالك في موطئه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: «خير يوم طَلعتْ عليه الشمس يوم الجمعة، فيه خُلِق آدم، وفيه أُهبط من الجنة، وفيه تاب عليه، وفيه مات، وفيه ساعة لا يُصادفها عبد مسلم يُصلّي يسأل الله شيئًا إلا أعطاه إياه». والجمهور من العلماء على أن ساعة الإجابة هي آخر ساعة من يوم الجمعة، أي قبل الغروب بساعة، فلا تُفوَّت لسؤال الله الخير فيها.

أما آدم، فلأنه أول البشر، فقد فضَّله الله على سائر المخلوقات، فهو أفضل من النوع الملَكي ومن النوع الجِنّي. وبما أن أنبياء الله من البشر، فإن آدم كأول فرد من نوعه، ومن أفراد هذا النوع الكريم على الله تعالى، خُلِق في هذا اليوم – أي يوم الجمعة – وتمام خلقه كان في الجنة.

وقد ورد في مستدرك الحاكم أن آدم لم يمكث في الجنة إلا ساعة من العصر إلى الغروب، لكن هذه الساعة تُقدَّر بمائةٍ وثلاثين عامًا، لأن الأيام الستة التي خُلق فيها الأرض والسموات تُقدَّر كل يومٍ منها بألف سنة كما في تقديرنا، فكانت مدة مكث آدم في الجنة بعد نفخ الروح إلى نزوله على الأرض مائة وثلاثين عامًا. وهذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «فيه خُلِق آدم».

وأخر خلقه إلى آخر ذلك اليوم لأنه صفوة الخلق وأفضل من خلق قبله، فأخر ليتناسب مع مكانته، كما أن محمدا صلى الله عليه وسلم الذي هو سيد الخلق، سيّد العالمين وإمام الأنبياء وأشرف المرسلين، خلق آخر الأنبياء، ولم يُبعث إلا بعد أن بُعِث جميع الأنبياء عليهم السلام، وهذا كخاتمة حسنة كما وصف الله شراب أهل الجنة: {ختامه مسك} [المطففين: 26].

فالفضل ليس بطول العمر أو كثرة العبادة، بل بتفضيل الله. فقد عاش آدم ألف سنة، ونوح أكثر من ذلك، ومع ذلك لم يكونا أفضل الأنبياء، فالفضل عند الله بتفضيله لمن يشاء. ومن أفضل الأنبياء خمسة: محمد، وإبراهيم، وموسى، وعيسى، ونوح، وخير الخمسة محمد صلى الله عليه وسلم.

سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم عاش بعد نزول النبوة ثلاثة وعشرين عامًا فقط، ومع ذلك فضله الله على جميع الأنبياء، وهذا يوضح أن الفضل ليس بطول العمر أو كثرة العبادة، بل بتفضيل الله تعالى وحده.

اللهم ربنا آتنا في الدنيا حسنةً وفي الآخرة حسنةً، وقنا عذاب النار.