الفرقان
في تصحيح ما حرف تفسيره
من ءايات القرءان
الجزء الثاني
شرح وتحقيق وتعليق
الشيخ جميل محمد علي حليم الأشعري الشافعي الحسيني
دكتور محاضر في العقائد والفرق
شركة دار المشاريع
يقول الإمام الـمزني
«قرأت كتاب الرسالة على الشافعي ثمانين
مرة، فما من مرة إلا وكان يقف على خطأ،
فقال الشافعي: هيه، أبى الله أن يكن كتابا
صحيحا غير كتابه».
أخي القارئ الكريم،
ما كان من خطأ في كتابنا أرشدنا إليه
فإننا لا ندعي العصمة،
ونحن لك من الشاكرين.
بسم الله الرحمٰن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، وأشهد أن لا إلٰه إلا الله وحده لا شريك له، ولا يقال أين كان ولا كيف كان. وأشهد أن سيدنا ونبينا محمدا عبده صلى الله عليه وعلى ءاله وأصحابه الذين حفظوا القرءان، ونقلوه إلينا متواترا، فصانوه عن التغير والتبديل والتحريف والزيادة والنقصان.
أما بعد فإن من نعم الله عز ول ما من به على فضيلة السيد الشريف الشيخ الدكتور جميل حليم الحسيني من تأليف كتاب بين فيه ما اشتبه تفسيره من الآيات على كثير من العوام، وحذر فيه من تحريف المحرفين لهذه الآيات الكريمات، وطبع الكتاب المعروف بـ(الفرقان في تصحيح ما حرف تفسيره من آيات القرءان) الجزء الأول، وهذا الجزء الثاني، وطلاب العلم متلهفون إليه، لشدة حاجة الناس إليه، سيما في هذا العصر المليء بالفتن والفساد، فإن أمثال هذه الكتب النفيسة تكون منارة للتائهين، ونبراسا وهاجا وبدرا وضاء يضيء الطريق إلى معرفة الحق المبين ونبذ الغلو في الدين.
فجزى الله مؤلفه خير الجزاء، وأعانه وقواه.
أخوكم في الله
الشريف الشيخ الدكتور سليم علوان الحسيني
أمين عام دار الفتوى في أستراليا
13/12/2014
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وشرف وكرم على سيدنا محمد، الحبيب المحبوب، العظيم الجاه، العالي القدر طه الأمين، وإمام المرسلين وقائد الغر المحجلين، وعلى ذريته وأهل بيته الـميامين المكرمين، وعلى زوجاته أمهات المؤمنين البارات التقيات النقيات الطاهرات الصفيات، وصحابته الطيبين الطاهرين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
أما بعد، فهذه عقيدة كل الأمة الإسلامية سلفا وخلفا، وهي المرجع الذي تعرض عليه عقائد الناس، فمن خالفها أو كذبها لا يكون من المسلمين، وهي ميزان الحق الذي يكشف زيف الباطل وزيغه، فكان لا بد من هذا البيان المهم لخصوص الغرض وعموم النفع، وعليه:
اعلم أرشدنا الله وإياك أنه يجب على كل مكلف أن يعلم أن الله عز وجل واحد في ملكه، خلق العالـم بأسره العلوي والسفلي والعرش والكرسي، والسمٰوات والأرض وما فيهما وما بينهما. جميع الخلائق مقهورون بقدرته، لا تتحرك ذرة إلا بإذنه، ليس معه مدبر في الخلق ولا شريك في الملك، حي قيوم لا تأخذه سنة ولا نوم، عالـم الغيب والشهادة لا يخفى عليه شيء في الأرض ولا في السماء، يعلم ما في البر والبحر، وما تسقط من ورقة إلا يعلمها، ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين.
أحاط بكل شيء علما وأحصى كل شيء عددا، فعال لما يريد، قادر على ما يشاء، له الملك وله الغنى، وله العز والبقاء، وله الحكم والقضاء، وله الأسماء الحسنى، لا دافع لما قضى، ولا مانع لما أعطى، يفعل في ملكه ما يريد، ويحكم في خلقه بما يشاء، لا يرجو ثوابا ولا يخاف عقابا، ليس عليه حقق يلزمه ولا عليه حكم، وكل نعمة منه فضل وكل نقمة منه عدل، لا يسأل عما يفعل وهم يسألون. موجود قبل الخلق، ليس له قبل ولا بعد، ولا فوق ولا تحت، ولا يمين ولا شمال، ولا أمام ولا خلف، ولا كل ولا بعض، ولا يقال متى كان ولا أين كان ولا كيف، كان ولا مكان، كون الأكوان، ودبر الزمان، لا يتقيد بالزمان، ولا يتخصص بالمكان، ولا يشغله شأن عن شأن، ولا يحلقه وهم ولا يكتنفه عقل، ولا يتخصص بالذهن، ولا يتمثل في النفس، ولا يتصور في الوهم، ولا يتكيف في العقل، لا تلحقه الأوهام والأفكار، {ليس كمثله شيء وهو السميع البصير}.
تنزه ربي عن الجلوس والقعود والاستقرار والمحاذاة، الرحمٰن على العرش استوى استواء منزها عن المماسة والاعوجاج، خلق العرش إظهارا لقدرته ولم يتخذه مكانا لذاته، ومن اعتقد أن الله جالس على العرش فهو كافر، الرحمٰن على العرش استوى كما أخبر لا كما يخطر للبشر، فهو قاهر للعرش متصرف فيه كيف يشاء، تنزه وتقدس ربي عن الحركة والسكون، وعن الاتصال والانفصال والقرب والبعد بالحس والمسافة، وعن التحول والزوال والانتقال، جل ربي لا تحيط به الأوهام ولا الظنون ولا الأفهام، لا فكرة في الرب، خلق الخلق بقدرته، وأحكمهم بعلمه، وخصهم بمشيئته، ودبرهم بحكمته، لم يكن له في خلقهم معين، ولا في تدبيرهم مشير ولا ظهير.
لا يلزمه (لم)، ولا يجاوره (أين)، ولا يلاصقه (حيث)، ولا يحله (ما)، ولا يعده (كم)، ولا يحصره (متى)، ولا يحيط به (كيف)، ولا يناله (أي)، ولا يظله (فوق) ولا يقله (تحت)، ولا يقابله (حد)، ولا يزاحمه (عند)، ولا يأخذه (خلف)، ولا يحده (أمام)، ولم يتقدمه (قبل)، ولم يفته (بعد)، ولم يجمعه (كل)، ولم يجده (كان)، ولم يفقده (ليس).
لا إلٰه إلا هو، تقدس عن كل صفات المخلوقين وسمات المحدثين، لا يمس ولا يمس ولا يحس ولا يجس، لا يعرف بالحواس ولا يقاس بالناس، نوحده ولا نبعضه، ليس جسما ولا يتصف بصفات الأجسام، فالمجسم كافر بالإجماع وإن قال: «الله جسم لا كالأجسام» وإن صام وصلى صورة، فالله لي شبحا، وليس شخصا، وليس جوهرا، وليس عرضا، لا تحل فيه الأعراض، ليس مؤلفا ولا مركبا، ليس بذي أبعاض ولا أجزاء، ليس ضوءا وليس ظلاما، ليس ماء وليس غيما وليس هواء وليس نارا، وليس روحا ولا له روح، لا اجتماع له ولا افتراق.
لا تجري عليه الآفات ولا تأخذه السنات، منزه عن الطول والعرض والعمق والسمك والتركيب والتأليف والألوان، لا يحل فيه شيء، ولا ينحل منه شيء، ولا يحل هو في شيء، لأنه ليس كمثله شيء، فمن زعم أن الله في شيء أو من شيء أو على شيء فقد أشرك، إذ لو كان في شيء لكان محصورا، ولو كان من شيء لكان محدثا أي مخلوقا، ولو كان على شيء لكان محمولا، وهو معكم بعلمه أينما كنتم لا تخفى عليه خافية، وهو أعلم بكم منكم، وليس كالهواء مخالطا لكم.
وكلم الله موسى تكليما، وكلامه كلام واحد لا يتبعض ولا يتعدد ليس حرفا ولا صوتا ولا لغة، ليس مبتدأ ولا مختتما، ولا يتخلله انقطاع، أزلي أبدي ليس ككلام المخلوقين، فهو ليس بفم ولا لسان ولا شفاه ولا مخارج حروف ولا انسلال هواء ولا اصطكاك أجرام. كلامه صفة من صفاته، وصفاته أزلية أبدية كذاته، وصفاته لا تتغير لأن التغير أكبر علامات الحدوث، وحدوث الصفة يستلزم حدوث الذات، والله منزه عن كل ذلك، مهما تصورت ببالك فالله لا يشبه ذلك، فصونوا عقائدكم من التمسك بظاهر ما تشابه من الكتاب والسنة فإن ذلك من أصول الكفر، {فلا تضربوا لله الأمثال} {ولله المثل الأعلىٰ} {هل تعلم له سميا}، ومن زعم أن إلـٰهنا محدود فقد جهل الخالق المعبود، فالله تعالى ليس بقدر العرش ولا أوسع منه ولا أصغر، ولا تصح العبادة إلا بعد معرفة المعبود، وتعالى ربنا عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات، ولا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات، ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد خرج من الإسلام وكفر.
{هل من خالق غير الله}، {والله خلقكم وما تعملون}، {قل الله خالق كل شيء}، {وخلق كل شيء فقدره تقديرا} ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن، وكل ما دخل في الوجود من أجسام وأجرام وأعمال وحركات وسكنات ونوايا وخواطر وحياة وموت وصحة ومرض ولذة وألم وفرح وحزن وانزعاج وانبساط وحرارة وبرودة وليونة وخشونة وحلاوة ومرارة وإيمان وكفر وطاعة ومعصية وفوز وخسران وتوفيق وخذلان وتحركات وسكنات الإنس والجن والملائكة والبهائم وقطرات المياه والبحار والأنهار والآبار وأوراق الشجر وحبات الرمال والحصى في السهول والجبال والقفار فهو بخلق الله، بتقديره وعلمه الأزلي، فالإنس والجن والملائكة والبهائم لا يخلقون شيئا من أعمالهم، وهم وأعمالهم خلق لله، {والله خلقكم وما تعملون}، ومن كذب بالقدر فقد كفر.
ونشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا وغوثنا ووسيلتنا ومعلمنا وهادينا ومرشدنا وشفيعنا محمدا عبده ورسوله، وصفيه وحبيبه وخليله، من أرسله الله رحمة للعالمين، جاءنا بدين الإسلام ككل الأنبياء والمرسلين، هاديا ومبشرا ونذيرا وداعيا إلى الله بإذنه قمرا وهاجا وسراجا منيرا، فبلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة وجاهد في الله حق جهاده حتى أتاه اليقين، فعلم وأرشد ونصح وهدى إلى طريق الحق والجنة، صلى الله عليه وسلم وعلى كل رسول أرسله، ورضي الله عن ساداتنا وأئمتنا وقدوتنا وملاذنا أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وسائر العشرة المبشرين بالجنة الأتقياء البررة وعن أمهات المؤمنين زوجات النبي الطاهرات النقيات المبرآت، وعن أهل البيت الأصفياء الأجلاء وعن سائر الأولياء وعباد الله الصالحين.
ولله الحمد والفضل والـمنة أن هدانا لهذا الحق الذي عليه الأشاعرة والماتريدية وكل الأمة الإسلامية، والحمد لله رب العالمين.
بقلم الناشر
هو السيد الشريف رئيس جمعية المشايخ الصوفية الشيخ الدكتور عماد الدين أبو الفضل جميل بن محمد علي حليم، الحسيني الأشعري الشافعي الرفاعي القادري.
تلقى العلوم والطرق عند علامة العصر وقدوة المحققين الحافظ الشيخ عبد الله بن محمد الهرري الشيبي العبدري ولزمه وصحبه واستفاد منه زمانا طويلا وكان يعيد دروسه وإملاءاته في كثير من مجالسه العامة والخاصة بطلب منه رضي الله عنه، وقرأ وسمع وحضر في علوم شتى على كثير من العلماء والفقهاء والمحدثين من مشاهير البلاد كمكة والمدينة وجدة ولبنان وسوريا والعراق ومصر وأندنوسيا وتركيا والمغرب واليمن والحبشة وغيرها، وأجازه كثير من العلماء والمحدثين والمشايخ في مختلف البلاد إجازة عامة مطلقة وخاصة بكل ما تجوز لهم روايته وفي الطرق والإرشاد والتسليك وإقامة الختم والحضرة وتلقين الأوراد.
وقد حاز الشيخ جميل على شهادتي دكتوراه، الأولى من الجامعة العالمية في لبنان تحت عنوان «السقوط الكبير الـمدوي للمجسم ابن تيمية الحراني» بتقدير ممتاز مع مرتبة الشرف الأولى، والأخرى من جامعة مولاي إسماعيل بالمغرب تحت عنوان «التأويل في علم الكلام وضوابطه عند أهل السنة والجماعة» وذلك بتقدير مشرف جدا.
وقد أولى الشيخ جميل اهتمامه العلم والمطالعة وتأليف الكتب وتحقيق مصنفات العلماء في مكتبته «المكتبة الأشعرية العبدرية» في بيروت وقد حوت ءالاف الكتب المطبوعة والمخطوطة النادرة في علوم وفنون شتى بالإضافة إلى نشاطاته الواسعة وممارسته الخطابة في المساجد وإلقاء المحاضرات والمشاركة في المؤتمرات في لبنان والخارج والمحاضرات في بعض الجامعات ومشاركة الناس في أفراحهم وأتراحهم، واستقباله المشايخ وطلبة العلم وعموم الناس. ولم ينكفئ عن خدمة الناس ومخالطتهم لنشر الدين والدعوة والعلم. وقد بلغت مؤلفاته ومصنفاته وتحقيقاته لبعض الكتب فوق المائتي كتاب إلى الآن.
وقد قرأ وسمع على العلماء والمشايخ وحصل تلقيا أكثر من ثلاثمائة كتاب في كل الفنون والعلوم ولله الفضل والحمد والـمنة ولا زال إلى اليوم بعون من الله وتوفيق وتسديد قائما على الخطابة في المساجد والتدريس وإلقاء محاضرات في المساجد والجامعات والمعاهد وفي مناسبات الناس العامة كالجنائز والتعازي والأعراس جوالا على المحافظات والبلاد بذلك، كما وأنه شارك وحضر في كثير من المؤتمرات والمهرجانات والاحتفالات في كثير من الدول والبلاد بطلب ودعوة من أهلها، وله العديد من المقابلات واللقاءات في عدد من وسائل الإعلام كالتلفزيون والإذاعة والمجلات والصحف، وهو دكتور أستاذ محاضر في الجامعة العالمية في لبنان، كما وأنه يعقد مجالس الإقراء والإسماع في الأحاديث المسلسلة وكتب الحديث الشريف كالكتب السبعة وغيرها من أمهات الكتب من العقائد والأحكام والفقه والتصوف وهو أول من أقرأ صحيحي البخاري ومسلم في لبنان من تلاميذ الحافظ الهرري، وقد أقرأ إلى الآن العشرات من الكتب والمؤلفات التي حضر فيها الجم الغفير من المشايخ والدعاة والأساتذة والدكاترة ومعلمي ومعلمات المعاهد والمدارس وخطباء المساجد وطلاب الكليات والمعاهد الشرعية، وبعض هذه المجالس تبث مباشرة على مواقع التواصل وصفحات الفايسبوك وبعض هذه المجالس والمحاضرات شاهدها قريب من ثلاثة ملايين مشاهد.
كما وقد راسله وهاتفه وكاتبه وشافهه عدد كبير من المشايخ والدكاترة والدعاة والأساتذة والفقهاء والمحدثين لطلب وأخذ الإجازة منه، وإجازاته من كل بقاع الدنيا قاربت الألف إجازة بعضها مذكور ومفصل في ثبته الموسوم بـ«جمع اليواقيت الغوالي من أسانيد الشيخ جميل حليم العوالي»، وقد طبع مرات ومعظم إجازاته وأكثرها التي جاءت بالمئات في ثبته الكبير المسمى بـ«المجد والمعالي من أسانيد الشيخ جميل حليم الغوالي».
هذا وقد خصه بعض العلماء وأحفاد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الأسر الشريفة المشهورة وأصحاب الطرق من بلاد عدة بآثار من آثار رسول الله محمد صلى الله عليه وسلم، فحفظها في «الخزينة الحليمية». وفي كل عام يتبرك عشرات الآلاف من المسلمين في مختلف البلاد ببعض هذه الآثار الزكية المباركة العطرة، وقد حصل بذلك خير عظيم جسيم كبير من دخول بعض الناس في الإسلام وظهرت حالت شفائية سريعة وظاهرة جدا حتى جمع بعضها في كتاب طبع مرات وهو «أسرار الآثار النبوية أدلة شرعية وحالات شفائية» ولله الحمد والفضل والثناء والمنة والشكر الجزيل على ما أسدى من الفضل العميم وصلى الله وسلم على سيدنا محمد وعلى كل النبيين والمرسلين وءال كل وصحب كل وسائر عباد الله الصالحين([1]).
بيروت، الخميس 29 المحرم 1442هـ
الموافق 17 أيلول 2020ر
([1]) للتواصل مع المؤلف راجع ما يلي: 9613006078+ / 9613673946+