الأربعاء يناير 28, 2026

الـمقاتلية

المقاتلية هم أصحاب أبي الحسن مقاتل بن سليمان البلخي (ت 150هـ)([1])
الذي اهتم بعلم التفسير، حتى روي عن ابن المبارك أنه قال([2]): «ما أحسن تفسير مقاتل لو كان ثقة» اهـ.

وكان مقاتل واسع الدائرة في التفسير معجبا بكثرة ما جمع، حتى إنه قعد في مجلسه مرة وقال([3]): «سلوني عما دون العرش! فقال له رجل: آدم حين حج من حلق رأسه؟ فقال: ليس هذا من عملكم، ولكن الله أراد أن يبتليني بما أعجبتني نفسي([4]) اهـ. ولم يتهافت أهل الحديث على كثرة ما جمع مقاتل، بل زهدوا في الرواية عنه لضعفه ولما أظهره من التجسيم.

وقد سبقت الإشارة إلى إنكار السلف على مقالة مقاتل، وهذا موضع التفصيل في مقالته.

فقد قال الإمام الأشعري([5]): «حكي عن أصحاب مقاتل قوله: إن الله جسم، وإن له جثة، وإنه على صورة الإنسان لحم ودم وشعر وعظم وجوارح وأعضاء من يد ورجل ورأس وعينين مصمت، وهو مع ذلك لا يشبه غيره ولا يشبهه غيره» اهـ.

ومن مرويات مقاتل في التجسيم ما زعمه وأخرجه الذهبي بسنده عن مقاتل عن الضحاك عن ابن عباس أنه قال([6]): «إذا كان يوم القيامة ينادي مناد: أين حبيب الله؟ فيتخطى ـ أي النبي محمد ﷺ بزعمهم ـ صفوف الملائكة حتى يصير إلى العرش حتى يجلسه معه على العرش حتى يمس ركبته» اهـ.

ومن العجيب بعد شهرة نسبة التجسيم إلى مقاتل أن يحاول ابن تيمية  إنكار ذلك فيقول([7]): «وأما مقاتل فالله أعلم بحقيقة حاله، والأشعري ينقل هذه المقالات من كتب المعتزلة، وفيهم انحراف عن مقاتل بن سليمان، فلعلهم زادوا في النقل عنه، أو نقلوا عن غير ثقة، وإلا فما أظنه يصل إلى هذا الحد، ومقاتل بن سليمان وإن لم يكن يحتج به في الحديث، لكن لا ريب في علمه بالتفسير وغيره» اهـ.

ويقال: نسبة التجسيم إلى مقاتل لم ينفرد بها المعتزلة، فقد أخرج الخطيب البغدادي([8]) بسنده عن أحمد بن سيار([9]) أنه قال: «مقاتل متروك الحديث([10])، كان يتكلم في الصفات بما لا تحل الرواية عنه» اهـ.

وأخرج الخطيب البغدادي أيضا بسنده عن الإمام أحمد أنه قال([11]): «مقاتل بن سليمان كانت له كتب ينظر فيها» اهـ. وقال ابن حبان([12]): «كان يأخذ عن أهل الكتاب علم القرآن الذي يوافق كتبهم، وكان مشبها يشبه الرب بالمخلوقين، وكان يكذب مع ذلك في الحديث» اهـ.

وقال الذهبي([13]): «ظهر بخراسان الجهم بن صفوان ودعا إلى تعطيل صفات الله عز وجل، وظهر في خراسان في قبالته مقاتل بن سليمان المفسر، وبالغ في إثبات الصفات حتى جسم، وقام على هؤلاء علماء التابعين وأئمة السلف وحذروا من بدعهم» اهـ.

وأما استشهاد ابن تيمية بعلم مقاتل في التفسير، ومحاولته في تبرئته من التجسيم فلم يوافقه عليها الذهبي حيث قال([14]): «قد لطخ بالتجسيم مع أنه كان من أوعية العلوم بحرا في التفسير» اهـ. على أن الخطيب نقل في تاريخ بغداد ما يطعن في هذا التفسير أيضا، فقد نقل أنه جمع تفاسير الناس فجعلها لنفسه وحدث بها من غير سماع([15]).

إذا عرفت هذا فنقول: إن هذه الرغبة في تبرئة مقاتل من عقيدة التجسيم التي ينسبونها زورا إلى السلف مع قول مقاتل في إثبات الصورة لله والعياذ بالله، والإقعاد على العرش، إنما تدل على خبث سرائرهم وسوء مرادهم ليتوصلوا بذلك إلى إثبات أن السلف كانوا يقولون -بزعمهم- بإثبات الجسمية والكيفية لله.

[1] ) هو غير أبي سليمان مقاتل بن سليمان بن ميمون الذي يحدث عنه حماد بن الوليد الأزدي، قال ابن حجر في التهذيب، 10/245: «وهو متأخر في الطبقة عن مقاتل المشهور» اهـ. الفوائد، أبو القاسم الرازي، ص49. كتاب الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 1/137. ومقاتل بن سليمان أيضا غير مقاتل بن حيان أبي بسطام النبطي، وله حديث في صحيح مسلم ترجمه الذهبي في سير أعلام النبلاء، 6/340 وقال: «توفي في حدود الخمسين ومائة، وعاش مقاتل المفسر الضعيف بعده أعواما» اهـ. انظر ترجمته في التاريخ الكبير للإمام البخاري 8/13. وقد يستغل بعض المهتمين بالدفاع عن المجسمة هذا التشابه لتبرئة مقاتل بن سليمان من نسبة التجسيم إليه كما فعل السكاكي في البرهان ص 40، فاقتضى التنبيه على ذلك.

[2] ) تاريخ بغداد، الخطيب، 13/ 163. تهذيب الكمال، المزي، 28/ 431. ميزان الاعتدال، الذهبي، 4/173.

[3] ) التاريخ الكبير، البخاري، 8/14. الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم، 7/345. ميزان الاعتدال، الذهبي، 4/172. وقال الذهبي في سير أعلام النبلاء، 7/202: «أجمعوا على تركه» اهـ.

[4] ) تاريخ بغداد، الخطيب، 13/163.

[5] ) البدء والتاريخ، المقدسي، 5/141.

[6] ) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، 13/ 162. وهو خبر موضوع كما نبه عليه الذهبي. ميزان الاعتدال، الذهبي، 4/174.

[7] ) منهاج السنة النبوية، ابن تيمية، 2/618.

[8] ) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، 13/162. المنتظم، ابن الجوزي، 8/126.

[9] ) أحمد بن سيار أبو الحسن المروزي إمام المحدثين في عصره، من أوعية العلم مع الزهد والنبالة والعبادة، وثقه الدارقطني، عاش سبعين سنة وتوفي 268هـ. تذكرة الحفاظ الذهبي 1/254. طبقات الشافعية الكبرى، السبكي، 2/193.

[10] ) قال المناوي: «الحديث المتروك من أقسام المردود، وهو ما يكون بسبب تهمة الراوي بالكذب» اهـ. اليواقيت والدرر في شرح نخبة ابن حجر، المناوي، 1/139.

[11] ) تاريخ بغداد، الخطيب البغدادي، 13/162.

[12] ) المجروحون، ابن حبان، 2/15. التعديل والتجريح، الباجي، 1/197. كتاب الضعفاء والمتروكين، ابن الجوزي، 1/136. وفيات الأعيان، ابن خلكان، 5/255.

[13] ) تذكرة الحفاظ، الذهبي، 1/120.

[14] ) تذكرة الحفاظ، الذهبي، 1/130.

[15] ) تاريخ بغداد، الخطيب، 13/162. المنتظم، ابن الجوزي، 8/126. تهذيب الكمال، المزي، 28/436.