(ثم) أي بعدما غزا النبي ﷺ وأصحابه بني لحيان كانت (ذو قرد) أي غزوتها – بفتح القاف والراء – ويقال لها غزوة الغابة، وذلك يوم الأربعاء لثلاث خلون من ربيع الآخر سنة ست([1]).
وسببها أن لقاح([2]) النبي ﷺ – وكانت عشرين وقتها([3]) – كانت ترعى البيضاء([4]) ودونها([5])، فلما أجدب ما هنالك قربوها إلى الغابة ترعى بها، ويرجع الراعي بلبنها عند الـمغرب. وكان أبو ذر على لقاح رسول الله ﷺ، فلما روحت([6]) وعطنت([7]) وحلبت نام أبو ذر ومن معه في منزلهم، فأحدق بهم عبد الرحمن بن عيينة بن حصن في أربعين فارسا من غطفان، فأشرف لهم ابن أبي ذر فقتلوه وساقوا اللقاح وأسروا زوجته([8]).
وكان بثنية محلة الغابة([9]) لقيه خادم لعبد الرحمن بن عوف، فقال سلمة للغلام: ويحك ما بك([10])؟ فقال غلام ابن عوف أخذت لقاح النبي([11])، فقال سلمة: من ذا الذي أخذها؟ فقال الغلام: أخذتها غطفان، فصرخ سلمة ثلاث صرخات للاستغاثة فأسمع من كان ما بين حرتي المدينة([12]): «يا صباحاه، يا صباحاه»([13])، ثم اندفع سلمة مسرعا حتى يلقى الغطفانيين الذين أخذوا لقاح النبي ﷺ – وكان سلمة رضي الله عنه سريع الجري يسبق الخيل جريا على رجليه – فتبعهم حتى أدركهم وجعل يرميهم بالنبل وهو يقول مرتجزا: «أنا ابن الأكوع، واليوم يوم([14]) الرضع([15])»، فاستنقذ سلمة اللقاح من غطفان وأقبل بها إلى رسول الله ﷺ.
ونادى منادي رسول الله ﷺ بأمره بالمدينة: «الفزع الفزع»، فترامت الخيل إلى رسول الله ﷺ، فكان أول من انتهى إليه من الفرسان الـمقداد بن عمرو وتتابع بعده، جمع الفرسان، فلما اجتمعوا إلى النبي ﷺ أمر عليهم سعد بن زيد وقال له: «اخرج في طلب القوم حتى ألحقك في الناس»، فخرج الفرسان في طلب القوم حتى تلاحقوا.
وكان أول فارس أدرك المشركين محرز بن نضلة فوقف لهم بين أيديهم ثم قال: قفوا يا معشر بني اللكيعة([16]) حتى يلحق بكم من وراءكم من أدباركم من الـمهاجرين والأنصار، فحمل عليه رجل منهم فقتله، ولم يقتل يومها من الـمسلمين غيره عند الأكثر، وقيل([17]): قتل من الـمسلمين ثان هو وقاص بن محرز الـمدلجي.
واستعمل رسول الله ﷺ ابن أم مكتوم على المدينة ثم خرج في المسلمين وهم خمسمائة أو سبعمائة، وخلف ﷺ سعد بن عبادة في ثلاثمائة من قومه يحرسون المدينة، وكان عكاشة بن محصن من الفوارس الذين سبقوا في خروجهم رسول الله ﷺ، فأدرك عكاشة أوبارا وابنه عمرا وهما على بعير واحد فانتظمهما بالرمح فقتلهما جميعا، والتحم الـمسلمون والعدو فاقتتلوا قتالا شديدا واستنقذ الـمسلمون السرح كلها([18])، فهزم الله تعالى العدو ونصر الـمسلمين، وقتل من رؤوس الـمشركين مسعدة الفزاري وحبيب بن عيينة بن حصن وأوبار وقرفة بن مالك.
وسار رسول الله ﷺ مع الـمسلمين حتى نزل بالجبل من ذي قرد وصلى بأصحابه صلاة الخوف، فقال له سلمة بن الأكوع: يا رسول الله، لو سرحتني في مائة رجل لاستنقذت بقية السرح وأخذت بأعناق القوم، فقال النبي ﷺ: «إنهم الآن ليغبقون في غطفان([19])».
وكانت راية رسول الله ﷺ في هذه الغزوة سوداء – وهي التي تسمى العقاب([20]) – يحملها سعد بن زيد رضي الله عنه وكان شعارهم يومئذ «أمت أمت»، وأقام رسول الله ﷺ بذي قرد يوما وليلة يتحسب الخبر، ثم قسم في كل مائة منهم جزورا ينحرونها وخص ﷺ بعضهم بغير ذلك كأبي قـتادة رضي الله عنه لقتله مسعدة، فإنه ﷺ أدرك أبا قتادة يومئذ ونظر إليه وقال: «أفلح وجهك»، فقال أبو قـتادة: ووجهك يا رسول الله، فقال ﷺ: «قتلت مسعدة؟» قلت: نعم، وأعطاه رسول الله ﷺ فرس مسعدة وسلاحه، وقال له: «بارك الله لك فيه». وقال له ﷺ: «فما هذا الذي بوجهك؟»، فقال: سهم رميت به يا رسول الله، فقال: «فادن مني»، فدنا منه أبو قتادة فبصق ﷺ في جرحه فما ضرب الجرح عليه([21]) قط ولا قاح([22])، وقال ﷺ: «اللٰهم بارك له في شعره وبشره»، فاستجاب الله دعاء نبيه ﷺ بالبركة لأبي قتادة في شعره وبشره فكان حين مات ابن سبعين سنة كأنه ابن خمس عشرة سنة([23]).
ولما أصبحوا يوم الرجوع قال رسول الله ﷺ: «كان خير فرساننا اليوم أبو قتادة، وخير رجالتنا سلمة»، وجمع ﷺ لسلمة سهمين سهم الفارس وسهم الراجل، ثم توجه بعد ذلك راجعا إلى المدينة على ناقته العضباء يوم الاثنين – مردفا خلفه سلمة – وقد غاب عنها خمس ليال.
وروى الزبير بن بكار أن رسول الله ﷺ مر في غزوة ذي قرد على ماء يقال له بيسان، فسأل عنه ﷺ، فقيل له: اسمه يا رسول الله بيسان([24]) وهو مالح، فقال النبي ﷺ: «بل هو نعمان، وهو طيب»، فطاب الماء من حينه بقدرة الله عز وجل، واشتراه طلحة بن عبيد الله رضي الله عنه ثم تصدق به فقال له رسول الله ﷺ: «أنت يا طلحة الفياض».
([1]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (8/380).
([2]) أي: نوقه الحلوب سواء كانت قريبة العهد بالولادة أو حاملا، ومفرد اللقاح لقحة بكسر اللام وفتحها مع إسكان القاف.
([3]) كان يراح للنبي ﷺ منها كل ليلة بقربتين عظيمتين من اللبن.
([4]) موضع في جبل الـمناقب تتفرق منه طرق إلى اليمن وإلى اليمامة وإلى أعالي نجد وإلى الطائف، قاله في «معجم البلدان» (1/529) و(5/203).
([9]) محلة على ثمانية وأربعين ميلا من المدينة في الطريق إلى الشام.
([10]) الثنية الـمنعطف الذي ينحني عنده الطريق.
([11]) الويح مأخوذ من الحزن والترحم، و«ويحك» كلمة تقال لمن يشفق عليه أو يرحم.
([12]) الحرة أرض بظاهر المدينة فيها حجارة سود كثيرة.
([13]) هي كلمة يقولها الـمستغيث. وأصلها إذا صاحوا للغارة لأنهم أكثر ما يغيرون عند الصباح فكان الـمستغيث يقول: قد غشينا العدو، وقيل: هو نداء الـمقاتل عند الصباح يعني بها: «قد جاء وقت الصباح فتأهبوا للقتال وخذوا حذركم».
([14]) الرفع في «اليوم» و«يوم الرضع» بالرفع مبتدأ وخبر، وروي بنصب الأول. قاله البدر العيني في «عمدة القاري» (6/150).
([15]) الرضع جمع الراضع وهو اللئيم، أي واليوم كيوم هلاككم بأيدينا أيها الكفرة اللئام، وقيل: أراد أن اليوم يوم تعلم الـمرضعة فيه أرضعت جبانا أو شجاعا، وقيل: أراد يوما شديدا تفارق فيه الـمرضع رضيعها.
([17]) الاكتفا في مغازي الـمصطفى والثلاثة الخلفا، أبو الربيع الكلاعي، (1/450).
([18]) وذكر بعض أهل السير أنهم استنقذوا عشر لقاح، وما أثبتناه هو الموافق للفظ الحديث في الصحيحين حكاية لقول سلمة رضي الله عنه: «حتى استنقذت اللقاح منهم».
([19]) أي: بلغوا منزلهم يشربون اللبن. وقال الزرقاني في «شرح الـمواهب» (3/118): «والـمراد أنهم فاتوا ووصلوا إلى بلاد قومهم ونزلوا عليهم، فهم الآن يذبحون لهم ويطعمونهم».
([23]) الشفا بتعريف حقوق المصطفى، القاضي عياض المالكي، (1/495).
([24]) بكسر الباء الموحدة وسكون الياء الموحدة، ويجوز فتح الباء الموحدة. وبيسان اسم لماءين، أحدهما بالشام والآخر بالحجاز، والمراد هنا الثاني، قاله الـملا علي في «شرح الشفا» (1/671)