(فأحد) غزوها كان (بعد) أي بعد غزوة بحران، وأحد جبل بالمدينة على أقل من فرسخ منها. وفي وقت وقوعها اختلاف كثير، فقال بعض: وقعت يوم السبت لسبع خلون من شوال من السنة الثالثة للهجرة، وقيل: لإحدى عشرة ليلة خلت من شوال، وقيل: للنصف منه، وروي عن مالك رضي الله عنه أنها كانت بعد بدر بعام، وعنه أيضا أنها كانت على أحد وثلاثين شهرا للهجرة([1])، وكانت وقعة عظيمة ابتلى الله فيه العباد فظهر فيها المؤمن من المنافق.
وفي خبرها أنه لما أصيب يوم بدر من كفار قريش رؤساؤهم أصحاب القليب وفل من هرب منهم إلى مكة، مشى إلى أبي سفيان عبد الله بن أبي ربيعة وعكرمة بن أبي جهل وصفوان بن أمية في رجال من قريش ممن أصيب ءاباؤهم وإخوانهم وأبناؤهم يوم بدر ومن كانت له منهم تجارة في العير التي كانـ سببا لوقوع بدر، فوجدوا عيرهم موقوفة عند دار الندوة فقالوا له: نحن طيبو الأنفس أن يجهز بربح هذه العير جيش إلى محمد، ففعلوا وكانت ألف بعير والمال خمسين ألف دينار فرد إلى أهل العير رؤوس أموالهم وعزلت الأرباح – وكانوا يربحون في تجارتهم الدينار دينارا – فجهزوا الجيش بذلك، فنزل فيهم: {إن الذين كفروا ينفقون أموالهم ليصدوا عن سبيل الله فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون والذين كفروا إلى جهنم يحشرون} [الأنفال:36].
فاجتمعت قريش بأحابيشها([2]) لحرب النبي ﷺ وانضم إليهم من أطاعها من كنانة وأهل تهامة، وجاء صفوان بن أمية لأبي عزة الجمحي فقال له: يا أبا عزة إنك رجل شاعر فأعنا بلسانك ولك علي إن رجعت أن أغنيك، وإن أصبت أجعل بناتك مع بناتي يصيبهن ما أصابهن من عسر ويسر، فقال أبو عزة: إن محمدا قد من علي وأخذ علي أن لا أظاهر عليه أحدا حين أطلقني وأنا أسير في أسارى بدر، فلا أريد أن أظاهر عليه، قال: فأعنا بلسانك، فرجع أبو عزة ومسافع بن عبد مناف يستنفران الناس بأشعارهما.
فجعلت قريش تعد العدة وتستنفر الرجال وتسير بالقيان والدفوف والـمعازف، وخرج معهم خمس عشر امرأة من نسائهن مع أزواجهن منهن هند زوجة أبي سفيان.
ثم إن العباس بن عبد الـمطلب لم يكن قد أسلم بعد إلا أنه كتب إلى النبي ﷺ بخبرهم، فلما جاءه الكتاب فك ختمه ودفعه لأبي بن كعب رضي الله عنه فقرأه أبي عليه فاستكتم ﷺ أبيا، وأخبر النبي ﷺ سعد بن الربيع أحد نقباء الأنصار بذلك واستكتمه أيضا.
وسارت قريش وحلفاؤها في ثلاثة ءالاف وفيهم مائتا فارس في ثلاثة ءالاف بعير وسبعمائة دارع حتى نزلوا مقابل المدينة بذي الحليفة، فبعث رسول الله عينين له فأتيا رسول الله ﷺ بخبرهم. ويقال إن عمرو بن سالم الخزاعي فارق قريشا من ذي طوى مع نفر من خزاعة وجاؤوا إلى النبي ﷺ وأخبروه خبر قريش وانصرفوا. ولما وصل كفار قريش ومن معهم للأبواء أشارت عليهم هند بنت عتبة أن ينبشوا قبر السيدة ءامنة رضي الله عنها أم النبي ﷺ وقالت لهم: إن أسر منكم أحد فديتم كل إنسان بإرب([3]) من ءارابها، فقال بعضهم: لا يفتح هذا الباب وإلا نبش بنو بكر موتانا عند مجيئهم. وبات سعد بن معاذ وأسيد بن حضير وسعد بن عبادة وعليهم السلاح حراسا في المسجد بباب رسول الله ﷺ حتى أصبحوا.
وأصبح ﷺ يوما وقد رأى رؤيا فقال ﷺ: «رأيت في المنام أني أهاجر من مكة إلى أرض بها نخل، فذهب وهلي([4]) إلى أنها اليمامة أو هجر فإذا هي المدينة يثرب، ورأيت في رؤياي هذه أني هززت([5]) سيفا فانقطع صدره([6]) فإذا هو([7]) ما أصيب من المؤمنين يوم أحد ثم هززته أخرى فعاد أحسن ما كان فإذا هو جاء الله به من الفتح واجتماع المؤمنين، ورأيت فيها بقرا والله خير([8]) فإذا هم الـمؤمنون يوم أحد، وإذا الخير ما جاء الله به من الخير وثواب الصدق([9]) الذي ءاتانا الله بعد يوم بدر([10])».
ولما قص ﷺ ذلك على أصحابه استشارهم في الخروج من المدينة أو البقاء فيها تحصنا وترقبا، فكان رأيه ﷺ ورأي أكابر الـمهاجرين والأنصار الترقب في المدينة فإن دخلت قريش على المسلمين قاتلوهم وإن المدينة يومئذ بيوتها متشابكة قريبة كأنها حصن وإن المسلمين ساكنيها أعلم من كفار قريش وحلفائهم بها، ومثل ذلك كان رأي عبد الله بن أبي حين أرسل النبي ﷺ يستشيره ولم يكن قد استشاره قبل ذلك، وكان غيرهم يحبون أن يخرجوا للقاء العدو ولهم في ذلك رأي كحمزة بن عبد الـمطلب وسعد ابن عبادة والنعمان بن مالك في طائفة من الأنصار قالوا: «إنا نخشى يا رسول الله أن يظن عدونا أنا كرهنا الخروج إليهم جبنا عن لقائهم فيكون هذا جرأة منهم علينا، وقد كنت يوم بدر في ثلاثمائة رجل فظفرك الله تعالى عليهم ونحن اليوم بشر كثير، قد كنا نتمنى هذا اليوم وندعو الله تعالى به فساقه الله إلينا في ساحتنا»، فلم يزل برسول الله ﷺ الناس الذين كان من أمرهم حب لقاء العدو حتى دخل ﷺ فلبس لأمته وذلك يوم الجمعة حين فرغ ﷺ من الصلاة، فقال الناس: يا رسول الله استكرهناك ولم يك، ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله وسلم عليك، فقال رسول الله ﷺ: «لا ينبغي لنبي يلبس لأمته فيضعها حتى يحكم الله».
فخرج ﷺ في ألف من أصحابه حتى إذا كانوا بين المدينة وأحد انخذل عنه عبد الله ابن أبي بثلث الناس وقال: «أطاعهم وعصاني، ما ندري علام نقتل أنفسنا ههنا أيها الناس»، فرج‘ أبي بمن تبعه من أهل النفاق والريب، فتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام فقال: يا قوم أذكركم الله أن تخذلوا قومكم ونبيكم عند ما حضر من عدوهم، قالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم ولكنا لا نرى أنه يكون قتال، فلما استعصوا على عبد الله بن عمرو وأبوا إلا الانصراف عنهم قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عنكم نبيه.
وقد رد النبي ﷺ جماعة من الغلمان يوم أحد فلم يمكنهم من حضور الحرب لصغرهم كعبد الله بن عمر، ثم مضى ﷺ حتى سلك في حرة بني حارثة ثم نزل الشعب من أحد فجعل ظهره وعسكره إلى أحد وقال: «لا يقاتلن أحد حتى نأمره بالقتال»، وكانت قريش قد سرحت بعض بهائمها ترعى في زروع المسلمين، فجعل رسول الله ﷺ يجهز الجيش للقتال وهو في سبعمائة رجل، وأمر على الرماة عبد الله بن جبير وهو معلم يومئذ بثياب بيض والرماة خمسون رجلا، فقال ﷺ: «انضح الخيل عنا بالنبل لا يأتونا من خلفنا، إن كانت لنا أو علينا فاثبت مكانك لا نؤتين من قبلك»، ولبس ﷺ درعين أحدهما فوق الآخر ثم دفع ﷺ اللواء إلى مصعب بن عمير أخي بني عبد الدار.
وأقبل الـمشركون فصفوا صفوفهم واستعملوا على الميمنة خالد بن الوليد وعلى الـميسرة عكرمة بن أبي جهل ولهم مجنبتان مائتا فرس، وجعلوا على الخيل صفوان بن أمية أو عمرو بن العاص وعلى الرماة عبد الله بن أبي ربيعة وهم مائة رام، وجعلوا اللواء مع طلحة بن أبي طلحة – وهو الذي كان معه يوم بدر – وكان شعارهم «يا لعزى يا لهبل».
وأخرج النبي ﷺ سيفا له وقال: «من يأخذ هذا السيف بحقه؟»، فقام إليه رجال فأمسكه عنهم حتى قام إليه أبو دجانة فقال: وما حقه يا رسول الله؟ قال: «أن تضرب به في العدو حتى ينحني»، فقال: أنا ءاخذه يا رسول الله بحقه، فأعطاه ﷺ إياه، وكان أبو دجانة رجلا شجاعا وإذا اعتصب بعصابة له حمراء علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد النبي ﷺ أخرج عصابته تلك فعصب بها رأسه ثم جعل يتبختر بين صف المسلمين وصف الكافرين فقال رسول الله ﷺ: «إنها لمشية يبغضها الله إلا في مثل هذا الموطن» لما فيه من إرهاب للعدو وقذف للرعب والخشية في قلوبهم.
وجعل أبو دجانة لا يلقى أحدا من الكفار إلا قتله، وقاتل حمزة بن عبد المطلب حتى قتل أحد النفر الذين كانوا يحملون لواء قريش من بني عبد الدار، وكان جبير بن مطعم قد وعد غلامه وحشيا بالعتق إن قتل حمزة بعمه طعيمة ابن عدي المقتول يوم بدر، فخرج وحشي ينظر حمزة حتى رءاه يهد الناس بسيفه ما يقوم له شيء، فمر بحمزة أبو نيار سباع بن عبد العزى يريد نزاله فقال له حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور، وكانت أم سباع واسمها أم أنمار ختانة بمكة، فضربه حمزة ضربة في رأسه فقتله، فهز وحشي حربته ودفعها على حمزة فوقعت في ثنته([11]) حتى خرجت من بين رجليه ومات رضي الله عنه([12]).
وقاتل مصعب بن عمير رضي الله عنه دون رسول الله ﷺ حتى قتله ابن قمئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله، فرجع إلى قريش فقال: قتلت محمدا.
وأعطى رسول الله ﷺ اللواء بعد مصعب علي بن أبي طالب، فقاتل علي ورجال من المسلمين، ولما اشتد القتال جلس رسول الله ﷺ تحت راية الأنصار وأرسل إلى علي أن قدم الراية، فتقدم علي فقال: أنا أبو القصم([13])، فناداه أبو سعد بن أبي طلحة من بني عبد الدار صاحب لواء المشركين: هل لك يا أبا القصم في البراز من حاجة؟ قال: نعم، ويقال إنه خرج طالبا من يبارزه فلم يخرج إليه أحد فقال: يا أصحاب محمد، زعمتم أن قتلاكم في الجنة وقتلانا في النار كذبتم، واللات لو تعلمون ذلك حقا لخرج إلي بعضكم، فخرج إليه علي وبرزا بين الصفين فضربه علي فصرعه، وقيل: قتله سعد بن أبي وقاص رضي الله عنه.
والتقى في هذا اليوم حنظلة بن أبي عامر الغسيل وأبو سفيان، فلما استعلاه حنظلة وكاد يقتله رأى شداد بن الأسود ذلك فعلا حنظلة بالسيف فقتله، فقال رسول الله ﷺ: «فذاك قد غسلته الـملائكة».
وثبت رسول الله ﷺ مكانه يواجه العدو ما يزول قدما واحدا، وما يزال يرمي عن قوسه حتى تقطع الوتر وبقيت في يده منه قطعة قدر شبر، فأخذ القوس عكاشة بن محصن ليوتره له فقال: يا رسول الله، لا يبلغ الوتر، فقال ﷺ: «مده فيبلغ»، قال عكاشة: فوالذي بعثه بالحق لمددته حتى بلغ وقد طويت منه ليتين أو ثلاثا على سية القوس.
وأخذ رسول الله ﷺ قوسه فما زال يرمي به وأبو طلحة يستره متترسا عنه حتى تحطمت القوس وصارت شظايا وفنيت نبله، ورمى ﷺ بالحجارة وهو أقرب الناس إلى العدو، وكان ﷺ يطل فينظر إلى القوم فتطاول أبو طلحة بصدره يقي رسول الله ﷺ وهو يقول: يا نبي الله بأبي أنت وأمي لا تشرف يصيبك سهم من سهام القوم، نحري دون نحرك، فلما فنيت النبل جعل رسول الله ﷺ يناول أبا طلحة العود ويقول: «ارم أبا طلحة»، فإذا وضع أبو طلحة العود في كبد القوس صار سهما جيدا، فجعل أبو طلحة يرمي في وجوه المشركين ويصيح فقال ﷺ: «لصوت أبي طلحة في الجيش خير من فئة».
وأعطى الله تعالى النصرة للمسلمين والغلبة على الكافرين فحسهم المسلمون بالسيوف أي قتلوه/ قتلا ذريعا وجلوهم عن العسكر، قال تعالى: {ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه} [ءال عمران: 152]، وحاول المشركون الكر على المسلمين بالخيل ثلاث مرات لكن نبل المسلمين كانت ترجعهم مفلولين.
فلما رأى الرماة الخمسون من المسلمين أن الله قد فتح لإخوانهم قالوا: والله ما نجلس هنا لشيء، قد أهلك الله العدو وإخواننا في عسكر الـمشركين، الغنيمة أي قوم الغنيمة، فقال عبد الله بن جبير: أنسيتم ما قال لكم رسول الله ﷺ؟ وكان ﷺ قد أمرهم أن لا يتركوا أماكنهم حتى يرسل إليهم، فقالوا لجبير: إنا والله لنأتين الناس فلنصيبن من الغنيمة، وثبت ابن جبير في نفر دون العشرة مكانه وقال: لا أجاوز أمر رسول الله ﷺ، فقال الذين أبوا إلا النزول: لم يرد رسول الله هذا، قد انهزم الـمشركون فما مقامنا ههنا، وفي ذلك نزل: {حتى إذا فشلتم وتنازعتم في الأمر وعصيتم من بعد ما أراكم ما تحبون} [ءال عمران: 152]، فانطلقوا يتبعون العسكر وينتهبون معهم وخلوا ظهور جيش المسلمين لخيل المشركين تأتيهم من خلفهم.
فنظر خالد بن الوليد إلى خلاء الجبل وقلة الرماة فكر بالخيل مع المشركين وتبعه عكرمة بن أبي جهل فقتلوا عبد الله بن جبير رضي الله عنه ومن معه من الرماة ومثلوا بعبد الله أقبح مثلة، ثم أحاطت الخيل بالمسلمين وفيهم من شغل بالنهب والغنائم ودخل المشركون ينادون بشعارهم: «يا للعزى، يا لهبل»، فشدوا على المسلمين فهزم من هزم وقتل من قتل، وتفرق المسلمون في كل جهة تاركين ما انتهبوا مخلين من أسروا.
وانتقضت صفوف المسلمين واستدارت رحاهم، وكانت الريح أول النهار صبا فصارت دبورا، وكر الناس وهم ثلث جريح، وثلث منهزم، وثلث مقتول، فصرخ إبليس لعنه الله: أي عباد الله، إخوانكم، يريد بذلك أن يقتل المسلمون بعضهم بعضا، فرجعت أولاهم فاجتدلت([14]) هي وأخراهم وهم يظنون أنهم من العدو.
ولما توجه رسول الله ﷺ يلتمس أصحابه استقبله الـمشركون فرموا وجهه الشريف فأدموه وكسروا رباعيته وشقوا شفته وكسروا الخوذة التي فوق رأسه الشريف، وكان الذي جرح وجهه الشريف ﷺ عبد الله بن قمئة، والذي كسر رباعيته وأدمى شفته الشريفتين ﷺ عتبة بن أبي وقاص أخو سعد، ويروى أنه لم يولد له من نسله ولد يبلغ الحنث إلا وهو مكسور الثنايا من أصلها يعرف ذلك في عقبه.
ووقع ﷺ في حفرة من الحفر التي عملها أبو عامر ليقع فيها المسلمون فأغمي عليه ﷺ، فأخذ علي رضي الله عنه بيده ﷺ ورفعه طلحة بن عبيد الله حتى استوى ﷺ قائما وقد جحشت([15]) ركبتاه، ومص مالك بن سنان الدم من وجهه ﷺ، فقال ﷺ: «كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم وهو يدعوهم إلى ربهم».
وكان قد دخل من أثر الضربة في وجهه الشريف ﷺ حلقتان من حلق الـمغفر في وجنته الشريفة، وأصر أبو عبيدة أن يكون هو من ينتزع الحلقتين من وجنة رسول الله ﷺ لكنه خشي على رسول الله ﷺ أن يصيبه أذى إذا نزعهما أبو عبيدة بيده نرعا فعض عليهما أبو عبيدة حتى سقطت ثنيتاه من شدة غوصهما في وجهه الشريفﷺ .
ولما أصاب ﷺ ما أصابه صاح إبليس لعنه الله عند جبل عينين([16]) وقد تصور في صورة الصحابي جعال بن سراقة: «إن محمدا قد قتل» ثلاث صرخات، فقال جماعة من المسلمين لما سمعوا ذلك: «إن كان رسول الله قد قتل أفلا تقاتلون على دينكم وعلى ما كان عليه نبيكم حتى تلقوا الله تعالى شهداء؟» وقال أخرى: «ليت لنا رسولا إلى عبد الله بن أبي ليأخذ لنا أمانا من أبي سفيان، يا قوم إن محمدا قد قتل فارجعوا إلى قومكم قبل أن يأتوكم فيقتلوكم».
ولما بلغ رسول الله ﷺ ما صراخ الشيطان الذي ظنه الناس جعال بن سراقة عرف ﷺ أن ذلك الشيطان فقال ﷺ: «هذا أزب([17]) العقبة»، وهو من أسماء الشيطان.
وانهزمت طائفة من المسلمين فرجعت حتى دخلت المدينة فلقيتهم أم أيمن فجعلت تحثو في وجوههم التراب وتقول لبعضهم: «هاك الـمغزل فاغزل به وهلم سيفك».
وانكشف المسلمون عن رسول الله ﷺ ولم يبق منهم إلا نفر يسير اثنا أو أربعة أو خمسة عشر ثمانية من الهاجرين وسبعة من الأنصار، ولم يبق للمسلمين لواء قائم ولا فئة، وخيل المشركين تجوس مقبلة مدبرة في الوادي ما يرون أحدا من الناس يردهم حتى رجعوا إلى معسكرهم.
وأقبل رسول الله ﷺ نحو المسلمين فكان أول من عرفه تحت الـمغفر كعب بن مالك فصاح بأعلى صوته: يا معشر الـمسلمين هذا رسلو الله، فأشار إليه ﷺ أن اسكت، فاجتمع إليه المسلمون ونهضوا معه ﷺ إلى الشعب الذي نزل فيه.
وتجمع المسلمون من جديد إلى الشعب، فلما أسندوا إلى الجبل أدركه أبي بن خلف على فرس له كان يزعم بمكة أنه يعلفه ذرة ليقتل عليه رسول الله ﷺ، وكان ﷺ قد أجابه وقتها: «بل أنا أقتلك إن شاء الله»، فلما اقترب أبي من النبي ﷺ طعنه رسول الله في ترقوته خدشا غير كبير فكر منهزما، فاحتقن الدم فقال: قتلني والله محمد، قالوا له: ذهب والله فؤادك، والله ما بك من بأس، قال: إنه قد كان قال لي بمكة أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني، فمات أبي عدو الله بسرف وهم راجعون به إلى مكة فيما بعد.
ولما هم الـمشركون أن يكروا على النبي ﷺ وأصحابه في الشعب فدعا ﷺ ربه، فقاتل عمر رضي الله عنه ورهط معه من المهاجرين حتى أهبطوا الـمشركين من الجبل.
ونهض رسول الله ﷺ إلى صخرة من الجبل ليعلوها فلم يستطع لما أصابه وقد كان لابسا درعين، فجلس تحته طلحة فنهض به حتى استوى عليها، فقال ﷺ: «أوجب طلحة» أي ثبتت له الجنة بعمله ذلك اليوم، فإنه رضي الله عنه جاهد يوم أحد فأبلى بلاء حسنا وفدى بنفسه رسول الله ﷺ وجعل مهجته وقاية له ﷺ حتى طعن رضي الله عنه ببدنه وجرح جميع جسده حتى شلت يده وجرح ببضع وثمانين جراحة.
ثم إنه لما ترادفت على أصحاب رسول الله ﷺ الغموم مما أصابهم ومن خشية كرة العدو عليهم، ألقى الله عليهم النعاس أمنة منه لهم، قال الله تعالى: {ثم أنزل عليكم من بعد الغم أمنة نعاسا} [ءال عمران: 154]. روى البخاري عن أبي طلحة رضي الله عنه قال: «غشينا النعاس ونحن في مصافنا يوم أحد، فجعل سيفي يسقط من يدي وءاخذه ويسقط وءاخذه»، فحصل بذاك للمسلمين طمأنينة وراحة.
وطفقت هند بنت عتبة والنسوة اللاتي معها يمثلن بالقتلى من الـمسلمين يجدعن الآذان والأنوف، حتى اتخذت هند من ءاذان الرجال وأنوفهم خدما([18]) وقلائد، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا قاتل حمزة، وبقرت عن كبد حمزة رضي الله عنه فلاكتها فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها ثم علت على صخرة مشرفة فصرخت بأعلى صوتها:
نحن جزيناكم بيوم بدر | والحرب بعد الحرب ذات سعر |
فأجابتها هند بنت أثاثة فقالت:
خزيت في بدر وبعد بدر | يا بنت وقاع عظيم الكفر |
الأبيات.
ثم إن أبا سفيان حين أراد الانصراف أشرف فقا: أفي القوم محمد؟ فقال النبي ﷺ: «لا تجيبوه»، فقال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ فقال ﷺ: «لا تجيبوه»، فالتفت أبو سفيان إلى أصحابه وقال: إن هؤلاء قتلوا، فلو كانوا أحياء لأجابوا، فلم يملك عمر رضي الله عنه نفسه فقال: كذبت يا عدو الله، قد أبقآ الله لك ما يخزيك، فقال أبو سفيان: اعل هبل، فقال النبي ﷺ: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله أعلى([19]) وأجل»، قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم، فقال النبي ﷺ: «أجيبوه»، قالوا: ما نقول؟ قال: «قولوا: الله مولانا ولا مولى لكم([20])»، قال أبو سفيان: يوم بيوم، والحرب سجال، وتجدون مثلة لم ءامر بها ولم تسؤني([21]).
ولما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: إن موعدكم بدر العام القابل، فقال رسول الله ﷺ لرجل من أصحابه قل: «نعم، هو بيننا وبينكم موعد».
ثم بعث الرسول ﷺ علي بن أبي طالب فقال: «اخرج في ءاثار القوم فانظر ماذا يصنعون وماذا يريدون، فإن كانوا قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون الـمدينة، والذي نفسي بيده([22]) لئن أرادوها لأسيرن إليهم فيها ثم لأنا جزنهم([23])َأَ»، فخرج علي رضي الله عنه فرءاهم قد جنبوا الخيل وامتطوا الإبل ووجهوا إلى مكة.
وفرغ الناس لقتلاهم وانتشروا يبيتغونهم فلم يجدوا قتيلا إلا وقد مثل به الكفار إلا حنظلة بن أبي عامر فإن أباه كان مع الـمشركين فتركوه له.
وقال رسول الله ﷺ: «من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع، أفي الأحياء هو أم في الأموات؟َأَ» فقال رجل من الأنصار([24]): أنا أنظر لك يا رسول الله ما فعل، فنظر فوجده جريحا في القتلى وبه رمق فقال له: إن رسول الله ﷺ أمرني أن أنظر أفي الأحياء أنت أم في الأموات، فأبلغ رسول الله ﷺ عني السلام وقل له: إن سعد بن الربيع يقول: جزاك الله عنا خير ما جزى نبيا عن أمته، وأبلغ قوم: السلام عني وقل لهم: إن سعد بن الربيع يقول لكم: إنه لا عذر لكم عند الله إن خلص إلى نبيكم ومنكم عين تطرف([25])، ثم مات رضي الله عنه، فجاء الرجل الأنصاري النبي ﷺ فأخبره خبره.
وخرج رسول الله ﷺ يلتمس حمزة رضي الله عنه في القتلى فوجده ببطن الوادي قد بقر عن بطنه وعن كبده ومثل به فجدع أنفه وأذناه، فقال ﷺ حين رأى ما رأى: «رحمة الله عليك، فقد كنت وصولا للرحم فعولا للخيرات» الحديث.
فلما رأى الـمسلمون حزن نبي الله ﷺ وغضبه على من فعل بعمه ما فعل قالوا: والله لئن أظفرنا الله بهم يوما من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب فأنزل الله تعالى: {وإن عاقبتم فعاقبا بمثل ما عوقبتم به} [النحل: 126] الآيتين([26]).
ثم أمر رسول الله ﷺ بحمزة فسج ببرده ثم صلى عليه فكبر سبع تكبيرات، ثم أتي بالقتلى يوضعون إلى حمزة وصلى عليهم وعليه معهم، حتى إنه روي أنه صلى عليه ثنتين وسبعين صلاة، وهو محمول عند الجمهور على الدعاء لهم لا صلاة الجنازة.
وأقبلت صفية بنت عبد المطلب إليه وكان حمزة أخاها لأبيها وأمها فقال ﷺ لابنها الزبير بن العوام: «القها فأرجعهأ لا ترى ما بأخيهأ»، فقال لها: يا أمه، إن رسول الله ﷺ يأمرك أن ترجعين، قالت ولم وقد بلغني أن قد مثل بأخي وذلك في الله، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله، فلما أخبر الزبير بذلك رسول الله ﷺ قال له: «خل سبيلها»، فأتته فنظرت إليه فصلت عليه واسترجعت واستغفرت له، ثم أمر به رسول الله ﷺ فدفن.
وروى البخاري في «صحيحه» وبعض أصحاب السنن أن رسول الله ﷺ كان يجمع بين الرجلين من قتلى أحد في ثوب واحد ثم يقول: «أيهم أكثر أخذا للقرءان» فإذا أشير له إلى أحدهما قدمه في اللحد وقال ﷺ: «أنا شهيد على هؤلاء يوم القيامة» وأمر بدفنهم في دمائهم ولم يغسلوا ولم يصل عليهم.
وجعل ناس من الـمسلمين يحتملون قتلاهم إلى المدينة يدفنونهم بها فنهى رسول الله ﷺ عن ذلك وقال: «ادفنوهم حيث صرعوا».
وكان مما أنزل الله تبارك وتعالى من القرءان في شأن أحد ستون ءاية من ءال عمران، وقتل من المسلمين يوم أحد مع رسول الله ﷺ من الـمهاجرين والأنصار خمسة وستون رجلا، أربعة من المهاجرين والباقون من الأنصار، وقتل الله من الـمشركين يومئذ اثنين وعشرين رجلا.
([1]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/130).
([2]) واحدها أحبوش وهم أربعة: بنو الهون – بضم الهاء – ابن خزيمة بن مدركة، وبنو الحارث، وبنو عبد مناة بن كنانة، وبنو الـمصطلق من خزاعة، وقيل سموا بذلك لتحبشهم أي تجمعهم.
([4]) بتحريك الهاء أي اعتقادي.
([8]) قال القاضي عياض: «ضبطنا هذا الحرف عن جميع الرواة «والله خير» برفع الهاء والراء على المبتدإ والخبر»، أي ثواب الله للمقتولين خير لهم من بقائهم في الدنيا أو صنع الله خير لكم.
([9]) أي: ثواب الأمر الـمرضي الصالح.
([10]) قال ابن الملقن: «يريد وقعة أحد ولا يريد ما كان قبل أحد».
([11]) أي: عانته أو ما بين السرة والعانة.
([12]) لم يثبت أن الرسول ﷺ قال لوحشي بعدما أسلم: «غيب وجهك عني» بل قال له: «فهل تستطيع أن تغيب وجهك عني» لا على الدوام، ولم يكن منه ﷺ لوحشي إيذاء في الكلام ولا غيره ولا تعنيف.
([13]) بضم القاف وفتح الصاد أي أبو الدواهي العظيمة، والقصم الكسر مع بينونة، ويروى بالفاء، والفصم الكسر بلا بينونة.
([16]) بفتح العين، موضع بجبل أحد، قاله في «معجم البلدان» (4/180).
([17]) اختلف في ضبطه، فنقل السهيلي في «الروض الأنف» (4/125) ضبطه بالوجه المشكول أعلاه في وجه وبكسر الهمزة وإسكان والزاي في وجه ءاخر، والإزب في الأصل القصير الدميم، وأما الأزب فالحية. ينظر: لسان العرب، جمال الدين بن منظور، (1/213).
([18]) الخدم بالتحريك جمع خدمة بالتحريك أيضا وهو الخلخال.
([19]) أي: أعلى قدرا ومكانة لا مكانا وحيزا، فإنه سبحانه وتعالى موجود أزلا وأبدا بلا مكان ولا جهة.
([20]) أي: الله ناصرنا، أما أنتم فلا ينصركم الله بل يخذلكم.
([21]) يعني: التمثيل الذي فعل بقتلى المسلمين لم يكن هو ءامرا بها ولم يكره وقوعها.
([22]) أي: أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.
([24]) اختلف فيه فقيل هو محمد بن مسلمة وقيل أبي بن كعب وقيل غير ذلك.
([25]) أي: إن استطعتم أن تدفعوا الأذى عن رسول الله ﷺ وتحموه ولم تفعلوا، قال الله تعالى: {النبي أولىٰ بالمؤمنين من أنفسهم} [الأحزاب: 6]، قال شيخنا الإمام الهرري رضي الله عنه في تفسير ما في الآية: «معناه يجب عليهم أن يفضلوه على أنفسهم في الـمحافظة على سلامته والدفاع عنه، ويجب على المؤمنين أن يقوه بأنفسهم أي يجب عليهم الدفاع عنه ولو أتى ذلك على هلاكهم بالقتل».
([26]) التمثيل بالكافر بعد قتله لا يجوز، أما إن هم مثلوا بالـمسلمين فيجوز التمثيل بهم.