الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد.
أما بعد فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إذا رأيت أمتي تهاب أن تقول للظالـم يا ظالـم فقد تودع منهم([i]) اهـ.
الظالم أقسام عديدة فظالم يظلم الناس في أموالهم وظالم يغش الناس في دينهم إما إلى حد الكفر وإما إلى ما دون ذلك وكل هؤلاء التحذير منهم واجب، وهذا الحديث رواه الحاكم في المستدرك، وثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: ما أظن أن فلانا وفلانا يعرفان من ديننا شيئا([ii]) اهـ وقال لرجل خطب في حضرته فقال ومن يطع الله ورسوله فقد رشد ومن يعصهما فقد غوى فقال الرسول صلى الله عليه وسلم: بئس الخطيب أنت([iii]) اهـ أي لأنه جمع في هذا المقام بين الله والرسول في ضمير واحد لا لأنه شرك ولا لأنه حرام لكنه مكروه، ما سكت له نصحا له ونصحا لغيره من الأمة.
إذا كان هذا يستحق الإنكار فكيف الذي يدعو الناس إلى تحريم الحلال أو تحليل الحرام أو تشبيه الله تعالى بخلقه فقد كثر في هذا العصر أناس يدعون الإرشاد الديني ثم يدعون الناس إلى التشبيه والتجسيم أي إلى أن الله تعالى جسم أي شيء له مساحة وحد ويدعون أنهم دعاة إلى عقيدة السلف وكذبوا لأن عقيدة السلف هي تنزيه الله عن الحد لأن كل شيء له مساحة يحتاج إلى من جعله على هذه المساحة، الواحد منا أربعة أذرع طولا وذراع عرضا هل نحن جعلنا أنفسنا على هذا الحد لا إنما نحن بحاجة إلى من جعلنا على هذا الحد وهكذا الكرسي وهكذا العرش وهكذا الجنة كل شيء من هذا يحتاج إلى شيء جعله على هذا الحد، فيعلم بدليل العقل وبدليل السمع أن صانع العالم ليس محدودا ليس ذا مساحة صغيرة ولا ذا مساحة كبيرة لأنه لو كان ذا مساحة صغيرة مثل مساحة الإنسان لاحتاج إلى من جعله على تلك المساحة وذلك الحد والمقدار ولو كان على مساحة كبيرة لاحتاج إلى من جعله على تلك المساحة كما أن العرش يحتاج إلى من جعله وكونه على تلك المساحة وذلك الحد.
وأما الدليل النقلي أي السمعي القرءاني على ذلك فقوله تعالى في سورة الشورى ﴿ليس كمثله شيء﴾([iv]) هذه الآية تنزيه كلي، أعظم ءاية في القرءان في تنزيه الله عن مشابهة خلقه هي هذه الآية لأنها دلت على أنه لا يشبه شيئا ليس الإنسان فقط بل الإنسان والجن والشمس والقمر وسائر الكواكب وما سوى ذلك من الكائنات المبتدعات، فيجب القطع أي الاعتقاد الجازم بأن صانع العالم ليس محدودا ويجب أن نعتقد بأن هذا عقيدة السلف لأن السلف كانوا أفهم منا بمعاني ءايات القرءان فلا يجوز عليهم أن يكونوا على خلاف ذلك. ثم الدليل على أن السلف كانوا على ذلك كلام الطحاوي رحمه الله في عقيدته التي سماها ذكر بيان عقيدة أهل السنة والجماعة ثم سمى منهم أبا حنيفة وصاحبيه محمد بن الحسن وأبا يوسف القاضي ونقل فيها عن السلف نفي الحد عن الله تعالى([v]).
هو كلام الطحاوي هذا أراد به أن نفي الحد الذي ذكره في هذه العقيدة هو عقيدة السلف جميعا. لا يثبت عن أحد من السف أنهم جعلوا لله حدا وما يذكر عن بعض السلف من أتباع التابعين لا يصح عنه بالإسناد المتصل. هذا الإمام أبو جعفر الطحاوي الذي كان هو من أواخر السلف لأنه أدرك نحو سبعين سنة من المائة الثالثة ثم توفي بعد اكتمال المائة الثالثة بنحو عشرين سنة أثبت نفي الحد عن الله تعالى.
ثم قد ثبت ذلك عمن هو أقدم منه عن علي زين العابدين بن الحسين بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم قال في كتاب له سمي بالصحيفة السجادية لأنه لكثرة سجوده لقب بالسجاد هو رضي الله عنه قال لا يحيط به مكان وليس بمحدود فيحد اهـ وقال لا يمس ولا يمس ولا يجس اهـ هذا الكلام فيه تنزيه الله تعالى عن المساحة والمقدار لأن كل ما كان له مساحة ومقدار فهو محدود فإذن علي زين العابدين يعتقد أن الله ليس له حد.
فلا يجوز أن يقال الله تعالى له حد يعلمه هو ولا يعلمه غيره كما يقول ابن تيمية.
هذا زين العابدين كان في وقته أفضل أهل البيت النبوي قدرا وجلالة، وهذه الصحيفة السجادية رواه بالإسناد المتصل منه إلى زين العابدين بطريق ذريته الطاهرين فيهم موسى الكاظم وعلي الرضا اللذان يعدان من أفضل أهل البيت الحافظ الفقيه محمد مرتضى الزبيدي من أهل القرن الثاني عشر في شرح إحياء علوم الدين وهو حافظ حنفي لغوي وهو خاتمة اللغويين ما جاء في عصره ولا بعده من هو مثله في علم اللغة.
فبعد هذا لا يجوز السكوت على من يجعل لله حدا إن رجوتم منه قبول النصيحة قولوا له إثبات الحد لله ضلال.
الله تعالى ليس محدودا. على هذا السلف والخلف أما أناس يدعون أنهم على عقيدة السلف فيجعلون لله حدا وحركة بالصعود والنزول والتنقل فليس هذا من السلف في شيء وإنما يفترى على السلف.
قولوا لهم هذا أحمد بن حنبل المشهور بين السلف بالورع والعلم ثبت عنه أنه قال في قوله تعالى في سورة الفجر: ﴿وجآء ربك﴾([vi]) قال جاءت قدرته اهـ لو كان يعتقد أن الله يجوز عليه الحد والمساحة والتنقل كان يحمل هذه الآية على الظاهر ويثبت لله النزول عن العرش أو الكرسي مع الملائكة يوم القيامة إلى الأرض ليحكم بين العباد لكنه لا يعتقد في الله الحد والحركة والتنقل لأن الحد من سمات المحدثين لذلك تهربا من إثبات المجيء بالحركة والنقلة عدل إلى قوله إنما جاءت قدرته اهـ وهذا ثابت عنه رواه الحافظ البيهقي بالإسناد المتصل.
اعلموا أن السلف ما كانوا على ما ينسبه إليهم هؤلاء المجسمة المشبهة مع دعواهم أنهم على عقيدة السلف أين هم من السلف وهذا زين العابدين وهذا أبو حنيفة وصاحباه محمد بن الحسن وأبو يوسف من السلف لأن أبا حنيفة توفي سنة مائة وخمسين وصاحبيه بعده بنحو عشرين سنة ضمن القرن الثاني الهجري.
هذا ما يتعلق بتنزيه الله عن الجسمية والحد والمكان والشكل والمساحة والمقدار.
وأما هؤلاء المشوشون الذين يحرمون التوسل بالنبي بل يكفرون من يتوسل بالنبي وغيره من الأنبياء والأولياء فقولوا لهم لن تستطيعوا أن تثبتوا عن رسول الله أنه حرم التوسل به أو بالأنبياء والصالحين إنما دعواكم بأفواهكم ليس لكم على ذلك دليل صحيح عند أهل الحديث وكذلك ليس لكم على ذلك دليل صحيح عند أهل الحديث وكذلك ليس لكم دليل عن عمر بن الخطاب بتحريم التوسل والاستغاثة بالنبي بعد موته وإنما عندكم تمويه. فمن حججهم التي هي للتمويه ليس على الحقيقة قولهم إن الرسول صلى الله عليه وسلم قال لابن عباس: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله([vii]) اهـ يقال لهم هل قال حرام أن تسأل غير الله أو أن تستعين بغير الله إنما قال: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله على معنى أن الأولى أن تسأله هو الله وأن تستعين به هو الله.
هو ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال: إذا أصاب أحدكم عرجة في فلاة من الأرض فليقل يا عباد الله أعينوا([viii]) اهـ هذا الحديث أورده الحافظ ابن حجر في الأمالي المصرية وحسن إسناده.
هو رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إذا أصاب أحدكم عرجة في فلان من الأرض أي في برية ليس فيها أحد فليناد يا عباد الله أعينوا. هذا سؤال لغير الله.
لو كان معنى حديث ابن عباس أن الرسول قال له: إذا سألت فاسأل الله وإذا استعنت فاستعن بالله تحريم التوسل والاستعانة بالأنبياء والأولياء في حياتهم وبعد مماتهم ما قال الرسول هذا الحديث.
وكذلك عندهم تمويه ءاخر يذكرون حديثا ضعيفا عند أهل الحديث هو أن أبا بكر قال قوموا بنا إلى رسول الله نستغيث به من هذا المنافق فقال رسول الله إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز وجل اهـ هذا الحديث فيه راو ضعيف عند أهل الحديث لا تقوم به حجة مع أن هذا الحديث يصادم أيضا ما رواه البخاري عن عبد الله بن عمر بن الخطاب عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: أن الشمس تدنو من رؤوس الناس يوم القيامة فبين هم كذلك إذ استغاثوا بآدم([ix]) اهـ فإن قالوا إن هذا للحي الحاضر لأن ءادم في ذلك الوقت بعث وليس استغاثة بالميت يقال لهم هذا الحديث الذي أنتم ادعيتم ثبوته فيه أن هذا في حياة رسول الله أليس مذكورا فيه أن أبا بكر قال قوموا بنا نستغيث برسول الله من هذا المنافق فقال لهم الرسول إنه لا يستغاث بي وإنما يستغاث بالله عز وجل ما هذا التناقض مرة تقولون لا يجوز التوسل والاستغاثة إلا بالحي الحاضر ومرة تبنون على هذا الحديث الضعيف الذي لا يحتج به.
ويقال لهم هذا الحي الحاضر هل ينفع أو يضر إلا بمشيئة الله والميت أيضا إذا استغيث به لا ينفع ولا يضر إلا بإذن الله فلماذا تفرقون بين الحالين بمجرد الهوى.
أما قول إن الميت لو كان نبيا فهذا كقطعة حجر فهذا مصادم للأحاديث.
يقال لهم أليس الأنبياء الثمانية الذين استقبلوا رسول الله في السموات السبع كل منهم سلم عليه الرسول فرد السلام ودعا له بخير وهذا بعد الموت، ثم موسى زيادة على ذلك على أنه رد السلام على رسول الله ودعا له بخير عند رجوع الرسول من المستوى الذي سمع فيه كلام الله ورأى الله بفؤاده قال كم فرض الله على أمتك من الصلاة قال خمسين قال سل ربك التخفيف فصار موسى سببا في هذا التخفيف. كذبتم في قولكم إن النبي لا ينفع ولا يضر بعد موته بل ينفع بإذن الله.
أما احتجاجهم بفعل عمر فكثيرا ما يلهجون به. يقولون عمر بعد وفاة الرسول توسل بالعباس لأن الرسول كان قد مات. هذه حجتهم وهي داحضة. يقال لهم هل تثبتون على عمر أنه قال أنا توسلت بالعباس لا بالرسول لأنه قد مات، هل عندكم دليل نص على ذلك.
أما أنه قال اللهم إنا كنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا فنحن نتوسل إليك بعم نبيك العباس فاسقنا. فهذا ليس فيه ما يدعون، إنما يعطي أن عمر توسل بالعباس لأنه كان رسول الله عليه السلام يرى للعباس مثل ما يرى الولد لوالده أراد أن يرعى حق قرابته من رسول الله صلى الله عليه وسلم لأنه لم يكن في ذلك الوقت أقرب إلى رسول الله من العباس نسبا فتوسل بالعباس مراعاة لحق قرابته من رسول الله لا لأن التوسل بالنبي بعد موته لا يجوز. من قال لكم، هل عمر قال لكم الرسول لا يجوز التوسل به بعد موته لذلك توسلت بالعباس، هل تستطيعون أن تثبتوا على عمر ذلك، لن تجدوا سبيلا.
ثم يقال لهم قولكم هذا افتراء على عمر تقول عليه لأن عمر قال في خطبة له أيها الناس إن رسول الله كان يرى للعباس مثل ما يرى الولد لوالده فاقتدوا به في عمه العباس واتخذوه وسيلة إلى الله اهـ هو عمر بين أن توسله بالعباس أن ذلك احترام للعباس من أجل الرسول أي أراد أن يراعي ما كان للعباس عند رسول الله من الكرامة.
وهناك دليل على ذلك ءاخر وهو أن العباس نفسه قال عندما دعا الله تعالى بأن يسقي الأمة المطر اللهم توجهوا بي إليك لمكاني من نبيك ما قال توجهوا بي إليك لأن نبيك قد مات كما يفتري هؤلاء على عمر.
وهكذا كل ما يحتجون به لتحريم التوسل بالأنبياء والأولياء بغير حضور المتوسل به، كل ذلك هباء منثور وتمويه، هذا موجز فيما يتعلق بالتوسل بالنبي صلى الله عليه وسلم وغيره من الأنبياء والأولياء.
أما تكفيرهم لمن يمس القبر قبر أي نبي أو أي ولي فهذا على خلاف السلف. السلف ما كانوا يكفرون من يمسح قبر نبي أو ولي أو يقبله وهؤلاء يكفرون عندهم عابد وثن حتى إن بعضهم قال عن التبرك بشعر النبي صلى الله عليه وسلم إنه وثنية. الرسول لما حلق قال للحلاق اقسمه بين الناس([x]) اهـ وما أعطاهم الرسول إلا ليتبركوا بهذا الشعر وما قالوا هذا الشعر لا يتبرك به إلا في حياته وما قال بعد مماتي ادفنوه. كيف يدعي أن هذا وثنية، هو أعلم بتوحيد الله من رسول الله؟ ليس أعلم.
وهناك دليل ءاخر من السلف وهو أن الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه سأله ابنه عبد الله قال سألته أي سأل أباه عن الرجل يمس القبر ويقبله يفعل ذلك للتبرك وعن الرجل يقبل القبر أي قبر النبي يريد بذلك التقرب إلى الله فقال الإمام أحمد لا بأس بذلك اهـ كتاب اسمه العلل ومعرفة الرجال للإمام أحمد فيه ذلك.
انظروا إلى البعد الشاسع بين السلف وبين هؤلاء. هذا الإمام أحمد الذي هو من رؤوس السلف يقول أيضا لا بأس بتقبيل رمانة المنبر. عبد الله بن أحمد بن حنبل قال سألت أبي عن مس رمانة المنبر وتقبيلها وعن الرجل يقبل قبر النبي يريد بذلك التقرب إلى الله فقال لا بأس بذلك اهـ.
الإمام أحمد يقول لا بأس وهؤلاء يقولون أشرك وكفر، عندهم شرك وعند الإمام أحمد لا بأس، أين هؤلاء من السلف، هؤلاء لا يصدق إنهم على قدم السلف.
ثم في مصنف ابن أبي شيبة أن رجالا من الصحابة كانوا ينتظرون خلو المسجد فإذا خلا قاموا إلى رمانة المنبر القرعاء فيمسونها ويدعون الله اهـ.
معنى الحديث أن جماعة من أصحاب رسول الله كانوا ينتظرون أن يخلو المسجد أي تذهب الزحمة فيقومون يمسون رمانة المنبر النبوي القرعاء. كان المنبر له في أعلاه قطعة مستديرة يقال لها رمانة المنبر فيمسونها ويدعون الله رجاء إجابة دعائهم عند مسهم إياها. الصحابة فعلوا هذا وهؤلاء يزعمون أنه شرك. لو كان أحمد بن حنبل حيا لكفروه.
اعرفوا أن هؤلاء يدجلون باسم السلف ويدعون الناس إلى ضد ما كان عليه السلف.
انتهى والله تعالى أعلم.
[i])) رواه الحاكم في المستدرك باب كتاب الأحكام.
[ii])) رواه البخاري في صحيحه باب ما يجوز من الظن.
[iii])) رواه مسلم في صحيحه باب تخفيف الصلاة والخطبة.
[iv])) سورة الشورى/الآية 11.
[v])) قال الإمام الطحاوي في عقيدته المشهورة تعالى أي الله عن الحدود والغايات والأركان والأعضاء والأدوات لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات اهـ.
[vi])) سورة الفجر/الآية 22.
[vii])) رواه الترمذي في سننه والبيهقي في الاعتقاد باب القول في الإيمان بالقدر.
[viii])) رواه البزار باب مسند ابن عباس وقال الحافظ الهيثمي في المجمع رجاله ثقات اهـ.
[ix])) رواه البخاري باب من سأل الناس تكثرا.
[x])) رواه مسلم في صحيحه باب بيان أن السنة يوم النحر أن يرمي ثم ينحر ثم يحلق والابتداء في الحلق بالجانب الأيمن من رأس المحلوق.