الخميس يناير 29, 2026

الطهارة والصلاة

   قال المؤلف رحمه الله: (فصل): فمن الواجب خمس صلوات في اليوم والليلة.

   الشرح قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا أخبركم بخير أعمالكم وأزكاها عند مليككم وأرفعها في درجاتكم وخير لكم من إنفاق الذهب والورق وخير لكم من أن تلقوا عدوكم وتضربوا أعناقهم ويضربوا أعناقكم» [أخرجه الترمذي في سننه] قالوا: بلى يا رسول الله. قال «ذكر الله» أي الصلاة ومعناه أن أفضل الواجبات بعد الإيـمان بالله ورسوله الصلوات الخمس، والورق أي الفضة. وحمل هذا الحديث على الذكر المطلق تحريف للحديث. وأما قوله تعالى ﴿إن الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر ولذكر الله أكبر﴾ [سورة العنكبوت/45] فليس معناه أن اشتغال المرء بالتسبيح والتحميد بلسانه ونحو ذلك من الأذكار أفضل من الصلوات الخمس بل المعنى أن ذكر الله لعبده أكبر من ذكر العبد ربه. وقد نبغت طائفة تنتسب للطريقة النقشبندية تفضل طريقتها على الصلوات الخمس حملا للذكر الوارد في الآية على ما يفعلونه من ذكرهم الاسم المفرد الله في قلوبهم عددا معينا، وحصل مثل ذلك في بعض الشاذلية وهذا ضد الدين وتكذيب لقواعده المنصوص عليها.

   ولا صلاة واجبة غير هؤلاء الخمس فيفهم من ذلك أن الوتر غير واجبة وأن من ترك نوافل الصلوات كسنة الظهر وسنة العصر وغيرهما فلا إثم عليه. وأما حديث البخاري «من رغب عن سنتي فليس مني» فمعناه من ترك شريعتي أي من كره طريقتي التي جئت بها فهو كافر.

   كان رجل من الصحابة يقال له أبو محمد يقول بوجوب الوتر فقال عبادة بن الصامت: «كذب أبو محمد» أي أخطأ، رواه مالك [في الموطأ] والبيهقي [في سننه] وغيرهما واسم أبي محمد مسعود بن أوس. فدل على أن صلاة الوتر غير واجبة ويدل على ذلك الحديث المرفوع حديث طلحة بن عبيد الله أن رجلا ثائر الرأس [أي منتفش الشعر] جاء إلى النبي فقال: يا رسول الله أخبرني بما افترض الله علي من الصلاة، فقال «خمس صلوات» ثم قال: أخبرني بما افترض الله علي من الصيام ثم قال: أخبرني بما افترض الله علي من الزكاة فعلمه شرائع الإسلام، فولى الرجل وهو يقول: والذي أكرمك بالنبوة لا أتطوع شيئا ولا أنقص مما افترض الله علي شيئا فقال صلى الله عليه وسلم: «أفلح الرجل إن صدق» رواه البخاري في كتاب الصيام [في صحيحه]. فقوله صلى الله عليه وسلم: «أفلح الرجل إن صدق» أي فيما حلف عليه وهو أنه لا يفعل شيئا من النوافل ولا يترك شيئا مما افترض الله عليه من أداء الواجب واجتناب المحرم لأنه كان علمه ما هو فرض وما هو حرام.  

   فإذا علم هذا ظهر بطلان ما شاع عند بعض العوام من قول بعضهم إن الرسول قال: «من لم يصل سنتي فليس من أمتي»، وقول بعضهم إنه قال: «من لم يصل سنتي يأتي يوم القيامة وليس على وجهه قطعة لحم»، وقول بعضهم إنه قال: «من لم يصل سنتي لم تنله شفاعتي» يريدون به النوافل فكل ذلك كذب على الرسول وضلال ولا ينفعهم قصدهم بذلك حث الناس على النوافل.

   قال المؤلف رحمه الله: الظهر ووقتها إذا زالت الشمس إلى مصير ظل كل شىء مثله غير ظل الاستواء. والعصر ووقتها من بعد وقت الظهر إلى مغيب الشمس. والمغرب ووقتها من بعد مغيب الشمس إلى مغيب الشفق الأحمر. والعشاء ووقتها من بعد وقت المغرب إلى طلوع الفجر الصادق. والصبح ووقتها من بعد وقت العشاء إلى طلوع الشمس.

   الشرح أنه تجب معرفة أوقات هذه الصلوات الخمس وسائر ما يتعلق بها من أحكامها الضرورية وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إن خيار عباد الله الذين يراعون الشمس والقمر والأظلة لذكر الله» أي للصلاة، حسنه الحافظ ابن حجر في الأمالي، وفي رواية أخرى أخرجها الحاكم في المستدرك زيادة ذكر: «النجوم»، ولم يكن في أيام الصحابة هذه الآلات الموضوعة لمعرفة الوقت بل كانوا يعرفونه بالمراقبة العيانية.

وفرض على المكلف معرفة المواقيت الأصلية التي علمها الرسول الصحابة ولا يجوز ترك تعلمها اعتمادا على ما عمله الناس من تعيين مواقيت للمدن كالقاهرة ودمشق وحلب ونحو ذلك لأن دخول الأوقات يختلف باختلاف البلدان.

   فالظهر أول وقتها زوال الشمس أي ميلها عن وسط السماء إلى جهة المغرب، وانتهاء وقتها أن يصير ظل كل شىء مثله زائدا على ظل الاستواء، فإذا صار الظل الجديد بعد طرح ظل الاستواء مثل الشىء انتهى وقت الظهر ودخل وقت العصر، وظل الاستواء هو الظل الذي يكون حين تكون الشمس في وسط السماء. ووسط السماء يعرف بالنجم أو باعتبار البوصلة المجربة، فعلى حسب تحديد الجهات بالنجم أو بالبوصلة يعرف وسط السماء. نجم القطب مهم لمعرفة الجهات الأربع لأنه يلزم جهة الشمال، يضبط موضعه في الليل وتغرز خشبة على اتجاهه ثم في النهار ينظر إلى الظل على حسبه.

الرسول صلى الله عليه وسلم جاءه جبريل فصلى به الظهر عند البيت أي أمام الكعبة حين صار الفىء [وهو الظل الذي يزيد على ظل الاستواء] قدر الشراك [حين صار فىء الشخص ونحوه قدر الشراك، معناه لما كان الفىء قليلا لم يطل] وهو سير النعل الذي على ظهر القدم في عرضها، أي حين صار الظل الجديد قدر شراك النعل.

   وخالف أبو حنيفة فقال: إنما يدخل العصر إذا صار ظل الشىء مثليه [أي زيادة على ظل الاستواء]، وخالفه صاحباه [محمد بن الحسن وأبو يوسف القاضي] وقالا بقول الجمهور.

   وأما وقت المغرب فيدخل بمغيب قرص الشمس كله وينتهي بمغيب الشفق الأحمر، والشفق الأحمر هو الحمرة التي تظهر بعد مغيب الشمس في جهة الغروب. ويعرف دخول وقت المغرب أيضا بإقبال الظلام من جهة المشرق ولا ينظر إلى أثر ضوء الشمس الذي بقي في جهة المغرب.

   وأما العشاء فوقتها من بعد وقت المغرب أي بعد مغيب الشفق الأحمر كله إلى طلوع الفجر الصادق.

   وأما الصبح فوقتها من بعد وقت العشاء أي من طلوع الفجر الصادق إلى طلوع الشمس.

   والفجر الصادق هو البياض المعترض في الأفق الشرقي الذي يبدو دقيقا ثم ينتشر ويتوسع. ويسبق الفجر الصادق بنحو نصف ساعة الفجر الكاذب وهو بياض عمودي يظهر في جهة الأفق الشرقي، وهذا لا يدل على دخول الوقت وإنما يدل على اقتراب دخول وقت الصبح.

   قال المؤلف رحمه الله: فتجب هذه الفروض في أوقاتها على كل مسلم بالغ عاقل طاهر أي غير الحائض والنفساء.

   الشرح أن معرفة هذه الأوقات وإيقاع الصلاة فيها لا قبلها ولا بعدها فرض، وفي ذلك قال بعض العلماء المالكية: [الطويل]

ولا خير فيمن كان بالوقت جاهلا            ولم يك ذا علم بما يتعبد

   فيجب أداء كل من الخمس في وقتها ولا يجوز تقديـمها على وقتها أي فعلها قبل دخول وقتها ولا تأخيرها عن وقتها بلا عذر لأن الله تعالى قال ﴿فويل للمصلين الذين هم عن صلاتهم ساهون﴾ [سورة الماعون]، والمراد بالسهو عن الصلاة تأخير الصلاة عن وقتها حتى يدخل وقت الصلاة الأخرى فتوعد الله من يخرجها عن وقتها بالويل وهو الهلاك الشديد. وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم بإسناد صحيح فيما رواه ابن حبان [في صحيحه] في وعيد تارك الصلاة أنه لا نور له ولا نجاة ولا برهان يوم القيامة وأنه يكون مع فرعون وهامان وقارون وأبي بن خلف ومع ذلك فتاركها كسلا ليس بخارج من الإسلام بل هو مسلم لأنه صلى الله عليه وسلم قال «خمس صلوات كتبهن الله على العباد من أتى بهن بتمامهن كان له عند الله عهد أن يدخله الجنة ومن لم يأت بهن فليس له عند الله عهد أن يدخله الجنة إن شاء عذبه وإن شاء أدخله الجنة»، فما ورد من الحديث مما ظاهره تكفير تارك الصلاة فهو مؤول وذلك كحديث «بين العبد وبين الكفر ترك الصلاة»، فليس مراد النبي أن الإنسان بمجرد ترك الصلاة يصير كافرا وإنما المراد أنه يشبه الكافر وذلك تعبير عن عظم ذنبه حيث شبهه بالكافر الذي لا يؤمن بالله ورسوله، وكلا الحديثين صحيح الأول رواه الإمام أحمد [في مسنده] والثاني رواه الإمام مسلم [في صحيحه].

وقول المؤلف «على كل مسلم»، يعني به أن الكافر لا يقال له صل وهو على كفره إنما يقال له أسلم ثم صل. ويعني بقوله «بالغ» أن غير البالغ لا تجب عليه الصلاة بحيث يعاقب على تركها وهو دون البلوغ وإنما يجب أمره بالصلاة متى ما بلغ سبع سنين قمرية. ويعني بقوله «عاقل» أن المجنون لا تجب عليه الصلاة، والمجنون هو من فقد عقله فلا يدري ما يفعل أو يقول. ويعني بقوله «طاهر» أي من الحيض والنفاس، ويقال امرأة طاهر وامرأة حائض.

   قال المؤلف رحمه الله: فيحرم تقديـمها على وقتها وتأخيرها عنه لغير عذر.

   الشرح يفهم من هذا أن من قدم الصلاة على وقتها لا تصح صلاته ومن أخرها عنه عصى الله بتأخيره، وأشد المعصيتين معصية التقديم على الوقت لأنه لا تبرأ ذمته ولا تقع صلاته أداء ولا قضاء بل تبقى في ذمته ليوافي [أي ليأتي] يوم القيامة وهي في ذمته، أما من أخرها عن وقتها أي صلاها بعد تحقق معرفة دخول الوقت وخروجه كانت صلاته قضاء وإن كان عصى الله بتأخيره إلى ذلك الوقت بلا عذر، فمعصية التأخير أخف لأنها وقعت لصاحبها قضاء، أما المقدم فكأنه لم يصل بالمرة، وهذا يقال فيه صلى وما صلى أي صلى صورة ولم يصل حقيقة.

   وقول المؤلف «لغير عذر» أخرج ما إذا كان التأخير لعذر فإنه لا إثم في ذلك. والعذر في ذلك ما يبيح الجمع من سفر أو مرض ونحو ذلك بشروطه. وكذلك من كان له عذر في تقديم العصر إلى الظهر أو تقديم العشاء إلى المغرب فإنه لا إثم في ذلك وهو التقديم في حال السفر أو المرض أو المطر لمن يصلي جماعة في مسجد فإنه يجوز له تقديم العصر مع الظهر وتقديم العشاء مع المغرب لمشقة الرجوع إلى المسجد للصلاة الثانية في حال المطر، وعند الإمام أحمد قول بجواز الجمع تقديـما وتأخيرا لأي عذر من أعذار ترك الجمعة والجماعة، كما ذكره صاحب الإنصاف [ ].

   قال المؤلف رحمه الله: فإن طرأ مانع كحيض بعدما مضى من وقتها ما يسعها وطهرها لنحو سلس لزمه قضاؤها.

   الشرح أن الذي طرأ عليه المانع بعد دخول الوقت كأن حاضت المرأة في أثناء وقت الظهر، أو اصيب شخص بالجنون أو الإغماء [اختلف العلماء هل الإغماء مسقط للقضاء أم لا] بعدما مضى من أول وقت الصلاة ما يسع الصلاة مع طهرها لمن لا يمكنه تقديم طهره على الوقت كسلس البول يلزمه أن يقضيها بعد زوال المانع أي بعد ذهاب الحيض بالنسبة للحائض، وبعد زوال غيبوبة العقل بالنسبة للمجنون والمغمى عليه.

   ومثل السلس في هذا الحكم نحوه كالمستحاضة فإن هذا لا يصح أن يقدم طهره على الوقت بل لا يصح طهره إلا بعد دخول الوقت لذلك لا يلزمه القضاء في هذه المسئلة إلا أن يكون مضى من وقت الصلاة ما يسعها وطهرها قبل طروء المانع. والمقصود بالطهر هنا الوضوء أو التيمم لمن كان مريضا لا يمكنه استعمال الماء ونحوه [أي نحو المريض كمن فقد الماء] والطهر عن النجاسة التي لا يعفى عنها والاستنجاء.

   قال المؤلف رحمه الله: أو زال المانع وقد بقي من الوقت قدر تكبيرة لزمته، وكذا ما قبلها إن جمعت معها فيجب العصر مع الظهر إن زال المانع بقدر تكبيرة قبل الغروب، والعشاء مع المغرب بإدراك قدر تكبيرة قبل الفجر.

   الشرح إن زال المانع الذي هو الحيض أو الجنون أو الإغماء وكان القدر الذي بقي قدر ما يسع تكبيرة الإحرام فقط وجبت تلك الصلاة والتي قبلها إن كانت تجمع معها أي في السفر ونحوه كأن كانت تلك الصلاة العصر لأن العصر تجمع في السفر مع ما قبلها وهي الظهر وكذلك العشاء لأنها تجمع مع ما قبلها وهي المغرب.

   ولو بلغ الصبي قبل خروج وقت العصر بما يسع قدر تكبيرة الإحرام ثم امتدت السلامة من المانع قدر ما يسع تلك الصلاة أي العصر ويسع الظهر والمغرب لزمته كلها، وإذا امتدت قدرا يسع العصر والمغرب فقط يقتصر على العصر والمغرب، وأما لو امتدت السلامة ما يسع قدر المغرب ولا يسع صلاة العصر لزمته صلاة المغرب ولا تلزمه صلاة العصر، أما لو بلغ ثم جن قبل ما يسع ذلك فلا يجب القضاء.

   فائدة في مذهب الشافعي وجهان لأصحاب الشافعي في مسئلة ما إذا بلغ الصبي بعد أن صلى في الوقت في أثنائه هل يعيد أم لا فذهب كثيرون إلى أنه لا يعيد وذهب ابن سريج رضي الله عنه إلى وجوب الإعادة وهو مذهب أبي حنيفة وهو المعتمد ولا يعرف فيه للشافعي نص.