الخميس فبراير 19, 2026

الدرس الثانى والعشرون

الصوفية الحقة على عقيدة التنزيه

 

     الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على أشرف المرسلين سيدنا محمد وعلى ءاله الطيبين الطاهرين وسلامه عليهم أما بعد فإن الشاذلية الأصلية صحيحة ثم بعد مائتى سنة من الشيخ أبى الحسن الشاذلى دخل فيها تحريف كثير، كثير منهم انحرفوا ثم بعد ستمائة سنة زاد الانحراف. يوجد شاذلية درقاوية وشاذلية يشرطية، هاتان فيهما انحراف، بعض من ينتسب إليهما عملوا كتبا فيها خلاف التوحيد.

     التوحيد الذى يعرفه الصوفية وغيرهم هو إفراد القديم من المحدث. سيد الطائفة الصوفية أبو القاسم الجنيد بن محمد البغدادى رضى الله عنه الذى توفى سنة مائتين واثنتين وتسعين تقريبا هو شيخ الصوفية سيد الصوفية. الصوفية المتحققون يقتدون به فى أيامه وبعد أن توفى إلى أيامنا هذه. الصوفية الصحيحة، من كانوا على منهجه هؤلاء يوافقون القرءان والحديث. هو قال التوحيد إفراد القديم من المحدث اهـ [رواه الإمام أبو بكر الخطيب البغدادى فى تاريخ بغداد] احفظوا هذه الجملة معناه ترك تشبيه الله بالعالم، الله قديم لا ابتداء له أما العالم فمحدث لم يكن ثم كان، العالم كله لم يكن ثم كان، النور والظلام ما كانا موجودين ثم خلقهما الله وكذلك العرش والسماوات، ما كان شىء فى الأزل إلا الله الذى لا ابتداء لوجوده. ويسمى الله القديم أى لا ابتداء لوجوده وما سوى الله يقال له محدث أى وجد بعد أن كان معدوما. التوحيد هو أن لا يشبه القديم أى الله بالمحدث وذلك أن الله ليس جسما لطيفا ولا جسما كثيفا، لا بد للجسم من مكان وجهة أما الله تبارك وتعالى الذى ليس جسما كثيفا ولا جسما لطيفا فهو موجود بلا مكان، لا يكون متحيزا فى جهة ولا مكان، أما الحجم فلا بد أن يكون له جهة ومكان.

     حتى النور له جهة ومكان، والظلام كذلك. بعض النور فى الجنة وبعض النور فى العرش وبعض النور فى السماوات ونور الشمس والقمر فى الأرض، كل له حجم. نور الشمس أوسع حجما من نور القمر ثم نور القمر ثم نور الكهرباء بعد أن أوجد الله الكهرباء نوره [أى نور الكهرباء] أوسع من نور الشمعة، ثم نور الشمعة مساحته قصيرة، كل له جهة ومكان، أما الله فليس حجما كثيفا ولا حجما لطيفا وليس متحيزا فى مكان وجهة.

     الذى يتصور الله حجما لا بد أن يكون أثبت له تحيزا فى مكان وجهة أما من أخرج من قلبه أن الله له حجم لطيف أو كثيف فهذا يسهل عليه اعتقاد أن الله موجود بلا جهة ولا مكان، أما الذى يعتقد أن الله حجم فلا يتمكن من اعتقاد أن الله موجود بلا جهة ولا مكان.

     فالتوحيد كما قال الإمام الجنيد أن يعتقد الإنسان أن الله ليس حجما صغيرا ولا حجما كبيرا وليس متحيزا فى مكان، هو خلاف العالم، العالم لا بد أن يكون له حجم وجهة، العرش فى جهة فوق والأرض فى جهة تحت.

     هؤلاء هم الصوفية الحقيقية وهؤلاء هم المسلمون المؤمنون العارفون بخالقهم. أما من ليس كذلك فليس عارفا بخالقه ولا يصح أن يكون مؤمنا مسلما حتى يخرج هذا من قلبه ويعتقد أن الله موجود ليس حجما وليس له جهة ومكان، ليس شيئا صغير المساحة ولا كبير المساحة، ليس شيئا يدخله المقدار. المخلوق يدخله الحد، حتى النور يدخله الكمية والمقدار. الإنسان طوله أربعة أذرع طولا والعرش له كمية الله يعلمها كم هى والسماوات السبع لها كمية يعلمها الله كم هى، وأما ابن تيمية فيقول الله له حد يعلمه هو لا نعلمه نحن. يقال لأتباعه العرش له حجم له حد الله يعلمه لا نعلمه نحن، أنتم جعلتم العرش والله متساويين، أنتم جعلتم لله مثلا، جعلتم الله كالعرش والله يقول ﴿ليس كمثله شىء﴾، أنتم خالفتم القرءان.

لا يكون المرء صوفيا إلا أن يعتقد هذه العقيدة. أما الذين يقولون الله فى كل مكان فهؤلاء ما شموا رائحة التصوف. كثير من الذين يدعون الطريقة تجدهم يقولون الله موجود فى كل مكان، هذا كأنه عندهم علم التوحيد.

     أحد الذين ينتسبون إلى النقشبندية وادعى أنه قطب وكان دخل الخلوة تحت الأرض عند الشيخ الذى هو ينتسب إليه، هذا مرة ذهب إلى المدينة وكان معه بعض جماعتنا قال لما نظر إلى الثريا التى فى المسجد قال هذه ليست من خلق الله هذه من خلق الإنسان. ماذا نفعه التزامه أوراد النقشبندية ودخوله الخلوة تحت الأرض، كل ذلك ماذا نفعه وهو لا يعرف أصلا من أصول العقيدة أن الله هو خالق كل شىء الحجم اللطيف والحجم الكثيف وحركات العباد وسكناتهم ونواياهم وتقلبات قلوبهم واللمحة والطرفة والحركات والسكنات كل ذلك الله خالقه ليس له خالق غيره، الإنسان يفعل فقط، يمشى ويتحرك ويطرف عينه ويفكر، كل هذا الإنسان لا يخلقه بل الله يخلقه فيه كما جاء فى القرءان فى سورة الرعد ﴿الله خالق كل شىء﴾ الشىء يشمل الشىء الذى له حجم الشجر والريح والإنسان ويشمل حركات الإنسان وتكلمه وطرفة عينه. القرءان يقول ﴿الله خالق كل شىء﴾ أى هو خالق الأجسام اللطيفة والكثيفة وخالق حركات العباد وسيرهم. فى القرءان الكريم فى سورة يونس ﴿هو الذى يسيركم فى البر والبحر﴾ معناه هو الذى يمكنكم من المشى فى البر والبحر. الإنسان أول ما يولد لا يستطيع أن يمشى ولا يكون عنده معلومات ولا يتكلم، الله يمكنه من المشى بعد ذلك ويخلق فيه المعلومات ويمكنه من الكلام. كذلك الملائكة لا يخلقون شيئا إنما خالق الأشياء كلها هو الله. هذا ما نفعه انتسابه للطريقة النقشبندية ودخوله الخلوة. ماذا نفعه وهو جاهل بعقيدة التوحيد. أكثر المنتسبين للتصوف اليوم هكذا لا يعرفون مذهب أهل السنة، يدخلون إلى المشايخ يأخذون منهم الطريقة وهم جهال قبل أن يتعلموا تنزيه الله، يدخلون فيزدادون غرورا ويقولون نحن وصلنا إلى الغاية. ما أكثر الهالكين من المنتسبين للطرق. أما الوهابية فيقولون أنتم تقولون الله تعالى ليس جسما ليس قاعدا على العرش إذا على قولكم الله غير موجود. يقال لهم ليس من شرط الوجود أن يكون له جهة وكيفية ومكان وليس من شرط الوجود أن يستطاع تصوره فى النفس. بعض مخلوقات الله لا يمكن تصوره وهو موجود هو حاصل. بعد أن خلق الله الماء والعرش واللوح والقلم الأعلى الله خلق النور والظلام. الإنسان لا يستطيع أن يتصور وقتا ليس فيه نور ولا ظلام. الإنسان يستطيع أن يتصور وقتا فيه نور وليس فيه ظلام ويستطيع أن يتصور وقتا فيه ظلام وليس فيه نور أما وقت ليس فيه نور ولا ظلام فلا يستطيع الإنسان أن يتصور ذلك ومع هذا يجب أن نؤمن أنه كان وقت ليس فيه نور ولا ظلام. قال الله تعالى فى سورة الأنعام ﴿الحمد لله الذى خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور﴾ الله تعالى خلق السموات والأرض بعد أن كانا معدومين وكذلك خلق الله النور والظلام بعد أن كانا معدومين وخلق السموات والأرض والنور والظلام كل ذلك كانا بعد خلق الماء والعرش لأجل هذا فرض علينا أن نؤمن أنه كان وقت لم يكن فيه نور ولا ظلام مع أننا لا نستطيع تصور ذلك.

     على زعم الوهابية الشىء الذى لا يتصور ليس موجودا لذلك يقولون الله قاعد على العرش وهو له حجم ومكان وجهة هو فى جهة فوق مستقر على العرش. على زعمهم قولهم الله قاعد على العرش تعظيم وهو فى الحقيقة ليس تعظيما لله بل شتم لله لأنه تشبيه لله بخلقه. الإنسان يقعد والملائكة يقعدون والجن يقعدون والكلب والفئران، الجلوس صفة هؤلاء. كيف يوصف الله الذى خلق المكان وما يحل فى المكان بصفة الجلوس.

     مصيبتهم أنهم فسروا بعض الآيات على غير وجهها. ﴿الرحمٰن على العرش استوى[سورة طه] فسروا هذه الآية بالجلوس، قالوا استوى معناه جلس، وليس معنى استوى جلس، معنى استوى قهر، الله قهر العرش. العرش وجوده بالله تعالى، الله أوجده وهو الذى يحفظه فى مركزه ولولا ذلك لهوى ما ثبت ثانية واحدة، وهذه النجوم كذلك والشمس والقمر والجنة لولا أن الله أبقاها فى مكانها من غير ملامسة لما ثبتت، وكذلك هذه الأرض التى تحملنا لولا أن الله أبقاها فى مكانها لهوت بنا.

     الله خلق الماء ثم خلق العرش على وجه الماء. العرش للملائكة ليس إلا مثل الكعبة للبشر. الله أمرنا بأن نستقبل الكعبة فى صلاتنا ونطوف بها فى الحج والعمرة كذلك أولئك الملائكة الذين حول العرش ومن كثرتهم أحاطوا بالعرش يطوفون به كما نحن نطوف بالكعبة ويصلون إليه عند صلاتهم. ﴿الرحمٰن على العرش استوى﴾ معناه قهر أما تفسيره بجلس فهذا شتم لله.