الدرس السابع والعشرون
الصبر على المصائب
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وأصحابه وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين وءال كل والصالحين.
أما بعد فقد قال الله تبارك وتعالى فى سورة البقرة ﴿وبشر الصابرين﴾ فى هذه الآية تبشير المؤمنين الذين يتصفون بهذه الصفة التى ذكرها الله تعالى وهى أنهم راضون عن الله تعالى أى لا يتسخطون عليه ولا يتبرمون ولا يتضجرون من قضائه وإن كانت المصائب تقلقهم وتحزنهم وتؤذيهم فى أجسادهم لكن قلوبهم راضية عن الله تبارك وتعالى، هؤلاء بشرهم الله تعالى بأنهم تنالهم صلوات من الله أى رحمات مقرونة بالتعظيم، ليس المراد مجرد رحمة لأن مجرد الرحمة فى الدنيا تشمل المؤمن والكافر إنما الصلوات هنا معناها الرحمات المقرونات بالتعظيم أى الرحمات الخاصة لأن الرحمات خاصة وعامة رحمات يشترك بها المؤمن وغير المؤمن والبر والفاجر وهذه من الرحمات العامة التى تكون فى الدنيا، ومن الرحمات العامة الانتفاع بهذا الهواء العليل والصحة والمال الوافر وغير ذلك من أنواع النعم الدنيوية، هذه من الرحمات العامة أما الرحمات الخاصة فلا ينالها إلا المؤمنون الصابرون المسلمون لله تسليما، وأول شرط فى نيل واستحقاق الرحمات الخاصة الإيمان.
والإيمان هو الإيمان بالله ورسوله أى الاعتقاد الجازم بوجوده تعالى بلا تشبيه ولا تكييف وترك الاعتراض فى كل ما يقضيه على العباد مما يسرهم ومما يسوؤهم، وأما الإيمان برسوله ﷺ فهو التسليم له ﷺ فى أن كل ما جاء به حق سواء كان مما يتعلق بأحكام العباد فى هذه الحياة الدنيا أم كان فيما يحدث فيما بعد الموت فى البرزخ وفى الآخرة. هذا هو الإيمان.
أما قوله تعالى فى سورة البقرة ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله وإنا إليه راجعون﴾ فالمعنى أنهم مسلمون غير معترضين على ربهم ثابتون على اعتقاد التسليم لله تبارك وتعالى فإنهم عرفوا واعتقدوا وجزموا بأنهم ملك لله تعالى له أن يفعل فيهم ما يشاء وأنهم إليه راجعون أى أن مآلهم إلى الجزاء من الله تبارك وتعالى، جزاء المؤمنين على إيمانهم بدؤه فى البرزخ بعد الموت ومعظمه فى الآخرة، فالجزاء الذى يكون فى البرزخ للمؤمنين مما يسرهم فإن الله وعدهم أنهم متى ما خرجوا من الدنيا ليس عليهم ما يسوؤهم بل هم فى حالهم كحال من كان مسجونا وكان فى قحط ثم خرج من السجن وخرج من القحط والمجاعة إلى الرخاء والسعة، هذا القبر الذى تخافه النفوس ليس ما يحدث فيه لكل إنسان على حد سواء بل بعض الناس هذه القبور ألذ عندهم مما كانوا عليه قبل ذلك ولو كانوا يسكنون القصور الفاخرة وكان عندهم نعيم كثير، يكفى فى ذلك أنهم يرون كل يوم مقعدهم فى الجنة أول النهار مرة وءاخر النهار مرة، هذا يفوق كل لذات الدنيا التى كانوا يصيبونها حين كانوا على وجه الأرض، وهناك غير ذلك وهو أنه لا يسلط عليهم فى قبورهم ما يؤذيهم من هوام ولا يقاسون وحشة الوحدة فى القبر ولا وحشة الظلمة كل ذلك مرفوع عنهم، وكذلك يرفع عنهم ضيق مساحة القبر، وهناك غير ذلك كتنوير القبر، وأما فى الآخرة فما يلقونه من النعيم أعظم فأعظم.
قوله تعالى ﴿الذين إذا أصابتهم مصيبة قالوا إنا لله﴾ معناه أنا ملك لله تعالى يفعل بنا ما يريد ونحن راضون بما يفعله بنا إن كان مما يلائم النفوس وإن كان مما لا يلائم طبائع النفوس لأن النفوس جبلت على النفور من أشياء وعلى الميل إلى أشياء، هؤلاء مسلمون لله تسليما فيما يلائم نفوسهم وفيما لا يلائم نفوسهم مما قضى الله تعالى وقدره عليهم، وفى الحديث الصحيح الوارد فيما يقال فى الصلاة بين التكبيرة والقراءة نحن لك وإليك وفى مراسيل أبى داود أى الكتاب الذى ألفه أبو داود فى المراسيل أى الأحاديث التى يذكرها التابعون ولا يذكرون الصحابة الذين نقلوا عنهم هذه الأحاديث، فى هذا الكتاب مذكور مرفوعا اللهم إنما نحن بك وإليك إنما نحن بك معناه أصل وجودنا بك أى بقدرتك ومشيئتك فلولا مشيئتك وقدرتك ما وجدنا وكذلك كل صفات بنا فهى إنما وجدت بك أى بقدرتك ومشيئتك وعلمك، لا شىء منا كان أى وجد إلا بك أى بخلقك وقدرتك ومشيئتك وعلمك، ذواتنا وصفاتنا الدائمة والطارئة التى تتغير من وقت إلى وقت كل ذلك بخلقك وجد وبمشيئتك وعلمك وتقديرك وقضائك وجد، وأما قوله ﷺ فى هذا الأثر المرسل وإليك فمعناه مرجعنا إليك أى كل واحد منا كتب عليه الموت فإما أن يموت على حالة مرضية عند الله وإما أن يموت وهو على حالة غير مرضية عند الله.
ثم الله تبارك وتعالى ذكر المصيبة بلفظ النكرة فى هذه الآية ليفهمنا أن كل مصيبة تصيب المسلم إن كانت صغيرة وإن كانت كبيرة فإنها تفيده برفع الدرجات وتكفير السيئات أى إن رضى عن ربه تبارك وتعالى ففى كل ما يصيبه يرفع له به درجة ويكفر عنه به خطيئة أى تمحى عنه بعض ذنوبه، لا تمر عليه مصيبة صغيرة أو كبيرة إلا وهو يستفيد منها هذه الفائدة، ونعمت الفائدة، حتى المصيبة التى لا بال لها عند الناس كالشوكة التى يشاكها المسلم أو كالهم الصغير الذى يصيب المسلم مما هو ليس ذا تأثير كبير أما الهم الذى له تأثير كثير فيزداد المسلم منه استفادة على حسب عظم ذلك الهم.
ثم هؤلاء المؤمنون الذين مدحهم الله تعالى شأنهم أنهم فى أيام الهرج يلازمون طاعة الله تعالى أى بقدر الإمكان أى لا يعصونه من أجل الهرج بترك الفرائض وارتكاب المعاصى الهرج هو كثرة القتل وقد صح الحديث فى ذلك أنه ﷺ قال العبادة فى الهرج كهجرة إلى اهـ رواه ابن حبان [فى صحيحه] وغيره [أى رواه مسلم فى صحيحه وابن ماجه فى سننه] أى أن الذى يلتزم طاعة الله فى الهرج أى فى أيام كثرة القتل كأنه من الذين هاجروا أى فى الوقت الذى كانت فيه الهجرة إلى الرسول ﷺ فرضا. بعدما هاجر الرسول ﷺ قبل فتح مكة كانت الهجرة على المؤمنين فرضا من استطاع أن يلحق بالرسول ﷺ إلى المدينة كان فرضا عليه أن يذهب إلى المدينة ليؤازر الإسلام أى ليؤازر الدعوة الإسلامية بوجوده حول الرسول ﷺ لأنهم يكونون على أهبة الاستعداد إن استنفرهم رسول الله ﷺ لينفروا ويساعدوه فى نشر الدعوة الإسلامية والتعليم والتبليغ، كان من لم يهاجر وهو مستطيع فى ذلك الوقت يكون ذنبه كبيرة من الكبائر أما إن كان غير مستطيع فلم يكن عليه ذنب، والذى هاجر ثم ترك المدينة ورجع إلى بلده التى هى بعد مع المشركين فكان ذنبه من كبائر الذنوب مثل ءاكل الربا ومانع الزكاة.
أما بعد فتح مكة فقد سقطت فرضية الهجرة فالمسلم يعيش أينما شاء ويتقى ربه ولذلك قال عليه الصلاة والسلام لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية اهـ رواه أحمد والبخارى ومسلم والطبرانى [فى المعجم الكبير] لأن فتح مكة كان هو السبب بتدفق العرب فى الجزيرة العربية إلى الإسلام، قال الله تبارك وتعالى فى سورة النصر ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ الرسول ﷺ علم أن دينه انتشر وسيزداد بعد ذلك انتشارا وأنه أكثر الأنبياء أتباعا، موسى عليه السلام ما وجد ممن دخل فى دينه كعدد من دخل دعوة محمد، فالذين تبعوا محمدا أكثر ممن تبع الأنبياء الأولين حتى إنهم يكونون يوم القيامة جميعهم أربعين صفا وتكون أمة محمد ثمانين صفا. الله تعالى بشره بأنه بعد فتح مكة ينتشر الدين فتحقق ذلك بفضل الله تعالى، قال رسول الله ﷺ لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية اهـ فلا ينقطع الجهاد والنية إلى يوم القيامة، إن عجز المسلمون عن الجهاد بالفعل ينوون أنهم متى ما تمكنوا يفعلون، من لم يفعل ذلك فهو يموت على شعبة من النفاق الرسول ﷺ قال من مات ولم يغز ولم يحدث به نفسه مات على شعبة من نفاق اهـ رواه مسلم فى صحيحه ومعنى على شعبة من نفاق أى على جزء من النفاق.