السبت فبراير 28, 2026
      • الصِّدِّيق رضي الله عنه

        بعدَ أنْ عادَ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم مِنْ رِحْلَةِ الإسراءِ والمِعراجِ حصلَ مَوْقِفٌ عَظيمٌ معَ أحدِ صحابَتِهِ الكِرام. صحابيٌّ هوَ أفضلُ الصّحابةِ على الإطْلاقِ، بلْ هوَ أفضلُ البشَرِ بعدَ الأنبياءِ عليهم الصّلاةُ والسّلامُ.

        إنّهُ سيِّدُنا أبو بكرٍ الصّدّيق رضيَ اللهُ عنهُ وأرْضاهُ. مَوْقِفٌ بهِ سُمِّيَ الصّدّيق، مَوْقِفٌ يَنْبَغي أنْ نتَفَكَّرَ بهِ ونتَعَلَّمَ منهُ خصوصًا في هذا الزّمنِ الذي انتَشَرَ فيهِ المُشَكِّكونَ والطّاعِنونَ فيما جاءَ عنِ الصّادِقِ المَصْدوقِ عليه الصّلاةُ والسّلام.

        فبَعْدَ رُجوعِهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم مِنْ رِحلةِ الإسراءِ والمِعْراجِ أخْبرَ الكُفّارَ بِما حصلَ معهُ فلَمْ يُصَدِّقوه واسْتَهْزَأوا بهِ، ثمَّ ذهبَ بعْضُهُمْ إلى أبي بكرٍ رضي اللهُ عنهُ وهمْ يَنْتَظِرونَ منهُ أنْ يَهْتَزَّ ويتَراجَعَ ويَضْعُف عِنْدَما يَسْمَعُ بِهذا الخَبر العَظيم، ولكنّهمْ لمْ يَعْلَمُوا أنّهمْ أمامَ رجلٍ قدْ مَلأَ الإيمانُ شَغافَ قلبِهِ ورَسَخَ رُسوخَ الجِبالِ الرّاسيات.

        فلَمّا أخْبَروهُ بِما قالَ لهمْ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم سألَهُمْ أبو بكرٍ رضيَ اللهُ عنهُ “أوَ قالَ ذلك؟ ” فقالوا: نعم. فكانَ هذا ما يَكْفيهِ لِيُقِرَّ ويُصَدِّقَ، يَكْفيهِ أنْ يَعْرِفَ أنَّ هذا خبرٌ أخْبرَ بهِ رسولُ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم ليُصَدِّقَهُ مِنْ دونِ أدْنَى شكّ أو ترَدُّد فقال “فأشهُدُ لَئنْ كانَ قالَ ذلك لقدْ صدَقَ” فحاوَلوا مرّةً أُخرى أنْ يُزَعْزِعوهُ فقالوا: فتُصَدِّقُهُ بِأنْ يَأتِيَ الشّامَ في ليلةٍ واحدةٍ ثمّ يَرْجِعَ إلى مكّةَ قبلَ أنْ يُصْبِح؟ قال “نعم، إنّي لأُصدِّقُهُ بما هو أبعد من ذلك”.

        فيَا لهُ مِنْ درسٍ عظيمٍ يُعَلِّمُنا إيّاهُ الصِّدّيق رضيَ اللهُ عنه.

        قاعدةٌ عظيمةٌ مِنْ قواعِدِ الإيمان وهيَ الاعتقادُ بأنَّهُ صلّى اللهُ عليه وسلّم صادقٌ في جميعِ ما أخبَرَ بهِ وبلَّغَهُ عنِ الله، لا يجوزُ عليه الكذِبُ ولا الخَطَأُ في التّبليغِ. فرَضِيَ اللهُ عنْ أبي بكرٍ الصّدّيق وجَزاهُ اللهُ عنّا خيرًا وجَمَعَنا وإيّاهُ معَ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم في الجنّةِ، إنّ اللهَ على كلِّ شىءٍ قدير.