الخميس يناير 29, 2026

الصوم جنة

إن شهر رمضان هو شهر تنتصر فيه المعاني الفاضلة على النفوس الضعيفة وتعلو الأخلاق الحسنة الحميدة بصاحبها إلى مستوى التسامح وكظم الغيظ والتغاضي والعفو، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنما الصوم جنة فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث ولا يجهل وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم» رواه البخاري ومسلم من حديث أبي هريرة.

«إنما الصوم جنة»، يعني: وقاية من المعاصي والذنوب في الدنيا، فهو وقاية للعبد من جميع الشرور وكذلك وقاية من الشيطان ووقاية من عذاب الله في الآخرة. فالصوم جنة من النار وجنة من الشهوات وجنة من الآثام والسيئات، قال ابن الأثير: الصوم جنة أي يقي صاحبه ما يؤذيه من الشهوات.

«فإذا كان أحدكم صائما فلا يرفث»، يعني: لا يتكلم بالكلام الفاحش، «ولا يجهل»، أي: لا يعمل العمل المذموم، يحفظ نفسه عن الكلام المذموم والفعل المذموم.

«وإن امرؤ قاتله أو شاتمه فليقل إني صائم إني صائم»، ومعنى ذلك: أن الصائم لا يراجع من يجهل عليه أو يؤذيه بلسانه أو بفعله؛ بل يصبر على هذا الأذى ويقول في نفسه لنفسه: إني صائم يا نفسي، فلا سبيل إلى شفاء غيظك بالمشاتمة.

وبلفظ ءاخر لا تقابل السيئة بالسيئة لأنك صائم وصومك جنة، كأنه يقول للذي يريد مشاتمته ومقاتلته صومي يمنعني من مجاوبتك لأني أصون صومي ولولا ذلك لانتصرت لنفسي بمثل ما قلت لي. لذلك قال بعض العلماء: معنى الحديث أن الصيام وقاية وحصن من الوقوع في المعاصي، بمعنى أنه أدعى للتوبة والطاعة والانقياد لما يحبه الله ويرضاه ومانع من الرفث والآثام ولهذا قال عليه الصلاة والسلام مبينا أثر الصوم الذي ينبغي أن يظهر على الصائم: «وإذا كان يوم صوم أحدكم فلا يرفث، ولا يصخب، فإن سابه أحد، أو قاتله فليقل: إني امرؤ صائم». وفي رواية: «فليقل: إني صائم إني صائم».

ويؤيد ذلك أن الله تبارك وتعالى جعل الصيام علاجا لمن تاقث نفسه إلى الزواج ولم يستطع الباءة لأنه يكسر الشهوة ويضعفها، ولهذا قال صلى الله عليه وسلم: «من استطاع الباءة فليتزوج، فإنه أغض للبصر، وأحصن للفرج، ومن لم يستطع فعليه بالصوم؛ فإنه له وجاء» فكأن الصوم حجاب بين الصائم وبين شهوته لأنه يكسر الشهوة ويضعف القوة. وقال ابن العربي: إنما كان الصوم جنة من النار لأنه إمساك عن الشهوات والنار محفوفة بالشهوات، فالحاصل: أنه إذا كف نفسه عن الشهوات في الدنيا كان ذلك ساترا من النار في الآخرة.

فيا أيها المتوتر دائما السريع الغضب في كل حال الصيام فرصتك للتدرب على الحلم والأناة والصفح وكظم الغيظ والعفو عن الناس. الصوم جنة من المعاصي ليكون جنة بعد ذلك من النار إن شاء الله. فإذا صمت عن الطعام والشراب والأقوال الآثمة فلا يكن للشيطان عليك سبيلا واجعل الجوارح كلها صائمة لله. هلم أحبتي في الله لنجعل صيامنا فرصة للتوبة وحفظ النفس عما حرم الله.

ربنا آتنا في الدنيا حسنة، وفي الآخرة حسنة، وقنا عذاب النار

ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان

ولا تجعل في قلوبنا غلا للذين ءامنوا

وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين