الإثنين فبراير 23, 2026
  • السيدة خديجة أم المؤمنين رضي الله عنها

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره ، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له وليا مرشدا .

وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له ، ولا مثيل له ولا ضد ولا ند له ، وأشهد أن سيدنا محمدا عبده ورسوله ، من بعثه الله رحمة للعالمين هاديا ومبشرا ونذيرا، بلغ الرسالة وأدى الأمانة ونصح الأمة ، صلوات ربي وسلامه عليه وعلى كل رسول أرسله .

أما بعد فيا عباد الله، اتقوا الله تبارك وتعالى ، وعظموا أمره واجتنبوا نهيه، يقول الله تعالى : وٱلذين جاءوا من بعدهم يقولون ربنا ٱغفر لنا ولإخوٰننا ٱلذين سبقونا بٱلإيمـٰن ولا تجعل فى قلوبنا غلا للذين ءامنوا ربنا إنك رءوف رحيم  (سورة الحشر/10) .

جميل أن نتحدث عن الأخلاق الفاضلة، ورائع أن نكتب عن المثل وعظيم السجايا (أي الخصال) ، أن نقرأ عن الحلم والأناة، أو نتحدث عن الجود والسخاء ونصف الصدق والسماحة ، ونعجب من كرم الكريم، وشهامة الشهم ، كل ذلك عظيم ، ولكن إن كان هذا كله في شخص واحد ، فكم ستحمل النفوس والقلوب لهذا المخلوق من الإجلال والاحترام والمحبة .

إنها أم المؤمنين السيدة خديجة بنت خويلد بن أسد بن عبد العزى بن قصي، القرشية الأسدية، زوج الرسول صلى الله عليه وسلم ، أول امرأة تزوجها، وأول من أسلم بإجماع المسلمين ، لم يتقدمها رجل ولا امرأة .

كانت تدعى في الجاهلية الطاهرة، أوسط نساء قريش نسبا، وأعظمهم شرفا، وأكثرهم مالا، تستأجر الرجال في مالها تضاربهم إياه.

ولما بلغها عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ما بلغها من صدق حديثه وعظم أمانته وكرم أخلاقه بعثت إليه وعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجرا على أن تعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار، فقبل النبي صلى الله عليه وسلم ذلك منها، وتاجر في مالها، فأضعف وأربح، ونما مالها وأفلح.

وكانت خديجة امرأة حازمة لبيبة شريفة مع ما أراد الله من كرامتها، فعرضت نفسها على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذكر ذلك لأعمامه، فخرج معه عمه حمزة بن عبد المطلب حتى دخل على خويلد بن أسد، فخطبها إليه، فتزوجها رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو ابن خمس وعشرين سنة ، وكان عمرها يومئذ أربعين سنة وقد تزوجت قبله برجلين ، فولدت لرسول الله صلى الله عليه وسلم ولده كلهم إلا إبراهيم فإنه كان من مارية القبطية، وأكبر أولاده من خديجة القاسم وبه يكنى صلى الله عليه وسلم ، وعبد الله ويسمى الطاهر والطيب، وماتا قبل البعثة، أما بناته منها فهن رقية أكبرهن ثم زينب ثم أم كلثوم، ثم فاطمة، وكلهن أدركن الإسلام فأسلمن وهاجرن معه صلى الله عليه وسلم ، ومن كرامتها صلى الله عليه وسلم أنه لم يتزوج امرأة قبلها، ولم يتزوج عليها قط ، ولا تسرى إلى أن قضت نحبها ، فوجد (أي حزن) لفقدها، وحزن النبي صلى الله عليه وسلم حزنا شديدا مع كامل الصبر والتسليم لله رب العالمين ، حتى سمي ذلك العام بعام الحزن.

وكانت رضي الله عنها رابطة الجأش ، عاقلة مصونة، ثبتت جأش النبي صلى الله عليه وسلم  لما فاجأة الوحي أول مرة في غار حراء ، فرجع إليها يرجف فؤاده ، يقول لها: ” زملوني لقد خشيت على نفسي” .

فلم تفقدها شدة الصدمة وعيها، بل كلها رزانة وتعقل، وصبر وتحمل ، ونطقت بالحكمة، وقامت بالخدمة، قالت له : “كلا والله لا يخزيك الله أبدا، والله إنك لتصل الرحم ، وتصدق الحديث ، وتحمل الكل (أي التعب) ، وتكسب المعدوم ، وتقري الضيف ، وتعين على نوائب الحق”. (كما في كتاب الإيمان لابن منده ).

فخففت بهذه الكلمات الطيبات ما كان يجده النبي صلى الله عليه وسلم  في نفسه في ثوان معدودات، ولم يجف ريقها رضي الله عنها من هذا الكلام حتى انطلقت مسرعة إلى ابن عمها ورقة بن نوفل ، تنقل له خبر ما وقع لزوجها، فطمأنها بأنه رسول هذه الأمة وأن الوحي قد جاءه كما جاء لموسى ومن قبله من الأنبياء .

وهكذا كان لخديجة شرف الإسلام الأول ، وشرف العلم بالوحي المنـزل وشرف احتضانها لرسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الأمر الذي نابه، وتخفيفها لشدة ما أصابه، وكان هذا دأبها معه صلى الله عليه وسلم حتى ماتت.

وقد حفظ لها النبي صلى الله عليه وسلم هذه الخدمة الجليلة، فكان يذكرها بها بعد موتها، وبين معاشر أزواجه، يغار عليها ويبالغ في تعظيمها ويثني عليها.

ومن علامات تعظيمه لخديجة أنه كان يمضي عهدها القديم بعد موتها بين نسائه، ويسير بسيرتها المحمودة في علاقتها مع الأهل والجيران، وكأنها معه حاضرة كأحسن ما يعيش الزوجان،  قالت السيدة عائشة رضي الله عنها: “ما غرت على أحد من نساء النبي صلى الله عليه وسلم ، ما غرت على خديجة، وما رأيتها ، ولكن كان النبي صلى الله عليه وسلم يكثر ذكرها ، وربما ذبح الشاة ثم يقطعها أعضاء ، ثم يبعثها في صدائق خديجة ، فربما قلت له: كأنه لم يكن في الدنيا امرأة إلا خديجة ، فيقول: ” إنها كانت ، وكانت ، وكان لي منها ولد ” رواه البخاري .

وكم كان ينبعث من وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم البشر والسرور، لما يحظى بزيارة صديقات لخديجة بعد وفاتها ، فما هو إذا رءاهن حتى يطيب بذكرها، وتتحرك فيه الشجون عرفانا لفضلها وقدرها.

روى البخاري ومسلم وغيرهما عن عائشة رضي الله عنها ، قالت : “استأذنت هالة بنت خويلد ، أخت خديجة ، على رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فعرف استئذان خديجة (أي صفته لشبه صوتها بصوت أختها فتذكر خديجة بذلك) فارتاع لذلك (تغير واهتز سرورا) ، فقال : ” اللهم هالة” (أي اجعلها يا الله هالة، أو: هي هالة) .

وهكذا فإن الجزاء من جنس العمل ، فإنها رضي الله عنها لما قامت بنبي الله (أي خدمته) الذي هو زوجها خير قيام ، وأحسنت إليه بإنفاقها من مالها عليه، ولم تتبرم (أي تتضجر) من معاشرتها له مع طول المدة، بل لم تسمعه ما يؤذي من قبيح الكلام وسوء الفعال. بل آمنت به وصدقته وثبتته وربت أولاده وصبرت على ما يلقاه من أذى قومه فأحسن إليها النبي صلى الله عليه وسلم بعد موتها بدوام ذكرها والاستغفار لها والثناء عليها.

ففي الصحيحين عن أبي هريرة رضي الله عنه ، قال: ” أتى جبريل النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال: ” يا رسول الله : هذه خديجة قد أتت معها إناء فيه إدام ، أو طعام أو شراب ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السلام من ربها ومني وبشرها ببيت في الجنة من قصب لا صخب فيه ، ولا نصب ” . وكان ذلك في حياتها رضي الله عنها .

زاد الطبراني في الرواية المذكورة : فقالت : ” هو السلام ومنه السلام وعلى جبريل السلام ” .

وللنسائي من حديث أنس قال : ” جاء جبريل إلى النبي صلى الله عليه وسلم ، وعنده خديجة قال : ” إن الله يقرئ خديجة السلام ” فقالت : “إن الله هو السلام (أي السالم من كل نقص وعيب) ، وعلى جبريل السلام، وعليك السلام ، ورحمة الله وبركاته ” .

فرضي الله عنها وأرضاها وأكرم مثواها وحشرنا معها تحت لواء حبيبه محمد صلى عليه وسلم .                                        هذا وأستغفر الله لي ولكم

الخطبة الثانية

إن الحمد لله نحمده ونستعينه ونستهديه ونشكره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، والصلاة والسلام على سيدنا محمد الصادق الوعد الأمين وعلى إخوانه النبيين والمرسلين. ورضي الله عن أمهات المؤمنين وءال البيت الطاهرين وعن الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي وعن الأئمة المهتدين أبي حنيفة ومالك والشافعي وأحمد وعن الأولياء والصالحين أما بعد عباد الله فإني أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم فاتقوه.

واعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم، أمركم بالصلاة والسلام على نبيه الكريم فقال ﴿إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما﴾ اللهم صل على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما صليت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءال سيدنا محمد كما باركت على سيدنا إبراهيم وعلى ءال سيدنا إبراهيم إنك حميد مجيد، يقول الله تعالى ﴿يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم يوم ترونها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد﴾، اللهم إنا دعوناك فاستجب لنا دعاءنا فاغفر اللهم لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين اللهم استر عوراتنا وءامن روعاتنا واكفنا ما أهمنا وقنا شر ما نتخوف. عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. اذكروا الله العظيم يثبكم واشكروه يزدكم، واستغفروه يغفر لكم واتقوه يجعل لكم من أمركم مخرجا، وأقم الصلاة.