السلف وعلم الكلام
قال الإمام الهررى رضى الله عنه وهذا العلم كان فى السلف، هذا أبو حنيفة رضى الله عنه كان توفى فى منتصف السلف، السلف معناه أهل القرون الثلاثة الأولى، ثم من جاء بعد ذلك يقال لهم خلف، فخيرة هذه الأمة هم أهل القرون الثلاثة أى أهل الثلاثمائة سنة الأولى، وهؤلاء شهد لهم الرسول بالأفضلية، أبو حنيفة كان توفى فى منتصف هذه المدة سنة مائة وخمسين وولد الشافعى تلك السنة، أبو حنيفة كان متمكنا إلى حد بعيد فى هذا العلم علم العقيدة بتقريرها بالدلائل العقلية والنقلية وكان يكافح هؤلاء البدعيين الذين هم ينتسبون إلى الإسلام والملاحدة الذين لا ينتسبون إلى الإسلام، كان من شدة عنايته بهذا الأمر العظيم يتنقل بين بغداد والبصرة وهى مسافة واسعة حتى بلغ عدد تنقلاته بينهما عشرين مرة ونيفا، فى تلك الأيام التى لم يكن فيها إلا الدواب.
المقصود أن علم العقيدة بأدلتها العقلية والنقلية ليس شيئا مذموما بل هو فرض على المسلمين، ومن هؤلاء المشككين من لا يقبل إذا قلت له قال الله تعالى قال رسول الله يقول أنا لا أؤمن بكتابك ولا بنبيك أعطنى دليلا عقليا، فهذا كيف تحاربه كيف تكافحه إذا لم تعلم هذه الأدلة العقلية، إذا لم تنصب دليلا عقليا على وجود الله وقدرته وسائر صفاته التى يجب معرفتها وحقية النبوة والرسالة ووجوب اتباع الأنبياء والمرسلين، كيف تثبت له البرهان العقلى إذا كنت لا تعرف إلا قال الله قال رسول الله، إلا ظواهر الآيات والأحاديث، الكفاح عن الدين يتطلب وجوبا وحتما معرفة البراهين العقلية، معرفة العقائد الإيمانية مقرونة بالأدلة العقلية أى البراهين العقلية والنقلية. لو لم يوجد فى المسلمين أناس يقومون بهذا لعصوا كلهم، لشملت المعصية كل الأفراد البالغين العاقلين، لكن إذا كان بعض يعرف ذلك ويقوم به فليس على الآخرين حرج.
هذا العلم الذى هو فرض بعض الناس ينفرون منه لجهلهم بالحقيقة ويحتجون للتنفير من هذا العلم بكلام يروى عن الشافعى وهو «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام» هذه رواية يروونها عن الشافعى، والرواية الصحيحة هى ما رواها عن الشافعى الإمام المجتهد المحدث المفسر أبو بكر بن المنذر فى كتابه الإشراف وابن المنذر ممن أخذ العلم عن أصحاب الشافعى كالربيع المرادى. الربيع أشهر من أخذ علم الشافعى، وهذا أبو بكر بن المنذر كان درس مذهب الشافعى دراسة متقنة، حفظ المذهب الشافعى بالتلقى من الربيع الذى هو تلميذ الشافعى وغيره، وصار مجتهدا فيما بعد لأن الله تعالى يسر له حفظ الأحاديث النبوية بأسانيدها والتمكن فى معرفة اللغة الأصلية اللغة العربية الفصحى التى نزل بها القرءان الكريم، صار مقتدرا على أن يجتهد كما أن الشافعى كان يجتهد ومالكا وأحمد بن حنبل، صار فى عتادهم، وهو الذى نقل عن الشافعى العبارة التى هى صحيحة التى ليس فيها إيهام، يقول قال الشافعى «لأن يلقى الله العبد بكل ذنب ما خلا الشرك خير من أن يلقاه بشىء من الأهواء» الأهواء هى عقائد البدعيين، الاعتزال من جملة الأهواء.
معرفة علم العقيدة بدلائلها العقلية والنقلية، هذا الأمر العظيم الذى هو فرض على الكفاية بعض الناس يعادونه ويحتجون بتلك العبارة التى تنسب للشافعى رضى الله عنه، ولم يدر هؤلاء أن الشافعى رضى الله عنه كان يتقن علم العقيدة مع تقرير الأدلة العقلية والنقلية، كان الشافعى متمكنا فى ذلك حتى قال «أتقنا ذاك قبل هذا»، أتقنا ذاك أى علم العقيدة المقرون بالدلائل العقلية والنقلية، قبل هذا أى قبل علم الفقه الفرعى، علم الأحكام يقال له الفقه الفرعى لأن الفقه الأكبر هو علم العقيدة، ومن الدليل على ذلك أن أبا حنيفة سمى كتابه الذى ألفه بالعقيدة مقرونا ببيان الدلائل العقلية الفقه الأكبر فالحذر الحذر من كلام هؤلاء الذين يريدون أن يطعنوا فى هذا العلم الذى هو أشرف العلوم.
إن الشافعى رضى الله عنه لم يعن بالكلام المذموم علم العقيدة المشتمل على تقرير البراهين العقلية، إنما يعنى علم الكلام المذموم الذى هو عمل البدعيين المعتزلة وأشباههم، هذا الذى ذمه الشافعى، هذا هو الكلام الذى ذمه بعض السلف غير الشافعى أيضا، أما هذا العلم أبو حنيفة كان رأسا فيه، كذلك أئمة قبله، عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد رضى الله عنه له رسالة فى الرد على المعتزلة بالبراهين العقلية، ليس بالآيات فقط كذلك الحسن بن محمد بن الحنفية هذا حفيد سيدنا على رضى الله عنه، الحنفية هى سرية على رضى الله عنه ولدت له الإمام محمد بن الحنفية، شهر بأمه، وهو محمد بن على إنما غلبت شهرته باسم أمه.
والمعتزلة كان بدؤهم فى القرن الأول ولكنهم ظهروا ظهورا قويا بعد الثلاثمائة. وقد سموا المعتزلة أيام الحسن البصرى وسببه أن رجلا من رؤوس المعتزلة القدماء كان يحضر مجلس الإمام الحسن البصرى رضى الله عنه، فكان يتكلم بسقط من القول فنبذه الحسن البصرى وقال اعتزل عنا معناه اخرج من مجلسنا، فلقبوا بعد ذلك بالمعتزلة أى الطائفة المعتزلة أى المنبوذة، ثم قبل هذا الظهور الأكبر لهم ضمن أيام السلف، أيام مالك وقبله كان الأئمة يستذلونهم، كانوا مستذلين حتى إن الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز استتاب أحد أكابر المعتزلة وهو غيلان بن مروان استتابه فأظهر التوبة فتركه من القتل، كان قتله لولا أنه أظهر التوبة ثم بعد ذلك نقض ما أظهر أيام عمر بن عبد العزيز أيام هشام فقتله هشام لأنه عاد إلى الضلالة التى كان عليها، ضلالة الاعتزال.
اللهم علمنا ما ينفعنا وانفعنا بما علمتنا وزدنا علما، وءاخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.