الخميس فبراير 19, 2026

السادسة: غزوة قينقاع

(فـ)ـبعد غزوة بدر الكبرة وقعت(قينقاع)أي غزوتها، وقينقاع بفتح القافين وتثليث النون، والضم أشهر، بطن من يهود المدينة، وهم رهط عبد الله بن سلام، كانوا عند منتهى جسر بطحان([1]) مما يلي العالية([2]). وكانت غزوة بني قينقاع يوم السبت للنصف من شوال على رأس عشرين شهرا من الهجرة الـمباركة([3]).

وفي خبرها أن رسول الله ﷺ كان قد جمع قبلها بني قينقاع بسوق وقال لهم: «يا معشر يهود([4])، احذروا من الله مثل ما نزل بقريش من النقمة وأسلموا، فإنكم قد عرفتم أني نبي مرسل تجدون ذلك في كتابكم، وعهد الله إليكم‏»، قالوا: يا محمد، إنك ترى أنا قومك، ولا يغرنك أنك لقيت قوما لا علم لهم بالحرب فأصبت منهم فرصة، أما والله لو حاربتنا لتعلمن أنا نحن الناس، فنزلت: {قل للذين كفروا ستغلبون وتحشرون إلى جهنم وبئس المهاد* قد كان لكم آية في فئتين التقتا} وهم الـمسلمون في بدر وكفار قريش {فئة تقاتل في سبيل الله وأخرىٰ كافرة يرونهم مثليهم رأي العين والله يؤيد بنصره من يشاء إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار} [ءال عمران: 12، 13].

ونبذت بنو قينقاع العهد الذي كان بينهم وبين رسول الله ﷺ ونقضوا ذلك، وكان بدء الأمر أن امرأة من العرب قدمت بجلب([5]) لها تبيعه بسوق بني قينقاع وجلست إلى صائغ يهودي، فجعل بنو قينقاع يراودونها على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوأتها فضحكوا منها، فصاحت فوثب رجل من الـمسلمين على الصائغ فقتله، فشد اليهود على الـمسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل الـمسلم الـمسلمين على اليهود فغضب الـمسلمون.

وعزم رسول الله ﷺ على القتال فسار إلى بني قينقاع في جيش وجعل اللواء الأبيض بيد حمزة عمه ولم تكن رايات يومئذ واستخلف ﷺ على المدينة أبا لبابة، فحاصرهم ﷺ خمس عشرة ليلة إلى هلال ذي القعدة، فحارب بنو قينقاع وتحصنوا في حصنهم وكانوا أربعمائة حاسر وثلاثمائة مدرع([6])، فحاصرهم ﷺ أشد الحصار حتى قذف الله في قلوب اليهود الرعب فنزلوا على حكم رسول الله ﷺ على أن لرسول الله ﷺ أموالهم وأن لهم النساء والذرية، فأنزلهم فكتفوا واستعمل النبي على وثاقهم الـمنذر بن قدامة الأوسي، ثم تركهم رسول الله ﷺ من القتل لمصلحة رءاها.

وتنفل رسول الله ﷺ من سلاحهم ما يأتي ذكره في بابه، وخمست أموالهم فأخذ النبي ﷺ صفية خمسه وجعل أربعة أخماس لأصحابه، فكان ذلك أول ما خمس بعد بدر([7]).

([1]) واد يشق المدينة من وسطها من الجنوب إلى الشمال، ويسمى اليوم وادي أبي جيدة، وهو يلتقي مع وادي العقيق بأسفل الـمدينة في الجانب الشمالي منها. قال ياقوت في «معجم البدلان» (1/446): «بطحان بالضم ثم السكون كذا يقوله المحدثون أجمعون، وحكى أهل اللغة بطحان بفتح أوله وكسر ثانيه».

([2]) وفاء الوفا، أبو الحسن السمهودي، (1/131).

([3]) الطبقات الكبرى، ابن سعد، (2/29).

([4]) «يهود» بالفتح علم للقبيلة ممنوع من الصرف. قال أبو سعيد السيرافي: «اعلم أن يهود ومجوس اسمان لجماعة أهل هاتين الـملتين كما أن قريش اسم لجماعة القبيلة الذين هم ولد النضر بن كنانة ولم يجعلا اسمين لمذكرين كما أن «عمان» اسم مؤنث وضع على الناحية المعروفة بعمان، فلا يصرف مجوس ويهود لاجتماع التأنيث والتعريف فيها». ينظر: شرح الكتاب، أبو سعيد السرافي، (4/23).

([5]) أي: بشيء جلبته.

([6]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/123).

([7]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (1/344).