(وتلا) أي تبع (غزاة) أي غزوة (طائف) غزوة (تبوك) وهي مكان معروف في نصف الطريق بين المدينة المنورة ودمشق، وتبوك بعدم الصرف للعلمية والتأنيث، ووقع في «صحيح البخاري» صرفها نظرا للموضع، ويقال لها غزوة العسيرة وغزوة العسرة لما كان فيه الـمسلمون من عسرة في الماء والمركوب والنفقة وشدة من الحر وجدب من البلاد([1])، وتعرف أيضا بالفاضحة لافتضاح الـمنافقين فيها([2]).
أقام رسول الله ﷺ بالمدينة بعد انصرافه من حصاره الطائف من ذي الحجة إلى جمادى الآخرة، ثم في رجب من سنة تسع بالـمسلمين لغزو الروم، وهي ءاخر ما غزاه بنفسه ﷺ. وكان خروجه ﷺ إلى غزوته تلك في حر شديد وعام جدب، ولم يور هذه المرة ﷺ بغير خروجه لغزوة تبوك بل بينها ﷺ للناس لبعد الـمسافة ونفقة المال وقوة العدو المقصود إليه.
ولما كان رسول الله ﷺ في جهازه ذلك قال للجد بن قيس أحد بني سلمة: «يا جد، هل لك العام في جلاد([3]) بني الأصفر؟» فقال: يا رسول الله، أتأذن لي ولا تفتني، فوالله لقد عرف قومي أنه ما من رجل بأشد عجبا بالنساء مني، وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر أن لا أصبر، فأعرض عنه رسول الله ﷺ وقال: «قد أذنت لك»، فنزلت فيه: {ومنهم من يقول ائذن لي ولا تفتني ألا في الفتنة سقطوا} [التوبة:49]. وقال قوم من المنافقين بعضهم لبعض: لا تنفروا في الحر، فأنزل الله فيهم: {وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حرا لو كانوا يفقهون} [التوبة:81].
ثم إن رسول الله ﷺ جد في سفره وأمر الناس بالجهاز، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، فحمل رجال من أهل الغنى محتسبين الأجر، وأنفق عثمان رضي الله عنه في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق يومها أحد مثلها.
وبلغ رسول الله ﷺ أن الروم قد جمعت جموعا كثيرة بالشام، وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة، وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وغيرهم من متنصرة العرب وزحفوا وجاءت مقدماتهم إلى البلقاء([4]) وعسكروا بها، وهرقل يومئذ بحمص.
وجاء البكاؤون السبعة من الصحابة يستحملون رسول الله فقال ﷺ: «لا أجد ما أحملكم عليه»، فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون، وفيهم نزل قرءان في سورة التوبة.
وجاء الـمعذرون من الأعراب ليؤذن لهم، وهم اثنان وثمانون رجلا، فلم يعذرهم النبي ﷺ، فاستخلف على عسكره أبا بكر الصديق يصلي بالناس واستخلف على المدينة محمد بن مسلمة، وقيل: سباع بن عرفطة. ولما سار رسول الله ﷺ تخلف عبد الله بن أبي ومن كان معه، وتخلف نفر من الـمسلمين من غير نفاق حقيقي، ومنهم كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع، وكان خروج رسول الله ﷺ في ثلاثين ألفا من الناس وعشرة ءالاف من الخيل، وأقام بها ﷺ عشرين ليلة يصلي ركعتين. وذكر أبو زرعة الرازي أن الجيش بتبوك كانوا سبعين ألفا، وجمع بين الكلامين بأن من قال ثلاثين ألفا لم يعد التابع، ومن قال سبعين ألفا عد التابع والمتبوع.
وأراد رسول الله ﷺ أن يخلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه على أهله، فأرجف به الـمنافقون وقالوا: ما خلفه إلا استثقالا وتخفيفا منه، فأخذ علي سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله ﷺ وهو نازل بالجرف([5])، فقال: يا نبي الله، زعم الـمنافقون أنك إنما خلفتني أنك استثقلتني وتخففت مني، فقال ﷺ: «كذبوا ولكني خلفتك لما تركت ورائي، فارجع فاخلفني في أهلي وأهلك، أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى إلا أنه لا نبي بعدي»، فرجع علي إلى المدينة ومضى رسول الله ﷺ لسفره وكان دليله إلى تبوك علقمة بن الفغواء([6]) الخزاعي رضي الله عنه.
ودفع النبي ﷺ لواءه الأعظم إلى أبي بكر رضي الله عنه، ورايته العظمى إلى الزبير بن العوام، وراية الأوس إلى أسيد بن الحضير رضي الله عنه، وراية الخزرج إلى أبي دجانة رضي الله عنه، وقيل: إلى الحباب بن الـمنذر رضي الله عنه، وأمر ﷺ كل بطن من الأنصار والقبائل من العرب أن يتخذوا لواء وراية، وحض جيشه على الاستكثار من النعال وقال: «استكثروا من النعال، فإن الرجل لا يزال راكبا ما انتعل([7])».
وكان أبو ذر رضي الله عنه قد أبطأ على رسول الله ﷺ بسبب بعيره لا عن عمد في التخلف عن الغزو، وذلك أن بعير أبي ذر كان نضوا([8]) أعجف([9]) لكن عزم على أن يعلفه أياما ثم يلحق برسول الله ﷺ، ففعل ذلك ثم خرج يتبع النبي ﷺ، ولما كان بذي الـمروة أذم بعيره فتلوم عليه فلم ير به حركة، فأخذ متاعه فحمله على ظهره ثم خرج يتبع رسول الله ﷺ ماشيا، فلما انتصف النهار أخذ منه العطش فنظر ناظر من الـمسلمين فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله ﷺ: «كن أبا ذر([10])»، فلما تأمله القوم قالوا: يا رسول الله، هو والله أبو ذر، فقال رسول الله ﷺ: «يرحم الله أبأ ذر يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده».
وأما أبو خيثمة فإنه رجع إلى أهله من حاجة كان فيها بعد مسير رسول الله ﷺ إلى تبوك، فوجد امرأتين له قد بردتا له ماء وهيأتا طعاما، فنظر إلى ذلك وقال: رسول الله ﷺ في الضح والحر وأبو خيثمة في ظل بارد وماء بارد وطعام مهيإ وامرأة حسناء في ماله مقيم؟! ما هذا بالنصف([11])، فحلف لا يدخل على إحدى نسائه حتى يلحق برسول الله ﷺ، فارتحل بزاده طلبا لرسول الله ﷺ حتى أدركه بتبوك حين نزلها فرءاه الناس فقالوا: هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله ﷺ: «كن أبا خيثمة([12])»، فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة، فلما أناخ أقبل فسلم على النبي ﷺ فقال له: «أولى لك([13]) أبا خيثمة»، فأخبر أبو خيثمة الخبر فقال له ﷺ خيرا ودعا له بخير.
وروي أن جماعة من الـمنافقين خرجوا مع رسول الله ﷺ في غزة تبوك فقالوا: «تحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم، والله لكأنا بكم غدا مقرنين في الحبال»، قالوا ذلك إرجافا بالنبي ﷺ وترهيبا للمؤمنين، فقال الجلاس([14]) بن سويد زوج أم عمير بن سعد: لئن كان هذا الرجل صادقا لنحن شر من الحمير، فسمعه عمير بن سعد فقال له: فأنت شر من الحمار، ورسول الله الصادق وأنت الكاذب، ثم رفع عمير مقالة الجلاس إلى رسول الله ﷺ فأتى الجلاس يحلف بالله ويقول: لقد كذب علي وما قلت، فنزلت: {يحلفون بالله ما قالوا ولقد قالوا كلمة الكفر وكفروا بعد إسلامهم} [التوبة: 74] الآيات، قال الحافظ الدارقطني([15]): «زعموا أن الجلاس تاب وحسنت توبته حتى عرف منه الإسلام والخير». وفي رواية أن المنافقين أتوا رسول الله ﷺ يعتذرون إليه وقال وديعة بن ثابت منهم: يا رسول الله إنما كنا نخوض ونلعب، فنزلت: {ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزؤون * لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم} [التوبة: 65، 66].
وكان نزول رسول الله ﷺ تبوك في زمان قل ماؤها فيه، فاغترف ﷺ غرفة بيده من ماء فمضمض بها فاه ثم بصقه فيها ففارت عينها حتى امتلأت. وروي أنهم لما شكوا العطش للنبي ﷺ قال له أبو بكر: يا رسول الله، قد عودك الله من الدعاء خيرا فادع الله لنا، قال: «أتحب ذلك؟»، قال: نعم، فرفع رسول الله ﷺ يديه ودعا فلم يرجعهما حتى أرسل الله سحابة فمطر الناس حتى ارتووا واحتملوا ما يحتاجون.
وأخرج ابن أبي حاتم([16]) عن أبي حزرة أن تلك السحابة لم تجاوز العسكر، وأن رجلا من الأنصار قال لآخر متهم بالنفاق: ويحك قد ترى ما دعا النبي ﷺ فأمطر الله علينا السماء؟ فقال: إنما مطرنا بنوء كذا وكذا، فأنزل الله تعالى: {وتجعلون رزقكم أنكم تكذبون} [الواقعة:82] أي بدل شكر الله على رزقه لكم تكذبون.
وضلت ناقته ﷺ فقال رجل من الـمنافقين الذين خرجوا معه ﷺ وليس عرضهم إلا الغنيمة: إن محمدا يزعم أنه نبي وأنه يخبركم بخبر السماء وهو لا يدري أين ناقته؟! فقال ﷺ: «إن رجلا يقول كذا وكذا، وإني والله لا أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها أنها في شعب كذا وكذا، وقد حبستها شجرة بزمامها، فانطلقوا حتى تأتوني بها»، فذهبوا فوجدوها كذلك فجاؤوا بها، ولهذه القصة نظير في غزوة بني الـمصطلق، ولا بعد في تعدد الواقعة([17]).
ولما كان رسول الله ﷺ بتبوك أتاه يحنة بن رؤبة صاحب أيلة([18]) ومعه أهل الجرباء([19]) وأهل أذرح([20]) وأهل ميناء([21])، وأهدى يحنة بغلة بيضاء لرسول الله ﷺ، فكساه النبي بردا، وكان دعاه إلى الإسلام فلم يسلم فصالح هو رسول الله ﷺ على إعطاء الجزية، وكتب له ﷺ ولأهل أيلة كتاب صلح، وكتب لأهل أذرح وجرباء كتابا ءاخر.
وأقام رسول الله ﷺ بتبوك بضع عشرة ليلة، وقيل: عشرين ليلة يصلي ركعتين ولم يجاوز تبوك([22]). وشاور النبي ﷺ بعض أصحابه في التقدم فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إن كنت أمرت بالـمسير فسر، فقال ﷺ: «لو أمرت ما استشرتكم فيه» فقالوا: يا رسول الله، إن للروم جموعا كثيرة وليس بها أحد من أهل الإسلام، وقد دنوت منهم حيث ترى وقد أفزعهم دنوك، فلو رجعت هذه السنة حتى ترى أو يحدث الله لك في ذلك أمرا، فانصرف رسول الله ﷺ ولم يلق كيدا في هذه الغزوة.
وقد (قائلا) – والألف للإطلاق – رسول الله (منها) أي الغزوات السبع والعشرين (بتسع) فقط ومعنى «قاتل» في اصطلاح أهل السير «حضر القتال» وخرج فيها النبي ﷺ بنفسه، أما التي باشر فيها الضرب بنفسه ﷺ فهي أحد([23])، فكان خروجه ﷺ في (أحد والخندق) و(بدر) الكبرى و(بني قريظة) و(المصطلق) وهي الـمريسيع و(خيبر والفتح) أي فتح مكة – على القول بأنها فتحت عنوة([24]) – و(حنين) والـ(ـطائف) فهذه تسع، أما الغزوات الأخرى التي خرج فيها النبي ﷺ مع الجيش فلم يلق الـمسلمون فيها كيدا، وذكر الغزوات التسع في الـمتن هنا ليس هو على ترتيب وقوعها زمانا، وإنما أتى بها الناظم رحمه الله على ما ساعده النظم، والترتيب فيها كما بيناه في كل منها فيما سبق.
(وقد حكوا) أي بعض أهل السير (عن قول بعض السلف بأنه) ﷺ (قاتل) أي حضر القتال مع أصحابه (في) غزوة بني (النضير و) الـ(ـغابة) الـمسماة ذي قرد، وغزوة (وادي القرى المشهور) موقعه بين تيماء وخيبر، وكانت غزوة وادي القرى عند منصرفه ﷺ من خيبر فلذلك لم يفردها بعضهم بل أتبعوها خيبر، وأفردها غيرهم، كما أن ابن عقبة عد ما حضره رسول الله ﷺ من القتال ثمانية لأنه ضم غزوة بني قريظة إلى الخندق لكونها كانت في إثرها، وأفردها غيره لوقوعها منفردة بعد هزيمة أحزاب الكفار، كما أنه وقع عد الطائف وحنين واحدة عند بعضهم لكونها كانت في إثرها.
تتمة: قال الشيخ محمد الصالحي رحمه الله([25]): «روى ابن سعد عن ابن إسحاق وابن عقبة وأبي معشر وعن شيخه محمد بن عمر الأسلمي عن جماعة سماهم قالوا: كان عدد مغازي رسول الله ﷺ التي غزا فيها بنفسه سبعا وعشرين، وقيل: تسع وعشرون، وقيل: ست وعشرون، ومن قال بذلك جعل غزوة خيبر ووادي القرى غزوة واحدة، وقيل: خمس وعشرون، وزعم الحافظ عبد الغني الـمقدسي أنه الـمشهور وعزاه لابن إسحاق وابن عقبة وأبي معشر، والذي رواه عنهم ابن سعد ما سبق، وهو الصواب الذي جزم به أبو الفرج في «التلقيح» والدمياطي والعراقي وغيرهم».
([1]) تاريخ الخميس، حسين الديار بكري، (2/132).
([2]) المواهب اللدنية، هاب الدين القسطلاني، (1/418).
([4]) كورة من أعمال دمشق بين الشام ووادي القرى، قصبتها عمان وفيها قرى كثيرة ومزارع واسعة، قاله في «معجم البدلان» (1/489).
([5]) المنهاج شرح مسلم، محيي الدين النووي، (17/100).
([7]) قال النووي في «شرح مسلم» (17/100): «معناه أنه شبيه بالراكب في خفة الـمشقة عليه وقلة تعبه وسلامة رجله مما يعرض في الطريق من خشونة وشوك وأذى ونحو ذلك، وفيه استحباب الاستظهار في السفر بالنعال وغيرهما مما يحتاج إليه الـمسافر».
([8]) بنون مكسورة فضاد معجمة ساكنة وهي الدابة التي اهتزلتها الأسفار وأذهبت لحمها.
([11]) أي: ليس إنصافا مني إن أنا تخلفت عن رسول الله ﷺ بلا عذر فأقمت فيما أنا فيه ورسول الله ﷺ في الحر والعطش والتعب.
([13]) أي: فعلت ما هو أولى لك.
([14]) بضم الجيم وتخفيف اللام.
([15]) المؤتلف والمختلف، أبو الحسن الدارقطني، (2/865).
([16]) تفسير القرءان العظيم، ابن أبي حاتم، (10/3335).
([17]) السيرة الحلبية، نور الدين الحلبي، (3/190).
([18]) بفتح الهمزة مدينة على ساحل بحر القلزم (الأحمر) مما يلي الشام، قاله في «معجم البلدان» (1/292).
([19]) بفتح الجيم، موضع من أعمال عمان بالبلقاء من أرض الشام قرب جبال السراة من ناحية الحجاز، هي قرية من أذرح، قاله في «معجم البلدان» (2/118).
([20]) بإسكان الذال وضم الراء، بلد في أطراف الشام من أعمال الشراة ثم من نواحي البلقاء، قاله في «معجم البلدان» (1/129).
([21]) بكسر الـميم وإسكان الياء، جبل بمصر، قاله في «معجم البلدان» (5/245).
([22]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (8/391).
([23]) قال الشيخ محمد الصالحي: «الـمراد بقولهم: «قاتل في كذا وكذا أنه ﷺ وقع بينه وبين عدوه في هذه الغزوات قتال قاتلت فيها جيوشه بحضرته ﷺ بخلاف بقية الغزوات فإنه لم يقع فيها قتال أصلا، لكن نقل الحافظ في «الفتح» عن ابن عقبة أنه قال: قاتل رسول الله ﷺ بنفسه في ثمان غزوات، وراجعت نسخة صحيحة في «مغازي ابن عقبة» ونصه: ذكر مغازي رسول الله ﷺ التي قاتل فيها: قاتل في بدر إلى ءاخر ما ذكره، ثم قال: وغزا رسول الله ﷺ اثنتي عشرة غزوة لم يكن فيها قتال انتهى، ولم يذكر فيها أنه ﷺ قاتل بنفسه، فكأنها في بعض النسخ». ينظر: سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (4/8).