وبعد غزوة الأحزاب كانت (قريظة) أي غزوة بني قريظة، وذلك أنه لما أصبح النبي ﷺ وقد انصرف الأحزاب، رجع وأصحابه إلى المدينة ووضعوا سلاحهم، فأتاه جبريل عليه السلام فقال: إن كنتم قد وضعتم سلاحكم فما وضعت الملائكة سلاحها، إن الله يأمرك أن تخرج إلى بني قريظة، وإني متقدم إليهم فمزلزل بهم.
فأمر النبي ﷺ مناديا ينادي في الناس: «لا يصلين أحد العصر إلا في بني قريظة»، فخرج الـمسلمون مبادرين إلى بني قريظة، فأدرك بعضهم العصر في الطريق فقالوا: لا نصلي حتى نأتيها، وقال بعضهم: بل نصلي، لم يرد منا ﷺ ذلك، وفهموا أنه ﷺ قال ذلك على سبيل الحث لهم في السير، فذكر للنبي ﷺ ذلك فلم يعنف واحدا منهم.
وخرج رسول الله ﷺ وأصحابه يوم الأربعاء لسبع خلون من ذي الحجة سنة خمس، وأعطى ﷺ الراية في ذلك اليوم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، واستخلف ﷺ على المدينة ابن أم مكتوم، وسار إليهم ﷺ في ثلاثة ءالاف من أصحابه، وقدم علي بالراية فابتدرها الناس وساروا حتى دنوا من حصون بني قريظة، فنهض علي وطائفة معه حتى أتوا بني قريظة ونزلوا بجوار حصونهم فسمعوا مسبة قريظة لرسول الله، فانصرف علي إلى النبي ﷺ فقال له ﷺ: «لعلك سمعت منهم لي أذى»، قال: نعم يا رسول الله، لو رأوني لم يقولوا من ذلك شيئا.
وحاصر المسلمون بني قريظة خمسا وعشرين ليلة([1])، وقيل: خمسة عشر يوما([2])، وقيل: شهرا([3])، فأجهد بني قريظة ذلك، وكانوا قبل ذلك قد بعثوا إلى أبي لبابة([4]) – وكانوا حلفاء بني عمرو بن عوف وسائر الأوس – فأتاهم فجمعوا إليه أبناءهم ورجالهم ونساءهم وقالوا له: يا أبا لبابة، أترى أن ننزل على حكم محمد؟ فقال: نعم، وأشار بيده إلى حلقه، أي أنه الذبح إن فعلتم ذلك. ثم ندم أبو لبابة من حينه لما فعل وعلم أنه خان الله ورسوله وأن ذلك أمر يطلع الله نبيه ﷺ عليه، فانطلق إلى المدينة ولم يرجع إلى النبي ﷺ بل ربط نفسه في سارية من سواري الـمسجد وأقسم لا يبرح مكانه حتى يتوب الله عليه، وفيه نزلت: {يا أيها الذين آمنوا لا تخونوا الله والرسول} [الأنفال:27].
ولما بلغ ذلك النبي ﷺ – وكان قد استبطأه – قال: «أما إنه لو أتاني لاستغفرت له، وأما إذا فعل فلست أطلقه حتى يطلقه الله»، فقال أبو لبابة: والله لا أحل نفسي منها ولا أذوق طعاما ولا شرابا حتى أموت أو يتوب الله علي، فمكث سبعة أيام لا يذوق فيها طعاما ولا شرابا، حتى كان يخر مغشيا عليه، فأنزل الله تعالى: {وآخرون اعترفوا بذنوبهم خلطوا عملا صالحا وآخر سيئا عسى الله أن يتوب عليهم إن الله غفور رحيم} [التوبة:102]، فقيل له: قد تيب عليك يا أبا لبابة، فقال: والله لا أحل نفسي حتى يكون النبي يحلني بيده، فجاءه النبي فحله بيده فقال أبو لبابة: يا رسول الله، إن من توبتي أن أهجر دار قومي التي أصبت فيها الذنب وأن أنخلع من مالي كله صدقة([5]) إلى الله وإلى رسوله([6]) فقال: «يجزئك الثلث أن تصدق به يا أبا لبابة»، وكانت مدة ارتباط أبي لبابة بضع عشرة ليلة. وبقي بنو قريظة يأبون النزول على حكم رسول الله ﷺ وهم في حصار، وكان حيي بن أخطب قد دخل مع بني قريظة في حصنهم حين رجعت قريش وغطفان من الخندق وفاء لكعب بن أسد بما كان عاهده عليه، فلما أيقنوا أنهم باقون في حصار وأن رسول الله ﷺ غير منصرف عنهم حتى يناجزهم([7]) قال كعب بن أسد: يا معشر يهود، إنه قد نزل بكم من الأمر ما ترون، وإني عارض عليكم خلالا([8]) ثلاثا فخذوا أيها شئتم، فقالوا: وما هي؟ قال: نبايع هذا الرجل ونصدقه، فوالله لقد تبين لكم أنه نبي مرسل وأنه الذي تجدونه في كتابكم، فتأمنوا على دمائكم وأموالكم ونسائكم، فقالوا: لا نفارق حكم التوراة أبدا ولا نستبدل به غيره، قال: فإذا أبيتم علي هذا فهلموا فلنقتل أبناءنا ونساءنا ثم نخرج إلى محمد رجالا مصلتين السيوف([9]) لم نترك وراءنا ثقلا يهمنا حتى يحكم الله بيننا وبين محمد، فإن نهلك نهلك ولم نترك وراءنا نسلا يهمنا نخاف عليه، وإن نظهر فلعمري لنجدن النساء والأبناء، فقالوا: نقتل هؤلاء المساكين فما خير العيش بعدهم؟! فقال: فإذا أبيتم هذه علي فإن الليلة ليلة السبت، وعسى أن يكون محمد وأصحابه قد أمنونا فيها، فانزلوا فلعلنا نصيب منهم غرة، فقالوا: نفسد سبتنا ونحدث فيه ما أحدث من كان قبلنا فأصابهم ما قد علمت من الـمسخ؟! فقال: ما بات رجل منكم ليلة واحدة منذ ولد حازما. وأسلم تلك الليلة ثعلبة وأسيد ابنا سعية وأسيد بن عبيد من بني هدل([10]) بني عم قريظة.
فلما أصبح بنو قريظة قبلوا بالنزول على حكم رسول الله ﷺ، فتواثب الأوس إلى رسول الله فقالوا: يا رسول الله، إنهم موالينا دون الخزرج، وقد فعلت قريش في موالي إخواننا بالأمس ما علمت([11])، فقال النبي ﷺ: «ألا ترضون أن يحكم فيهم رجل منكم؟» قالوا: بلى، قال: «فذلك إلى سعد بن معاذ»، فلما حكمه ﷺ في بني قريظة أتاه قومه وحملوه على حمار وطؤوا له بوسادة من أدم – وكان رجلا جسيما – ثم أقبلوا به إلى النبي ﷺ وأحاطوا به في طريقهم يقولون: يا أبا عمرو، أحسن في مواليك، فإنما ولاك رسول الله ذلك لتحسن إليهم، فقال لهم: قد ءان لسعد أن لا تأخذه في الله لومة لائم.
ولما أطل سعد على النبي ﷺ قال ﷺ للأنصار: «قوموا إلى سيدكم»، فقام المسلمون وقالوا: يا أبا عمرو، إن رسول الله ﷺ قد ولاك أمر مواليك لتحكم فيهم، فقال سعد: عليكم بذلك عهد الله وميثاقه أن الحكم فيهم ما حكمت؟ قالوا: نعم، ثم قال للناحية التي فيها أناس من ناحية رسول الله: وعلى من ههنا مثل ذلك؟ فأجابه ﷺ ومن معه: «نعم»، فقال سعد: فإني أحكم فيهم أن يقتل الرجال وتسبى الذراري والنساء وتقسم الأموال، فقال له رسول الله ﷺ: «لقد حكمت فيهم بحكم الله([12])».
فأمر رسول الله ﷺ ببني قريظة فأخرجوا إلى سوق المدينة ثم خندق بها خنادق وأمر ﷺ بمن أمر منهم فضربت أعناقهم في تلك الخنادق – وهم بين الستمائة إلى السبعمائة – وقتل يومئذ حيي بن أخطب وكعب بن أسد، وقتل من نسائهم بنانة امرأة الحكم القرظي([13]) التي طرحت الرحى من حصن الزبير بن باطا([14]) على نفر من الـمسلمين الذين كانوا يستظلون في فيئه فشدخت رأس خلاد بن سويد فقتلته.
ولما انقضى شأن بني قريظة انفجر جرح سعد بن معاذ رضي الله عنه فمات، فقال ﷺ: «اهتز العرش لموت سعد بن معاذ»([15]).
وغنم المسلمون غنائم كثيرة في تلك الغزوة، فقسمها رسول الله ﷺ وبعث سعد بن زيد الأنصاري بسبايا من بني قريظة إلى نجد فابتاع بها خيلا وسلاحا، واصطفى النبي ﷺ لنفسه من نسائهم ريحانة بنت زيد وبقيت في ملكه حتى مات عنها، وكانت قد توقفت في الإسلام في بادئ الأمر فوجد ﷺ في نفسه من ذلك وعزلها، فبينا هو مع صحبه إذ سمع صوت نعلين خلفه فقال ﷺ: «إن هذا لثعلبة يبشروني بإسلام ريحانة» فكان كما قال فسر به ﷺ([16]).
واستشهد من الـمسلمين في هذه الغزوة اثنان هما خلاد بن سويد – وقد سبق خبره – وأبو سنان بن محصن الأسدي أخو عكاشة.
([1]) الإشارة إلى سيرة الـمصطفى، علاء الدين مغلطاي، (ص261).
([3]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/244).
([4]) واسمه رفاعة بن عبد الـمنذر الأنصاري الأوسي، غلبت عليه كنيته.
([5]) أي: مما يدل على كمال توبتي ورجوعي إلى طاعة الله أن أتصدق، أما الصدقة النافلة نفسها فليست شرطا ولا ركنا من أركان التوبة الواجبة من الذنب.
([6]) أي: ابتغاء لرضى الله ورضى رسوله.
([9]) السيف الـمصلت هو الـمجرد من غمده.
([11]) يعنون بني قينقاع حيث وهبهم لعبد الله بن أبي لما سأله فيهم.
([12]) أي: بالحكم الذي رضيه الله تعالى، وفي رواية: «حكمت بحكم الله من فوق سبعة أرقعة» أي: سماوات، يعني: لقد حكمت بما هو ثابت في اللوح الـمحفوظ فوق سبع سماوات أن الأمر يكون كذا، وليس معناه أن الله يسكن فوق السماوات، حاشا لله، فالله تعالى لا يسكن السماوات ولا فوقها ولا تحتها، فهو لا يحتاج إلى شيء من مخلوقاته ولا يجوز عليه التغير، كان عز وجل قبل خلق الأماكن والجهات بلا مكان ولا جهة، ولم يزل بعد خلقه لها كما كان أزلا لم يتحيز في مكان ولا في كل الأمكنة ولم يتقيد بزمان ولم يطرأ عليه تغير في ذاته وصفاته، سبحانه لا يشبه خلقه.
([13]) عيون الأثر، ابن سيد الناس، (2/111).
([14]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/251).
([15]) قال شيخنا الحافظ الهرري رضي الله عنه: «يجوز أن يحمل هذا على ظاهره فيكون العرش قد اهتز حقيقة فرحا وطربا بقدوم روح سعد رضي الله عنه إلى الجنة لأنه كان شهيدا وليا وإن كان الغالب على العرش أنه ساكن ثابت لا يتحرك، وحركته في تلك الـمرة كانت بمشيئة الله تعالى، وفي هذا دليل للمسلمين على أن الله تعالى لا يجلس على العرش، لأن العرش مخلوق وحركته هذه تغير، والـمتغير لا يكون أزليا، والله تعالى أزلي أبدي فليس الله فوق العرش ولا غيره من الأماكن وإلا لكان متغيرا كالمكان، تعالى الله عن ذلك علوا كبيرا. وقد أول بعض العلماء «اهتز العرش» بفرح ملائكة العرش فرحا عظيما بقدوم روح سعد لا باهتزاز العرش حقيقة».
ومما جاء في شأن سعد أن صاحب دومة الجندل بعث إلى رسول الله ﷺ ببغلة وجبة من سندس جعل الصحابة يعجبون من حسن الجبة، فقال ﷺ: «الـمناديل سعد بن معاد في الجنة أحسن منها»، وهذه إشارة إلى عظيم منزلة سعد في الجنة وأن أدنى ثيابه فيها خير من هذه، قاله الحافظ النووي رحمه الله.