الأربعاء مارس 4, 2026

     الزهـد

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه أوصيكم بأن تكونوا قدوة لغيركم بترك التنعم. معاذ بن جبل رضى الله عنه لما وجهه رسول الله ﷺ إلى اليمن قال له «إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين». التنعم عقبة فى طريق طالب الآخرة.

     وقال رضى الله عنه تعودوا تقليل التنعم فإن فيه خير الدين والدنيا.

     وقال رضى الله عنه ازهد فى الدنيا وأقبل على أعمال الآخرة.

     وقال رضى الله عنه لا تركنوا إلى التنعم والرفاهية فالسلف الصالح إنما نشروا الدين بتركهم التنعم، لو لم يكونوا كذلك لما انتشر الإسلام.

     وقال رضى الله عنه كم من علماء فسقوا بسبب طلب الرفاهية وعدم الرضى بالقناعة باليسير من الرزق الذى ليس فيه رفاهية، ما قنعت أنفسهم حتى امتدت أيديهم إلى الحرام.

     وقال رضى الله عنه أوصيكم أن تكونوا قدوة لغيركم بترك التنعم، التنعم عقبة فى طريق طالب الآخرة.

     وقال رضى الله عنه ترك التنعم يساعد على الاستعداد للآخرة، التنعم يمنع عن كمال الاستعداد للآخرة، يأخذ وقتا لو صرفه بترك التنعم للآخرة لكان له درجة عالية.

     وقال رضى الله عنه إذا إنسان رأى من هو أغنى منه من هو أكثر منه مالا أو أقوى منه صحة لا ينظر إلى هذا، بل ينظر إلى من هو دونه إلى من هو أسفل منه حتى لا يزدرى نعمة الله التى أنعم الله بها عليه، حتى لا يحتقرها فبذلك يكون شاكرا له تعالى، أما إذا علق قلبه بما عند الناس، من كثرة المال، ممن هم فوقه فى المال أو فى الصحة فى صحة الجسم والقوة ينسى بعض الشكر.

     وقال رضى الله عنه مما يعين على سلامة الدين الرضا بالقليل من الرزق ومن لا يرضى بالقليل من الرزق يقع فى المهالك، إما أن يأكل الحرام وإما أن يبخل عن دفع ما هو واجب.

     وقال رضى الله عنه من قنع بالقليل من الرزق الحلال فهذا يدعوه إلى الادخار إلى ءاخرته بتقديم مبرات وصدقات وتكثير الأعمال الصالحة.

     وقال رضى الله عنه أوصيكم بترك التنعم وعليكم بالاقتصاد فى النفقة، ورد حديث عن رسول الله ﷺ «الاقتصاد فى النفقة نصف المعيشة» رواه السيوطى. وترك التنعم يساعد على تجنب الحرام عند قلة المال.

     وقال ترك التنعم انطلاق إلى الخيرات والمعالى والمكارم، السلف الصالح بهذا وصلوا إلى ما وصلوا إليه وإلا لكانوا مثلنا متأخرين.

     وقال رضى الله عنه عليكم بالقناعة بالقليل من الرزق فإن القناعة باليسير من الرزق سلامة الدين والدنيا وعليكم بإكثار ذكر الموت فإنه يساعد على القناعة باليسير من الرزق والاستعداد للآخرة وإيثار الآخرة على الدنيا.

     وقال رضى الله عنه قال الإمام الرفاعى رضى الله عنه «الزهد أول قدم القاصدين إلى الله». لا يكون المرء وليا إلا بزهد، والزهد هو قطع النفس عن اتباع المستلذات والمستحسنات.

     وقال رضى الله عنه حب المال فتنة كبيرة، كثير من الناس كفروا لأجل المال، كفروا بالله لأجل المال، وبعض الناس حب الجاه، لحب الجاه كفروا، للرئاسة لرئاسة الناس، وبعض الناس لأجل النساء كفروا، هذا الملك الذى قتل يحيى بن زكريا عليهما السلام قتل يحيى لإرضاء امرأة تعلق قلبه بها.

     وقال رضى الله عنه سليمان عليه السلام لا يتنعم وهكذا كل الأنبياء، كان يطعم الناس لب القمح الصافى، كل يوم يطعم مائة ألف شخص وأحيانا ستين ألفا، وكان يذبح كل يوم مائة ألف شاة أما هو لنفسه يأكل اللبن الحامض. التنعم جائز لكن أهل الله يترفعون عنه، الذى يترك التنعم يواسى غيره، إذا رأى فقيرا يواسى غيره. أما الذى يتنعم يخشى إن تصدق أن يذهب عليه تنعمه لذلك الأنبياء لا يتنعمون حتى لا يقتدى بهم أممهم فى ذلك، هذا احفظوه وأفيدوه غيركم.

     وقال عليكم بالقناعة بالقليل من الرزق، فمن لم يقنع بالقليل من الرزق فإنه يهلك. كثير من الناس سبب دخولهم السجون ومكابدة العقوبات عدم القناعة بالقليل من الرزق. والذى يساعد على القناعة بالقليل من الرزق ترك الترفه. من لازم الترفه فتغير عليه الحال يحاول أن لا يزول عنه ذلك الترفه فيتعاطى المال الحرام، كثير من القضاة يأكلون الرشا يأكلون مال الأيتام لأنهم لم يقنعوا بالقليل، نفوسهم طامحة إلى الرفاهية.

     وقال رضى الله عنه لا يجتمع كمال الإيمان والتنعم، المسلم لما يصير كامل الإيمان يبتعد من التنعم إلا إذا كان مريضا يتداوى بالتنعم بقدر الحاجة بقدر العلاج يتداوى يتنعم، قال الرسول ﷺ «إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين».

     وقال رضى الله عنه قال الله تعالى ﴿ثم لتسألن يومئذ عن النعيم [سورة التكاثر].

     وورد فى الحديث أنه يقال للعبد يوم القيامة ألم أصح جسمك وأروك من الماء البارد.

     فإذا كان هذا مما يسأل عنه فكيف ما زاد على ذلك. حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسبوا وإياكم وتعود التنعم فإن من تعود التنعم فاته خير كثير لآخرته. التنعم بالحلال ليس حراما إذا لم تكن هناك ضرورات، لكن إذا كانت هناك ضرورات لا تسد إلا بترك التنعم كان التنعم محظورا. والضرورات ليس الجوع والعرى وفقد المأوى فقط، بل من أهم الضرورات تعليم عقائد أهل السنة والذب عنها ومكافحة مخالفيها بالتعليم والبيان وهذا يحتاج إلى عمل بالمال والبدن. الذى لا يستطيع القيام بهذا الفرض بماله عليه أن يقوم بعمل بدنه، والذى يستطيع أن يقوم بذلك بماله وجب عليه أن يقوم بذلك بماله وبدنه. فلو ترك جماعتنا التنعم لاستطاعوا أن يقوموا بعمل عظيم لدينهم، لكن كثيرا منهم تعودوا التنعم، فحال التنعم بينهم وبين كمال أداء الواجبات وقد أوصى رسول الله ﷺ معاذ بن جبل قال عليه السلام «إياك والتنعم فإن عباد الله ليسوا بالمتنعمين».

     العاقل حق العاقل لا يختار ما يفنى على ما يبقى، فما يقدمه المرء لآخرته هو الباقى وأما ما يصرفه للتنعم فإنما مآله يعود إلى ما يخرج من الإنسان من القذر، وما يلبسه نهايته بعد البلى إلى المزابل ونحوها فآثروا ما يبقى على ما يفنى. ينظر إلى ما يوافق الاستمرار على هذا السير. سد الضرورات ليس الآن فقط لأن بعض أمور الدين أمر حالى وبعض للحال والمستقبل، والنظر الصحيح يكون بالنظر لمصلحة الحال ومصلحة المستقبل. ومن أشد الغفلة عن الآخرة عدد كثير من جماعتنا يصرفون للسيجارة ما لو صرفوه للضرورات الدينية ما يكفى لنفقات مائة داع وغير ذلك، فما أعظم هذه الخسارة. نحن فى الجمعية كالذين فى المعركة، من فر من المعركة يعد فارا من الزحف.

     وقال رضى الله عنه الذى يكون همه الأكل والشرب واللباس لا يكون فى الآخرة من أهل الدرجات العلى. ويدخل فى العمل بالعلم ترك التعلق بالمستلذات.

     وقال رضى الله عنه ثبت حديث «لا يبلغ العبد حقيقة التقوى حتى يذر ما ليس فيه بأس حذرا مما فيه بأس» واشتهر عن عيسى عليه السلام أن أكله الشجر ولباسه الشعر، وكان دأبه ودأب غيره من الأنبياء التقشف.

     وقال رضى الله عنه الشيخ مصطفى نجا كان زاهدا وليا، كان لا يأكل الراتب الذى تعطيه الدولة يوزعه على الفقراء وكان له دكان صغير يتقوت منه. الحاكم الإفرنجى جاءه بصرة من ذهب فقال له نحن مستغنون، لا حاجة لنا به، ما أخذه. الشيخ مصطفى نجا كان مفتيا لبيروت.

     وقال رضى الله عنه ورد فى الحديث «ما قل وكفى خير مما كثر وألهى» رواه ابن حبان. معناه الرزق القليل الحلال الذى يكفى الشخص خير من الكثير الذى يلهى عن طاعة الله.

     وقال رضى الله عنه ورد فى الحديث القدسى «يا دنيا من خدمنى فاخدميه ومن خدمك أتعبيه» معناه الله يسر الرزق لمن اتقى الله واشتغل بطاعته، ومعنى خدمنى أطاعنى.

     وقال رضى الله عنه الذى لا يقلل من التنعم يقع فى الحرام أو يقع فى الغفلة، لا بد أن يقع فى أحد الأمرين.

     وقال رضى الله عنه لبعض النساء عليكن بترك التنعم، أنبياء الله ما كانوا يتنعمون مع مقدرتهم، النبى الله تعالى عرض عليه أن يقلب له بطحاء مكة ذهبا، كان يأكل الخبز والخل، يمضى زمانا على التمر والماء، وسليمان كان عنده من سعة الرزق أنه كان يذبح كل يوم مائة ألف شاة وثلاثين ألف بقرة ليطعم خلق الله، أما عن نفسه  كان يأكل خبز الشعير ويطعم الناس القمح الصافى.

     وعليكن بتقليل الكلام وترك الغضب وترك التنعم والقناعة بالقليل من الرزق.

     وقال رضى الله عنه الرسول حث أمته على أن يثبتوا فى المدينة، يصبروا على حرها وبردها. هذا حال الأنبياء، ترك الرفاهية، الذى يذم ترك الرفاهية كذب الأنبياء لأن ترك الترفه يساعد على الاستعداد للآخرة ويقوى القلب للعطف على الفقراء ويساعد على الصبر بالرزق القليل حتى لا تمتد يده إلى المال الحرام. كثير من الناس من مشايخ وغيرهم ضلوا لأنهم لا يرضون بترك الرفاهية. هذا يكون قاضيا يمد يده إلى أموال الأيتام وأموال الوقف بغير حق لأن نفسه التزمت الرفاهية، تعودت الرفاهية، لذلك يأكلون الحرام ويأكلون أموال الأيتام، هذا إرث الأيتام.

     وقال رضى الله عنه حب المال يوصل إلى مهالك. حب المال كثر فى الناس. والمال لماذا يحبه الناس، للرفاهية، للتوسع فى الملبس والمأكل والمشرب والمسكن ونحو ذلك.

     الترفه ليس حراما إن كان من الحلال لكن تركه أحسن. لو أكل مائة صنف واتخذ مائة صنف من الثياب ليس حراما لكن تركه أحسن. إذا لم يكن للكبر ليس حراما.

     فى التواريخ يذكر أن المأمون كان يحضر على مائدته ثلاثمائة صنف من الطعام. هذا إذا كان من المال الحلال ليس للفخر ليس حراما لكن تركه خير.

     الثوب الجميل إذا كان بنية الفخر معصية كبيرة، والبيت أيضا الذى يبنى بناء فخما حتى يقال ما أجمل بيت فلان ذنبه كبير. الله تعالى لا يحب الفخر فى الثياب وفى الأثاث وفى المسكن وما أشبه ذلك. الذى يعمل للفخر يلبس الثوب الجميل ويتخذ أثاثا جميلا فاخرا للفخر ذنبه كبير، حتى إذا كان لبس ثوبا فاخرا ليراه الناس ويقولوا ما أجمل ثوب فلان معصية كبيرة. كذلك الذى يتكبر فى مشيته يمشى مشية المتكبر هذا أيضا ذنبه كبير.