(ثم) بعد غزوة ذات الرقاع (بدر الموعد) أي غزوتها في السنة الرابعة من الهجرة، وتسمى غزوة بدر الآخرة وذلك لموعد أبي سفيان، حيث قال حين منصرفه من أحد:
«موعد ما بيننا وبينكم بدر» وفي رواية: «بدر الصفراء([1]) رأس الحول» يعني موسمها، فقال رسول الله ﷺ لعمر بن الخطاب رضي الله عنه: «قل نعم إن شاء الله» فافترق الناس على ذلك ورجعت قريش وأخبروا من وراءهم بذلك. وتسمى أيضا غزوة بدر الصغرى لعدم وقوع قتال فيها فكانت صغرى بالنسبة للكبرى لجهة القتال.
ولما دنا الموعد كره أبو سفيان الخروج إلى النبي ﷺ وأصحابه، لكن جعل يظهر أنه يريد غزو رسول الله ﷺ في جمع كثيف ليبلغ أمره أهل المدينة فيهابوه. فقدم نعيم([2]) ابن مسعود الأشجعي مكة([3]) وأخبر أبا سفيان وقريشا بتهيؤ المسلمين لحربهم – والعام عام قحط – فذكر له أبو سفيان أنه كاره للخروج معتلا بجدب الأرض([4])، ثم جعل لنعيم عشرين بعيرا – ضمنها له سهيل بن عمرو – على أن يخذل المسلمين عن المسير لموعده، وحمله أبو سفيان على بعير فقدم المدينة يخبر المسلمين عن كثرة جموع أبي سفيان مرجفا([5]) فلم يبق عند كثير منهم نية في الخروج، فاستبشر المنافقون واليهود وقالوا: محمد لا يفلت من هذا الجمع، فجاء النبي ﷺ أبو بكر وعمر رضي الله عنهما وقالا: يا رسول الله، إن الله مظهر نبيه ومعز دينه، وقد وعدنا القوم موعدا لا نحب أن نتخلف عنه فيرون أن هذا جبن، فسر لموعدهم، فوالله إن في ذلك لخيرة، فسر النبي ﷺ بذلك وقال: «والذي نفسي بيده([6]) وإن لم يخرج معي أحد»، فأذهب الله عن المسلمين ما كان بهم وثبت قلوبهم، فحمل علي رضي الله عنه لواء رسول الله ﷺ، واستخلف ﷺ على المدينة عبد الله بن رواحة([7]) أو عبد الله بن عبد الله([8]) بن أبي ابن([9]) سلول.
وخرج رسول الله ﷺ في ألف وخمسمائة فيهم عدة أفراس منها فرس لرسول الله ﷺ وءاخر لأبي بكر وءاخر لعمر رضي الله عنهما، وقد اختلف في وقت خروجه ﷺ على أقوال ويجمع بينها بأن يكون ﷺ قد عزم على الخروج في شعبان من السنة الرابعة وأمر أصحابه بالتهيؤ ولم يخرج إلا في أواخر شوال ووصلوها هلال ذي القعدة.
ولما لم يكن عند أبي سفيان رغبة في الخروج قال لقريش: قد بعثنا نعيم بن مسعود ليخذل أصحاب محمد عن الخروج، فنخرج نحن فنسير ليلة أو ليلتين ثم نرجع، فإن كان محمد لم يخرج بلغه أنا خرجنا فرجعنا لأنه لم يخرج فيكون هذا لنا عليه، وإن كان خرج أظهرنا أن هذا عام جدب ولا يصلحنا إلا عام عشب، قالوا: نعم ما رأيت، فخرجوا وهم ألفان ومعهم خمسون فرسا حتى انتهوا إلى مجنة([10]) فقال لهم: ارجعوا لا يصلحنا إلا عام خصب غيداق([11]) نرعى فيه الشجر ونشرب فيه اللبن، وإن عامكم هذا عام جدب، وإني راجع فارجعوا فسمى مشركو مكة ذلك الجيش «جيش السويق»، ويقولون: خرجتم تشربون السويق([12]).
وانطلق معبد بن أبي معبد الخزاعي بعد انقضاء موسم بدر إلى مكة فأخبر أبا سفيان بكرة المسلمين وأنهم أهل ذلك الموسم، وهم ألفان، وأخبره بما قاله رسول الله ﷺ لمخشي الضمري، فقال صفوان بن أمية لأبي سفيان: قد والله نهيتك يومئذ أن تعد القوم، وقد اجترؤوا علينا ورأوا أنا قد أخلفناهم، وإنما خلفنا الضعف عنهم، ثم أخذت قريش في الكيد وجمع الأموال إعدادا لقتال رسول الله ﷺ، فاستجلبوا من حولهم من العرب وجمعوا الأموال ولم يقبلوا من أحد أقل من أوقية يتهيؤون لغزو الخندق.
وجاء مخشي بن عمرو الضمري([13]) فقال: يا محمد، لقد أخبرنا أنه لم يبق منكم أحد، فما أعلمكم إلا أهل الموسم، أجئت للقاء قريش على هذا الماء؟ فقال رسول الله ﷺ: «نعم يا أخي بني ضمرة، وإن شئت مع ذلك رددنا ما كان بيننا وبينك ثم جالدناك([14]) حتى يحكم الله بيننا وبينك»، فقال: لا والله ما لنا بذلك من حاجة بل نكف أيدينا عنكم ونتمسك بحلفك.
وأقام رسول الله ﷺ والمسلمون في بدر من قيام السوق صبيحة هلال ذي القعدة ومكثوا ثمانية أيام والسوق قائمة، واتجر المسلمون فربحت تجاراتهم ربحا كثيرا حتى قال عثمان بن عفان رضي الله عنه: «ربحت للدينار دينارا»، وأنزل الله عز وجل في ذلك: {فانقلبوا([15]) بنعمة من الله وفضل لم يمسسهم سوء} [آل عمران:174]، قال السدي: «النعمة العافية والفضل التجارة والسوء القتل»([16])، ولم يلق المسلمون عدوا في الموسم فرجعوا مع رسول الله ﷺ إلى المدينة سالـمين غانمين.
([1]) هو مجمع للعرب في سوق يقام لهلال ذي القعدة إلى ثمان منه، فإذا مضت ثمان ليال تفرق الناس إلى بلادهم.
([3]) وقد أسلم بعد ذلك يوم الخندق.
([6]) أي: أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.
([7]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/196).
([8]) هو عبد الله ابن سيد المنافقين في المدينة وقد مر ذكر خبره، وكان اسم عبد الله هذا الحباب فغيره النبي ﷺ إلى عبد الله، وقد شهد رضي الله عنه المشاهد كلها مع النبي ﷺ وحارب أهل الردة من بعد وفاته ﷺ حتى قتل يوم اليمامة رضي الله عنه.
([9]) نعت لـ«عبد الله» الثاني، وسلول اسم أمه، وقيل غير ذلك.
([10]) أي: مطر غيداق وهو الواسع الكثير.
([11]) موضع بمر الظهران قرب جبل يقال له الأصفر، قاله في «معجم البلدان» (5/58).
([12]) وهذه غير غزوة السويق التي سبقت. والسويق قمح أو شعير يقلى ثم يطحن ويتزود به ملتوتا أي مبلولا بماء أو عسل أو سمن أو وحده.
([13]) وهو الذي صالح مع بني ضمرة رسول الله ﷺ في غزوة ودان على أن لا يغزوه ولا يكثروا عليه جمعا ولا يعينوا عليه عدوا.