ومما يفترى على سيدنا سليمان عليه السلام أنه سلب ملكه منه ثم عاد إليه بطريقة شيطانية غريبة عجيبة، وقد اتفقت كلمة المسلمين على أن الشيطان ليس له على أنبياء الله تعالى سلطان، فلا يستطيع أن يتسلط على عقولهم، ولا أن يتشكل بصورهم، ولا أن يدخل أجسادهم، وإلا لم يبق لأنبياء الله ثقة، والله حكيم لا يفعل ذلك.
وقد ورد في بعض كتب التفسير قصة مكذوبة، وهي ذهاب ملك سيدنا سليمان عليه السلام بسبب جني لبس خاتم سليمان بعدما تشكل بصورته، فحكم مدة، ثم بين الله كذبه.
يقول الله تبارك وتعالى: {ولما جاءهم رسول من عند اللـه مصدق لما معهم نبذ فريق من الذين أوتوا الكتاب كتاب اللـه وراء ظهورهم كأنهم لا يعلمون (١٠١) واتبعوا ما تتلو الشياطين علىٰ ملك سليمان وما كفر سليمان} الآية [البقرة: 101، 102].
ينسب إلى جلال الدين السيوطي – في تفسير الجلالين الذي فيه ما فيه من الدسائس التي نحسبها مفتراة على صاحبي الكتاب وهما السيوطي وجلال الدين المحلي لأنهما شيخان جليلان يعلمان ما يليق بالأنبياء وما يستحيل في حقهم – أنه قال في تفسير قول الله سبحانه وتعالى الذي سبق ما نصه: «{واتبعوا} عطف على نبذ {ما تتلوا}، أي: تلت {الشياطين على} عهد {ملك سليمان} من السحر وكانت دفنته تحت كرسيه لـما نزع ملكه»([1]).اهـ. والحق أنه لم ينزع ملك سيدنا سليمان عليه السلام ولا لحظة قط.
قال الله تعالى: {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} [ص: 34]، قال أبو حيان في تفسير هذه الآية: «نقل المفسرون – أي: كثيرون – في هذه الفتنة وإلقاء الجسد أقوالا يجب براءة الأنبياء منها، يوقف عليها في كتبهم، وهي مما لا يحل نقلها، وهي من أوضاع اليهود والزنادقة، ولم يبين الله الفتنة ما هي، ولا الجسد الذي ألقاه على كرسي سليمان. وأقرب ما قيل فيه: إن المراد بالفتنة كونه لم يستثن في الحديث الذي قال: «قال سليمان بن داود عليهما السلام لأطوفن الليلة على مائة امرأة، – أو تسع وتسعين – كلهن يأتي بفارس يجاهد في سبيل الله، فقال له صاحبه: إن شاء الله، فلم يقل: إن شاء الله، فلم يحمل منهن إلا امرأة واحدة جاءت بشق رجل». ثم قال نبينا ﷺ: «والذي نفسي بيده لو قال إن شاء الله لجاهدوا في سبيل الله فرسانا أجمعون»([2]). فالمراد بقول الله تعالى: ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا} [ص: 34] هو هذا، والجسد الملقى هو المولود شق رجل. وقال قوم: مرض سليمان مرضا كالإغماء حتى صار على كرسيه جسدا كأنه بلا روح. ولـما أمر تعالى نبيه عليه السلام بالصبر على ما يقول كفار قريش وغيرهم، أمره بأن يذكر من ابتلي فصبر، فذكر قصة داود وقصة سليمان وقصة أيوب ليتأسى بهم، وذكر ما لهم عنده من الزلفى والمكانة، فلم يكن ليذكر من يتأسى به ممن نسب المفسرون إليه ما يعظم أن يتفوه به ويستحيل عقلا وجود بعض ما ذكروه، كتمثل الشيطان بصورة نبي، حتى يلتبس أمره عند الناس، ويعتقدون أن ذلك المتصور هو النبي، ولو أمكن وجود هذا لم يوثق بإرسال نبي، وإنما هذه مقالة مسترقة من زنادقة السوفسطائية([3])، نسأل الله سلامة أذهاننا وعقولنا منها»([4]).اهـ.
وسبقه في تحرير هذه المسألة القاضي عياض حيث قال ما نصه: «ولا يصح ما نقله الأخباريون من تشبه الشيطان به – أي: سليمان – وتسلطه على ملكه، وتصرفه في أمته بالجور في حكمه لأن الشياطين لا يسلطون على مثل هذا، وقد عصم الأنبياء من مثله»([5]).اهـ.
وينسب إلى المحلي قوله في تفسير سورة (ص) ما نصه: «في قول الله سبحانه وتعالى: {ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب} [ص: 34]، { ولقد فتنا سليمان} ابتليناه بسلب ملكه وذلك لتزوجه بامرأة هواها، وكانت تعبد الصنم في داره من غير علمه، وكان ملكه في خاتمه فنـزعه مرة عند إرادة الخلاء، ووضعه عند امرأته المسماة بالأمينة على عادته، فجاءها جني في صورة سليمان فأخذه منها. {وألقينا على كرسيه جسدا} هو ذلك الجني وهو صخر أو غيره، جلس على كرسي سليمان عليه السلام، وعكفت عليه الطير وغيرها، فخرج سليمان في غير هيئته فرآه على كرسيه وقال للناس: أنا سليمان، فأنكروه {ثم أناب} رجع سليمان إلى ملكه بعد أيام بأن وصل إلى الخاتم فلبسه وجلس على كرسيه»([6]).اهـ.
ونعقب على هذا فنقول: قصة ذهاب ملك سليمان عليه السلام موضوعة مردودة، وذلك لـما فيها من تجويز رفع الثقة عن الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين، ولهذا كانت هذه القصة من أشد أنواع الدخيل ضررا وأعظمها خطرا، لأنه يتوصل بها إلى الطعن في ما جاء عن الأنبياء.
[1])) تفسير الجلالين، السيوطي والمحلي، (1/110).
[2])) صحيح البخاري، البخاري، كتاب الجهاد والسير، باب: من طلب الولد للجهاد، (4/27)، رقم 2819.
[3])) السوفسطائية طائفة ينفون العلم وينفون حقائق الأشياء كلها ويقولون: ما نراه هو تخيلات، وقد كفرهم المسلمون لأنهم عدوهم مخالفين لما قد علموه بالضرورة.
[4])) البحر المحيط، أبو حيان الأندلسي، (7/381).
[5])) الشفا، القاضي عياض (2/148).
[6])) تفسير الجلالين، السيوطي والمحلي، (9/15).