الخميس فبراير 19, 2026

الرد على بعض الجاهلين المتعالمين القائلين إن سبَّ النبي أو سبّ الله لا يكون كفرًا إذا صدر في حال الغضب

اعلم أن سبّ النبي صلى الله عليه وسلم وانتقاصه كفر ويكون صاحبه كافرًا خارجًا من دين الإسلام بالإجماع، ويقتل بعد استتابته أي الطلب منه الرجوع عن ذلك والدخول في دين الإسلام بالشهادتين إن لم يتب، فإن تاب ودخل في الإسلام فلا يقتل عند بعض العلماء ويقتل عند ءاخرين.

وحكم مَن ينكر كون سبّ النبي كفرًا أو يشكّ في ذلك أنه يكفر، قالَ الله تعالى ﴿ مَنْ كَانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلاَئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّهَ عَدُوٌّ لِلْكَافِرِينَ *﴾ [سورة البقرة] وقال الله تعالى ﴿ وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ لَيَقُولُنَّ إِنَّمَا كُنَّا نَخُوضُ وَنَلْعَبُ قُلْ أَبِاللَّهِ وَآيَاتِهِ وَرَسُولِهِ كُنْتُمْ تَسْتَهْزِئُونَ *لاَ تَعْتَذِرُوا قَدْ كَفَرْتُمْ بَعْدَ إِيمَانِكُمْ إِنْ نَعْفُ عَنْ طَائِفَةٍ مِنْكُمْ نُعَذِّبْ طَائِفَةً بِأَنَّهُمْ كَانُوا مُجْرِمِينَ *﴾ [سورة التوبة].
روى أبو داود في سننه وغيرُه [(898)] عن عكرمة قال ثنا ابن عباس أن أعمى كانت له أم ولد تشتم النبي صلى الله عليه وسلم وتقع فيه فينهاها فلا تنتهي ويزجرها فلا تنزجر، قال فلما كانت ذات ليلةٍ جعلت تقع في النبي صلى الله عليه وسلم وتشتمه فأخذ المِغْوَل [(899)] فوضعه في بطنها واتكأ عليها فقتلها فوقع بين رجليها طفل فلطخت ما هناك بالدم فلما أصبح ذُكر ذلك للنبي صلى الله عليه وسلم، فجمع الناس فقال «أنشد الله رجلًا فعل ما فعل لي عليه حق إلا قام»، قال فقام الأعمى يتخطى الناس وهو يتزلزل حتى قعد بين يدي النبي صلى الله عليه وسلم فقال يا رسول الله أنا صاحبها كانت تشتمك وتقع فيك فأنهاها فلا تنتهي وأزجرها فلا تنزجر، ولي منها ابنان مثل اللؤلؤتين، وكانت بي رفيقة، فلما كان البارحة جعلت تشتمك وتقع فيك فأخذت المِغْول فوضعته في بطنها واتكأت عليها حتى قتلتها فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ألا اشهدوا أن دمها هدَر» اهـ.
وفي «شرح روض الطالب» [(900)] لزكريا الأنصاري الشافعي في معرض ما يكفّر ما نصّه «أو كذّب نبيًّا في نبوّته أو غيرها، أو جحد ءاية من المصحف مجمعًا عليها أي على ثبوتها أو زاد فيه كلمة معتقدًا أنها منه، أو استخف بنبي بسبّ أو غيره» اهـ.

وفي كتاب «روضة الطالبين» للإمام النووي في كتاب «الردة» في ذكر أشياء من الكفريات ما نصه [(901)]: «قال المتولي: من اعتقد قدم العالم [(902)]- أي أزليتهأو حدوث الصانعأي اللهأو نفى ما هو ثابت للقديم بالإجماع ككونه عالمًا قادرًا أو أثبت ما هو منفي عنه بالإجماع كالألوان، أو أثبت له الاتصال والانفصال كان كافرًا، وكذا من جحد جواز بعثة الرسل أو أنكر نبوة نبيّ من الأنبياء صلوات الله وسلامه عليهم أو كذبه أو جحد ءايةً من القرءان مجمعًا عليها أو زاد في القرءان كلمةً واعتقد أنها منه أو سبَّ نبيًّا أو استخف به أو استحل محرمًا بالإجماع كالخمر والزنا واللواط» اهـ، ولا بد من أن تكون حرمته ظاهرة بين المسلمين من العلماء وغيرهم.

وفي «تبصرة الحكام في أصول الأقضية ومناهج الأحكام» [(903)] للقاضي برهان الدين إبراهيم بن فرحون المالكي ما نصّه: «فصل. وكذلك الحكم في سبّ الأنبياء عليهم السلام (أي أنه من الكفر) قال القاضي عياض: مَن سبَّ النبي صلى الله عليه وسلم أو عابه أو ألحق به نقصًا في نفسه أو نسبه أو دينه أو خصلةٍ من خصاله، أو عرَّض به أو شبّهه بشىء على طريق السبّ والازدراء عليه أو النقص لشأنه أو الغضّ منه والعيب له فهو سابّ، تلويحًا كان أو تصريحًا، وكذلك من لعنه أو دَعا عليه أو تمنَّى مضرّة له أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذمّ، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام أو بشىء مما جرى من البلاء والمحنة عليه، أو غمصه [(904)] بشىء من العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه، قُتِلَ. وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لَدُن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلمّ جرًّا» اهـ. وفي كتاب «الدرّ المختار على متن تنوير الأبصار» [(905)] في مذهب أبي حنيفة في باب حكم سابّ الأنبياء ما نصّه: «والكافر بسبّ نبي من الأنبياء فإنه يقتل حدًّا ولا تقبل توبته [(906)] مطلقًا، ولو سبّ الله تعالى قبلت لأنه حق الله تعالى، والأول حق عبد لا يزول بالتوبة، ومَن شك في عذابه وكفره كفر» اهـ. ومعنى قوله: «ولا تقبل توبته» أي لا يعفى من القتل وليس معناه أنه لم يصح إسلامه إن رجع، مرادهم أنه لا يسقط عنه القتل الذي يتسبب عن الردة مع الحكم عليه بأنه مسلم.

وفي «ردّ المحتار على الدرّ المختار» لابن عابدين [(907)] الحنفي ما نصّه: «قال ابن سحنون المالكي: أجمع المسلمون على أنَّ شاتمهأي شاتم النبيّ كافر وحكمه القتل ومَن شك في عذابه وكفره كفر» [(908)]. اهـ ثم قال أيضًا [(909)]: «أقول ورأيتُ في كتاب الخَرَاج لأبي يوسف ما نصّه: وأيّما رجل مسلم سبَّ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم أو كذّبه أو عابه أو تنقّصه فقد كفر بالله تعالى وبانت منه امرأته، فإن تاب وإلا قتل، وكذلك المرأة إلا أن أبا حنيفة قال لا تقتل المرأة وتجبر على الإسلام» اهـ.
قال ابن حجر الهيتمي الشافعي ما نصّه [(910)]: «ثم كفر المسلم أي قطعه للإسلام إمَّا أن يكون بنية بالقلب حالًا أو مآلًا وإن قصد الكفر وغيره على السواء». ثم قال: «كالتعرض لسبّ الله أو رسوله» اهـ.
ـ[898] رد المحتار على الدر المختار (3/ 290).

ـ[899] مجموعة رسائل ابن عابدين: الرسالة الخامسة (1/ 316).
ـ[900] رد المحتار على الدر المختار (3/ 291).
ـ[901] فتح الجواد بشرح الإرشاد (2/ 298).
ـ[902] الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 231).
ـ[903] هذا فيه رد على الشوكاني ومن تبعه حيث إنه صرح أن قصد المعنى باللفظ الكفري وشرح الصدر به ليس شرطًا كما ادعوا.
ـ[904] وفي قوله: «لا يعذر أحد في الكفر بالجهالة» رد على من لا يُكَفّر من نطق بكلمة الكفر وهو يعرف معناها جاهلاً بكونها كفرًا.
ـ[905] حاشية الدسوقي على الشرح الكبير (4/ 302).
ـ[906] السنن الكبرى للبيهقي (8/ 239)، التقرير والتحبير (3/ 327).
ـ[907] انظر فتاوى السبكي (2/ 19)، الشفا (2/ 217).
ـ[908] فتاوى السبكي للأذرعي (ص/194)، الإعلام بقواطع الإسلام (ص/382).
ـ[909] الشفا بتعريف حقوق المصطفى (2/ 217).
ـ[910] الزواجر عن اقتراف الكبائر (1/ 32).