الخميس يناير 29, 2026

الربا وأنواعه

     قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وخاتم النبيين وشفيع المذنبين يوم الدين من فرض الله علينا محبته وطاعته وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين.

     وبعد فإن الله تبارك وتعالى قال فى كتابه المبين ﴿وأحل الله البيع وحرم الربا [سورة البقرة] الله تبارك وتعالى أحل البيع إلا ما نهى عنه، فيما أوحى به إلى نبيه محمد، وإنما نص القرءان الكريم على ذكر الربا واقتصر عليه ولم يذكر غيره من أنواع البيع المحرمة لأن الربا أشد أنواع المال المحرم، فكل مال محرم إثمه دون إثم الربا.

     والربا فسره الرسول ﷺ بأن منه ما هو من طريق القرض وأن منه ما هو ليس من طريق القرض. فالأول هو الذى يشترط فيه المقرض جر منفعة لنفسه أو له وللمقترض.

     الربا كان حراما فى شرع موسى عليه السلام لكنه فى بدء البعثة النبوية المحمدية لم ينزل تحريمه عليهم لأن الأحكام كانت تنزل على النبى شيئا فشيئا، هذه الصلوات الخمس نزل فرضيتها على النبى وأمته وكان قبل ذلك مفروضا عليهم أن يصلوا فى الليل ثم نسخ ذلك ففرض عليهم الخمس.

     كذلك الخمر لم يكن محرما على أمة محمد إلا بعد الهجرة، أنزل الله تعالى تحريمها بعد الهجرة فى السنة الثالثة، وكذلك الربا فى شرع محمد لم يحرم إلا بعد الهجرة وكان أغلب الربا الذى يعمله الناس ربا القرض، وهو أن يشرط المقرض ما فيه جر منفعة لنفسه سواء كان بزيادة فى مقدار المال الذى أقرضه أو بمنفعة أخرى كأن يشترط عليه أن يسكنه بيته إلى أن يرد القرض مجانا أو بأجرة هى نصف أجرة المثل أو نحو ذلك، أو اشترط المقرض على المقترض أن لا يعامل غيره فى معاملاته بالبيع والشراء كان ذلك ربا. وهذا النوع من الربا يقال له ربا القرض. وهو أشد أنواع الربا، وهذا القرض الذى شرط فيه المقرض جر منفعة لنفسه فقط أو لنفسه وللمقترض اتفق على تحريمه علماء الأمصار أى كل إمام مجتهد من الأربعة وغيرهم.

     ولا يشترط فى حرمة ربا القرض أن يكون القدر الذى يشترطه المقرض من الزيادة عند رد القرض كثيرا بل القليل والكثير من الحرمة سواء، إن أردتم التوبة من معصية الربا فاقتصروا على رأس المال لا تطلبوا شيئا سوى رأس المال، من أقرض مائة وكان شرط عليه أنه إن تأخر عن هذا الموعد عن الشهر الأول إلى شهر ثان ينضاف عليه كذا كان ربا، ومنه ما يفعله الذين يبيعون السيارات فى هذا العصر أنهم يشترطون بعد تحديد الثمن أنه إن أخر قسطا من الأقساط يضاف عليه كذا فإن هذا من الربا المحرم المتفق على تحريمه، أما إذا لم يكن فيه هذا فليس ربا، إن لم يشرط هذا الشرط بل قال له بعتك هذه السيارة بثمن مبلغه كذا على أن تدفع العشر فى نهاية شهر كذا أو سنة كذا إلى ءاخر الأقساط، بين له الآجال حتى صارت معلومة ليس فيها جهالة ولم يذكر هذا الشرط، أى أنه إذا أخر بعض الأقساط يضاف عليه كذا لا يكون ربا لأنه ما شرط جر منفعة لنفسه أما أنه استفاد بطريق بيع التقسيط أى المؤجل على ثمن بيع النقد فهذا لا يجعله حراما.

     وأما ما ورد فى الحديث الصحيح أن الرسول نهى عن بيعتين فى بيعة فليس معناه أن يخير الرجل المشترى بين أن يشتريه بثمن نقد مبلغه كذا أو بثمن مؤجل أى مقسط مبلغه كذا ويزيد الثمن المقسط على الثمن النقد ضعفا أو أقل أو أكثر، فليس هذا الذى نهى عنه الرسول إنما بيعتان فى بيعة هو أن يقول بعتك هذا بألف نقدا أو بألفين تقسيطا على ستة أشهر ثم يأخذ هذا الغرض من غير أن يختار إحدى الطريقتين، هذا قال العلماء إنه بيعتان فى بيعة وهو محرم لأنهما لم يفترقا على شىء معلوم، لم يفترقا على ثمن نقد ولا ثمن تقسيط.

     ما أوضح له ما قال له أنا ءاخذ بثمن نقد بألف ولا قال له أنا ءاخذ بثمن التقسيط بألفين إنما ترك الأمر مجهولا كأن يقول له من غير أن يبين إحدى الطريقتين اللتين اختارهما أرسل لى هذا الغرض فيرسل له من غير أن يبين ما يختاره من إحدى الطريقتين فهذا الحرام الذى يقال له بيعتان فى بيعة.

     أما المنفعة التى يشترطها من غير زيادة فى الثمن إنما هى منفعة غير الزيادة فى قدر الثمن، هو كالذى يفعله بعض الناس يقرضه مبلغا من المال ثم يشترط عليه أن يسكنه داره مجانا أو بأجرة مخفضة يكون اشترط جر منفعة لنفسه أو يشترط عليه أن يترك عنده سيارته يستعملها مجانا إلى أن يرد له الثمن، هذا ربا متفق على تحريمه أيضا. أما إذا لم يحصل شرط إنما أقرضه بلا شرط ما قال له ترد لى بزيادة كذا ولا قال له تسكننى بيتك مجانا أو بأجرة أقل من أجرة المثل ولا قال له أقرضتك هذا بشرط أن تعطينى سيارتك لأنتفع بها إلى أن ترد لى ولا ما هو فى معنى ذلك بل أقرضه قرضا مطلقا من غير أن يشترط عليه جر منفعة لنفسه خاصة ثم هو أى المقترض رد له مع الزيادة فهذا يجوز إن أراد بذلك مكافأة المعروف بالمعروف لأن القرض حسنة من الحسنات إذا كان على وجه شرعى أى فيه ثواب وقد فعله الرسول ﷺ، اقترض من رجل بكرا من الإبل أى سنا صغيرا ورد رباعيا أى سنا أكبر منه وهذا شىء جائز.

     كذلك لو أقرضه ماله لينتفع به وغرضه من هذا القرض أن يبقى له هذا المال كما هو لأنه إن تركه عنده يخشى أن يصرفه فأقرضه لشخص وقصده أنه إن أقرضه صار محفوظا له وأما إن تركه عنده فإنه يصرفه فى أمور شتى هذا جائز بالإجماع لا أحد من الفقهاء حرمه.

     فليحذر المؤمن من جميع أنواع الربا ولا يستهن بشىء من الربا فإن عاقبة الربا وخيمة. وقد ظهر من أناس بعد وفاتهم وهم فى قبورهم ءاثار من العذاب عذاب القبر، كانوا معروفين بالربا فى ناحية من نواحى بلادنا، كان رجل يرابى معروفا بالمراباة ومع ذلك كان فيه تجبر على الناس حتى إنه كان مرة فى موكب وهو راكب بغلة فرأى امرأة أعجبته فأخذها قهرا وزوجها رجل مسكين ضعيف فأخذها منه قهرا، ثم مات هذا الرجل فصار يطلع من قبره الدخان، صار أهله يجمعون له المشايخ فقال لهم بعض المشايخ استسمحوا له الناس الذين كان يأخذ منهم المال بالقرض فصاروا يدورون على الناس ويقولون لهذا سامح فلانا ولهذا وكثير من الناس يقرأون له على القبر، ثم بعد سبعة أيام انقطع هذا الدخان من قبره.

     وما يستره الله أكثر إنما يظهر القليل من الكثير، الله تبارك وتعالى يخفى حال أكثر المرابين ولا سيما فى هذا العصر ما أكثر عددهم.