الدنُّيا ملعُونةٌ
قال رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ عليه وسلم: “الدُّنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلَا ذِكرَ الله وما والاه وعالِمًا ومُتعلِّمًا”.
الدُّنيا: أي هذه الحياةُ التي نحن فيها احذرها، فإنها ليِّنٌ ملمسُها قاتلٌ سُمُّها كالأفعى، هي خطرٌ على الإنسان وهي إذا هجرْتَها ولم تُعلِّق قلبَكَ بها هي التي تركضُ إليك.
وردَ في حديثٍ قُدسيّ أنَّ اللهَ قال: يا دُنيا مَنْ خدمَني فاخْدُميه (أي مَنْ عَبدَني وأطاعَني فاخْدُميه) ومَنْ خَدمكِ فأتْعِبيه. لذلك سيِّدُنا عليٌّ قال: ارْتَحلَتِ الدُّنيا وهي مُدبِرة (إلى الزَّوال) وارْتحَلِتِ الآخِرة وهي مُقبلة (آتية) فكونوا منْ أبناء ِالآخرة (الذين يعملونَ للآخرة) ولا تكونوا مِنْ أبناءِ الدُنيا (الذين تعلَّقَت قلوبُهم بالدُّنيا ونَسَوْا الآخرة) اليومَ العمل ولا حِساب وغدًا الحِسابُ (أي يومَ القيامة) ولا عَمل. في الآخرة لا يوجد أعمال تكليفيَّة، يوجد حساب، إمّا إلى الجنَّة وإمَّا إلى النَّار.
“الدُّنيا ملعونةٌ لا خيرَ فيها ملعونٌ ما فيها”: لكن النَّبيَّ اسْتثنى صلَّى الله عليه وسلَّم فقال “ملعونٌ ما فيها إلّا ذكرَ الله”، وهنا معنى “ذكر الله” أي طاعة الله، لأن الطاعة يقالُ لها ذكرٌ، وأحيانًا الذّكر يَرِدُ في القرآن أو الحديث ويُرادُ به الصّلاة وأحيانًا يُرادُ به الذِّكرُ اللسانيّ، هنا يُراد به الطاعة ويدخلُ فيها الصّلاة ويدخلُ فيها الذِّكر ُاللسانيّ، فالطاعة هي التي تبقى لك في الآخرة، أي ثوابها باقٍ.
الدُّنيا ملعونةٌ ملعونٌ ما فيها إلّا ذكرَ الله
قال صلّى الله عليه وسلّم “وما والاه”: أي كلُّ ما يعينُكَ على الطاعة، هذا معنى وما والاه.
طيب، أليس منَ الطاعة العِلم تَعلُّمًا وتَعليمًا؟ بلى. ومع ذلك النّبيُّ قال “وعالِمًا ومُتعلمًا” أفردَها لأهمّيَّةِ العِلم لأنَّ العِلمَ حياةُ الإسلام. لأنكَ بالعِلمِ تعرِفُ كيف تُطيعُ الله، وكيف تحارِبُ الشيطان، وكيف تؤدي ما افترضَ اللهُ عليك وتجْتَنِب ما حرَّمَ اللهُ عليك. لذلك النّبُيّ صلّى اللهُ عليه وسلّم حين زوَّج السيَّدةَ فاطِمة رضيَ اللهُ عنها الزَّهراء زوجَّها عليًّا وكان عليٌّ فقيرٌ حينها، قال لها: “زوَّجْتُكِ بأعلَمِ أُمَّتي”. بما امتدَحَهُ؟ بالعِلم.
وكذلك آصف بن بَرخيا الذي جلبَ عرشَ بِلقيس إلى سُليمان، بما وصفهُ اللهُ في القرآن؟ وصفَهُ بأنَّه عندَهُ عِلم. لذلك يا أحبابنا، العلماء تُشَدُّ الرِّحالُ إليهم، العلماء الثِّقات تُشدُّ الرِّحالُ إليهم، يُسافَرُ إليهم، العِلمُ يؤتَى إليه.
اللهُمَّ علِّمْنا ما جهِلنا وانفَعنا بما علَّمْتنا وأخْرِجْ حُبَّ الدُّنيا من قلوبِنا يا الله، وآخِرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين.