الدليل من القرءان الكريم ومن السنة المطهرة وأقوال وأفعال الخلفاء الراشدين والعلماء على البدعة الحسنة
بسم الله الذي أرسل لنا من بالحق سن، والحمد لله الذي جعل لنا من البدع ما هو حسن، والصلاة والسلام على صاحب الصوت والوجه الحسن، أبي القاسم جد الحسين والحسن، أما بعد فهذا بيان جواز الاحتفال بالمولد وأن فيه أجرا وثوابا، نقول متوكلين على الله:
1 ـ البدعة لغة هي ما أحدث على غير مثال سابق وشرعا المحدث الذي لم ينص عليه القرءان ولا الحديث.
2 ـ الدليل من القرءان الكريم على البدعة الحسنة قوله تعالى في مدح المؤمنين من أمة سيدنا عيسى عليه السلام، قال تعالى ﴿وجعلنا في قلوب الذين اتبعوه رأفة ورحمة ورهبانية ابتدعوها ما كتبناها عليهم إلا ابتغاء رضوان الله﴾ [سورة الحديد 27]، فالله امتدح المسلمين الذين كانوا على شريعة عيسى عليه السلام لأنهم كانوا أهل رحمة ورأفة ولأنهم ابتدعوا الرهبانية وهي الانقطاع عن الشهوات المباحة زيادة على تجنب المحرمات، حتى إنهم انقطعوا عن الزواج وتركوا اللذائذ من المطعومات والثياب الفاخرة وأقبلوا على الآخرة اقبالا تاما، فالله امتدحهم على هذه الرهبانية مع أن عيسى عليه السلام لم ينص لهم عليها. أما قوله تعالى في بقية الآية ﴿فما رعوها حق رعايتها﴾ [سورة الحديد 27] فليس فيها ذم لهم ولا للرهبانية التي ابتدعها أولئك الصادقون المؤمنون بل ذم لمن جاء بعدهم ممن قلدهم في الانقطاع عن الشهوات مع الشرك أي مع عبادة عيسى عليه السلام وأمه.
3 ـ الدليل من السنة المطهرة على البدعة الحسنة قوله صلى الله عليه وسلم (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها بعده من غير أن ينقص من أجورهم شىء، ومن سن في الإسلام سنة سيئة كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده من غير أن ينقص من أوزارهم شىء) رواه مسلم في صحيحه من حديث جرير بن عبد الله البجلي رضي الله عنه. فأفهم هذا الحديث أن الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي علم أمته أن البدعة على ضربين بدعة ضلالة وهي المحدثة المخالفة للقرءان والسنة، وبدعة هدى وهي المحدثة الموافقة للقرءان البدعة الحسنة والسنة.
فإن قيل هذا معناه من سن في حياة رسول الله أما بعد وفاته فلا، فالجواب أن يقال (لا تثبت الخصوصية إلا بدليل) وهنا الدليل يعطي خلاف ما يدعون حيث إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال (من سن في الإسلام) ولم يقل من سن في حياتي ولا قال من عمل عملا أنا عملته فأحياه، ولم يكن الإسلام مقصورا على الزمن الذي كان فيه رسول الله، فبطل زعمهم.
فإن قالوا الحديث سببه أن أناسا فقراء شديدي الفقر يلبسون النمار جاؤوا فتمعر وجه رسول الله لما رأى من بؤسهم فتصدق الناس حتى جمعوا لهم شيئا كثيرا فتهلل وجه رسول الله فقال (من سن في الإسلام سنة حسنة فله أجرها وأجر من عمل بها)، فالجواب أن يقال العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب كما ذكر علماء الأصول.
4 ـ الدليل من أقوال وأفعال الخلفاء الراشدين على البدعة الحسنة: فقد أحدث الخلفاء الراشدون المرضيون أشياء لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم ولا أمر بها مما يوافق الكتاب والسنة فكانوا قدوة لنا فيها، فهذا أبو بكر الصديق يجمع القرأن ويسميه بالمصحف، وهذا عمر بن الخطاب يجمع الناس في صلاة التراويح على إمام واحد ويقول عنها (نعمت البدعة هذه)، وهذا عثمان بن عفان يأمر بالأذان الأول لصلاة الجمعة، وهذا الإمام علي ينقط المصحف ويشكل في زمانه على يد يحيى بن يعمر، وهذا عمر بن عبد العزيز يعمل المحاريب والمآذن للمساجد. كل هذه لم تكن في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم فهل سيمنعها المانعون للمولد في أيامنا هذه أو أنهم سيتحكمون فيستبيحون أشياء ويحرمون أشياء؟! وقد فعلوا ذلك فإنهم حرموا المولد وأباحوا نقط المصحف وتشكيله وأباحوا أشياء كثيرة مما لم يفعلها الرسول صلى الله عليه وسلم كالرزنامات (مواقيت الصلوات) التي لم تظهر إلا قبل نحو ثلاثمائة عام وهم يشتغلون بها وينشرونها بين الناس.
5 ـ الدليل من أقوال علماء السلف على البدعة الحسنة: قال الإمام الشافعي رضي الله عنه (المحدثات من الأمور ضربان أحدهما ما أحدث مما يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا أو أثرا فهذه البدعة الضلالة والثانية ما أحدث من الخير ولا يخالف كتابا أو سنة أو إجماعا وهذه محدثة غير مذمومة) رواه البيهقي بالإسناد الصحيح في كتابه مناقب الشافعي. ومعلوم أن المحدثين أجمعوا على أن الشافعي رضي الله عنه هو المقصود بقوله صلى الله عليه وسلم (عالم قريش يملأ طباق الأرض علما) رواه الترمذي، أما البيهقي فهو من الحفاظ السبعة الذين اتفق على عدالتهم.