الثلاثاء فبراير 10, 2026

الدرس السابع عشر

رسالة سيدنا محمد ﷺ

الثلاثاء 31/8/1984ر

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.

أما بعد، فقد قال الله تبارك وتعالى: {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق} [النساء: 171]. الله تبارك وتعالى أمر نبيه محمدا ﷺ أن يقول لأهل الكتاب ذلك، وأهل الكتاب هم اليهود والنصارى سموا به لأنهم ينتسبون إلى التوراة والإنجيل انتسابا من غير حقيقة، وأما من حيث الحقيقة لو عملوا بالكتابين التوراة والإنجيل لآمنوا بمحمد ﷺ واتبعوه لأن الكتابين التوراة الأصلية والإنجيل الأصلي فيهما الأمر باتباع محمد ﷺ، فيهما بيان صفة محمد وصفة أمته، فلو اتبعوا الكتابين على الحقيقة كانوا اتبعوا محمدا لكنهم غلوا، معنى غلوا تجاوزوا الحد الذي أمروا به.

وأهل الكتاب أمروا بالإيمان بالله وحده واتباع نبيهم، ثم إذا جاء نبي غيره أن يصدقوه ولا يكذبوه، لأن الأنبياء كلهم إخوة لأن دينهم الإسلام، أما اليهود فقد تجاوزوا الحد الذي أمروا به بأن قالوا: «إنه لا يأتي بعد موسى إلا تسعة عشر نبيا ومن سوى هؤلاء التسعة عشر نبيا فهم كاذبون»، قصدهم تكذيب المسيح عيسى عليه السلام، قصدهم نحن ما أمرنا بأن نتبع عيسى، كذلك كذبوا الله فقالوا: «نحن لسنا مأمورين باتباع محمد»، بعدما ظهر محمد ﷺ قالوا: «نحن لسنا مأمورين باتباع محمد»، وقبل ظهور محمد لما ظهر عيسى بالمعجزات ما ءامنوا به بل كذبوه، والنصارى غلوا، النصارى أمروا بأن يؤمنوا بالله وحده ولا يشركوا به شيئا ويؤمنوا بعيسى أنه عبد الله ورسوله يأخذوا منه التعاليم التي هو يبلغهم عن الله بهذا أمروا لكن ما وقفوا عند هذا الحد بل تجاوزوا إلى أن عبدوه، اتخذوه إلٰها.

فالله تبارك وتعالى أنزل على سيدنا محمد ﷺ في القرءان الكريم بأن أمر سيدنا محمدا ﷺ أن يقول لأهل الكتاب {لا تغلوا في دينكم} أي: لا تتجاوزوا الحد الذي أمرتم به، الله تبارك وتعالى لا يحب أن يتجاوز الحد الذي أمر العباد به، يحب أن يقفوا عند ما حد لهم، يحب أن يفردوه بالعبادة أي لا يعبدوا غيره، يحب أن لا يشرك به شيء، لا يشرك به الملائكة بأن يعبدوا من دون الله ولا شيء ما سوى الله، لا يسمح ولا يرضى لعباده أن يعبدوا شيئا سواه.

فأهل الكتاب عبدوا غير الله، اليهود عبدت رجلا اسمه عزير. قالت عنه ابن الله، تجاوزوا الحد الذي أمروا به، أمروا بأن يعبدوا الله ولا يشركوا به شيئا ويوحدوه ولا يجعلوا له أصلا ولا فرعا، الله منزه عن أن يكون له أصل ومنزه عن أن يكون له فرع، هؤلاء غلوا تجاوزوا الحد فنسبوا لله ابنا، قال أولئك: عزير ابن الله، وقال الآخرون عن المسيح: إنه ابن الله. الله تبارك وتعالى من نسب إليه ولدا أو أبا أو زوجة فقد شتمه، هذا شتم لله لأنه نسب إليه ما لا يليق به {يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم ولا تقولوا على الله إلا الحق إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه فآمنوا بالله ورسله ولا تقولوا ثلاثة انتهوا خيرا لكم إنما الله إلـه واحد سبحانه أن يكون له ولد له ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا} [النساء: 171]. {قل يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم غير الحق ولا تتبعوا أهواء قوم قد ضلوا من قبل وأضلوا كثيرا وضلوا عن سواء السبيل} [المائدة: 77]، لا تنسبوا لله ما لا يجوز عليه، كالولد أو الوالد أو الزوجة أو الشبيه أو المثيل، هذا افتراء على الله، كل من نسب إلى الله ما لا يجوز عليه فقد افترى على الله.

ثم رسول الله ﷺ نهانا عن الغلو، كان بمزدلفة في حجة الوداع لـمـا خرج من عرفات فتوجه إلى مزدلفة قال لعبد الله بن عباس رضي الله عنهما: القط لي حصى، فلقط له عبد الله بن عباس حصيات لرمي الجمار، التقط له حصيات بقدر حبة الفول تقريبا، ما التقط له حصيات كبارا ولا التقط له حصيات صغارا بمقدار الظفر أو حبة سمسم؛ بل التقط له حصيات قريبة الحجم بحبة الفول فقال الرسول ﷺ لأنه أعجبه ما أحضره له عبد الله بن عباس قال: «بمثل هذا فارموا» معناه الرمي إذا كان بهذا القدر من الحصى يكون أفضل من أن يكون حصى كبارا أو يكون حصى صغارا مثل حبة السمسم، «وإياكم والغلو فإن الغلو أهلك من كان قبلكم» إيكم أن تتجاوزوا ما أمرتم به فإن الغلو أهلك من كان قبلكم، الذي أهلك الناس الذين كانوا قبلكم الغلو، بعد أن كانوا مسلمين مؤمنين غلوا، فكفروا خرجوا من دين الله، خرجوا من الإسلام بالغلو، بمجاوزة الحد، فاليهود أحبوا هذا الشخص عزيرا فقالوا عنه ابن الله ما وقفوا عند ما أمروا به، وعزير كان شخصا من الصالحين، قيل: إنه نال النبوة، وقيل: إنه لم ينل، فعلى كل حال كان من عباد الله الصالحين المؤمنين الأتقياء، لكن اليهود ما وقفوا عند الحد الذي أمروا به، ما أحبوه لأنه مؤمن صالح ولي، ما وقفوا على محبته على هذا المعنى بل تجاوزوا فعبدوه وقالوا عنه ابن الله {وقالت اليهود عزير ابن الله وقالت النصارى المسيح ابن الله} [التوبة: 30]، الله تعالى عاب هؤلاء وعاب هؤلاء، عاب اليهود الذين قالوا عزير ابن الله وعاب النصارى الذين قالوا المسيح ابن الله لأنهم تجاوزوا الحد الذي أمروا به، تجاوزوا الحد الذي أمروا بالوقوف عنده، أمروا بمحبة الأنبياء والأولياء لكنهم ما وقفوا هنا بل عبدوا بعض عباد الله الصالحين كعزير والمسيح.

كذلك في هذه الأمة أناس غلوا فعبدوا غير الله، غلوا أي تجاوزوا ما أمر الله به عباده في محبة الأولياء فعبدوهم، فالأنبياء يحبون ويعظمون ويحترمون إلى الحد الذي يليق بم ليس فوق الحد الذي يليق بهم، ليس إلى حد العبادة لهم وتشبيههم بالله. النبي من الأنبياء يعظم لكن لا يوصف بصفات الربوبية، لا يوصف بانه ابن الله ولا بأنه شبيه لله، يوصف بأنه نبي الله، وإن كان نبيا رسولا يقال عنه رسول الله.

بعض الناس غلوا في مدح سيدنا محمد ﷺ، توجد طائفة يقال لهم التجانية عندهم ورد يقرؤونه وهو: «اللهم صل وسلم على سيدنا محمد عين ذاتك الغيبية»، هكذا قالوا من عند أنفسهم، هؤلاء غلوا، ما قالوا عن سيدنا محمد الوصف الذي يليق به بل تجاوزوا فجعلوه عين ذات الله وهذا كفر.

كذلك بعض الناس المنتسبين إلى الإسلام أحبوا بعض أولياء الله فغلوا في محبتهم، توجد طائفة غلت في محبة سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه فقالوا عنه إنه إله حتى فسروا قول الله تعالى في ءاية الكرسي {العلي العظيم} قالوا العلي العظيم هو علي بن أبي طالب، هؤلاء غلوا تجاوزوا الحد. علي بن أبي طالب يوصف بأنه ولي بأنه تقي بأنه من عباد الله الصالحين، أما أن يوصف بالألوهية فهذا غلو أي مجاوزة للحد المأمور به.

وفي عصرنا هذا أناس غلا أتباعهم أحبوهم فغلوا في محبته، الولي من الأولياء لا يجوز أن يجعل فوق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي في الدرجة عند الله، مهما رأينا له من الغرائب والعجائب لا يجوز أن نجعله فوق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي. هنا في هذا الزمن في بر الشام أناس جعلوا مشايخهم الذين هم دجالون ليسوا مشايخ صادقين فوق أبي بكر وعمر وعثمان وعلي.

أحد تلاميذ رجب ديب كتب في دفتره: «الشيخ رجب ديب نبي»، وقال رجل من أهل حلب عن شيخه: «الله تعالى إن كان يعطي شيخنا درجة أبي بكر فقط فإنه بخيل»، مع أن شيخه ليس بذاك الرجل إنما مموه من المموهين، قال عنه قولا هو ضلال وكفر {ومن يضلل الله فما له من هاد} [الرعد: 33، وغافر]. الذي يضله الله لا أحد يستطيع أن يهديه. فهذا الشخص الذي غلا في مدح شيخه لو قال: «شيخنا أعلى من أبي بكر» وكان شيخه تقيا لا يعرف عنه إلا الأمور الحسنة والأخلاق الطيبة والاقتداء بالشرع فقال عنه: «شيخنا مثل أبي بكر» لا نكفره أو قال: «أفضل من أبي بكر» لا نكفره لأنه قد يكون لم يتعلم أن عقيدة أهل السنة أن أفضل هذه الأمة بعد الرسول ﷺ أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.

ثم بعض الناس يقولون: «الشيخ يعني شيخ الطريقة لا يخطئ» وهذا أيضا زيغ، مهما رأيتم الإنسان تقيا وليا ظاهر الكرامات والغرائب والعجائب لا تعتقدوا فيه أنه لا يخطئ أي أن كل ما يقوله صواب؛ بل اعتقدوا أن الخطأ في بعض مسائل الدين يجوز على غير الأنبياء، الأنبياء لا يخطئون في مسائل الدين أما الولي مهما علت مرتبته يجوز عليه الخطأ.

سيدنا عمر رضي الله عنه مرة عمل قرارا أنه إن زاد إنسان ما في مهر امرأة على أربعمائة درهم فضة يأخذ ذلك المال ويضعه في بيت المال، فقامت امرأة فقيهة عالمة قالت: يا أمير المؤمنين ليس لك ذلك إن الله تعالى يقول: {وآتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا} [النساء: 20] معنى الآية إن عملتم للنساء اثني عشر ألف أوقية مهرا لا تأخذوا منه شيئا أعطوهن مهورهن، هذا معنى الآية، هذه المرأة احتجت بهذه الآية فردت على أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه فرجع عمر بن الخطاب، صعد المنبر حتى يؤكد للناس أن قراره هذا غلط مخالف للشرع، فقال: «أيها الناس أنتم وشأنكم في مهور نسائكم، أصابت امرأة وأخطأ عمر»، معناه: من دفع قليلا لامرأته، أمهرها قليلا، فذاك جائز فليوصل إليها ذلك المهر الذي أمهره لها ومن جعل المهر كبيرا غاليا كثيرا فليوصل لا ينقص منه شيئا، لأنه فرض صار، لو مليون دينار ذهب أمهرها صار حقا لها، الآية تعطينا هذا، الآية تعطينا أنه يجب إيصال مهر المرأة الذي ذكر عند العقد إلى المرأة ولا يجوز أن ينقص منه شيء إلا أن تسقط هي عنه، لو سامحته من كل المهر جائز.

فهذه المرأة ما قالت هذا قرار أمير المؤمنين لا يخطئ؛ بل عرفت أنه أخطأ فاعترضت ثم هو قبل اعتراضها؛ بل قال بالعبارة الصريحة: «أصابت امرأة وأخطأ عمر». فالأولياء يجوز عليهم الخطأ إنما عصمهم الله تعالى من شيء واحد وهو الكفر، من صحت ولايته عند الله عصم من الكفر، لأن حبيب الله لا يعود عدو الله، الولي لما دخل في الولاية بالاستقامة على شرع الله وأدى الواجبات واجتنب المحرمات وأكثر من النوافل صار من أحباب الله ثم بعد ذلك لو وقع في ذنب كبير لا يسلب الولاية، لا يخرج عن الولاية، لا يعود عدوا لله لأنه صار حبيب الله. والعياذ بالله هؤلاء الدجالون يعلمون مريديهم أنهم يجلون عن الخطأ حتى قال رجب ديب لمريديه: «إذا قال الشيخ عن اللبن أسود فليقل المريد أسود»، وقال لجماعته في درسه العام: «أطيعوني طاعة عمياء» معناه: لا تعترضوا علي في أية مسألة. فانظروا الفرق بين هذا الدجال وبين أمير المؤمنين عمر بن الخطاب. ثم هذا رجب ديب مرة أيضا قال له بعض الناس لما هو صار يقول: «قال رسول الله كذا وكذا» قال له شاب: «من رواه؟» قال: «يكفي أني أنا رويته».

وكذلك مما قاله رجب ديب: «نحن أنبياء مصغرون» ادعى النبوة لعنة الله عليه، ومن ادعى النبوة بعد سيدنا محمد ﷺ فهو كافر لأن الله تعالى قال عن سيدنا محمد {وخاتم النبيين} [الأحزاب: 40] والرسول ﷺ قال: «لا نبي بعدي» رواه مسلم وابن حبان والنسائي، وقال رسول الله ﷺ: «انقطعت النبوة وبقيت المبشرات»، قيل: وما المبشرات يا رسول الله؟ قال: «الرؤيا الصالحة يراها المؤمن أو ترى له» رواه ابن ماجه وابن حبان وأحمد والدارمي.

قوله ﷺ: «لا نبي بعدي» أي: ختم وحي النبوة بسيدنا محمد ﷺ فلا نبي بعده، لو كان بعده نبي كان الله أعاش ابن سيدنا محمد ﷺ إبراهيم لكنه بما أن الله لا ينبئ أحدا بعد محمد أماته وهو ابن سبع عشرة شهرا، إبراهيم ابن الرسول ﷺ مات وهو ابن سبع عشرة شهرا فقال عنه الرسول ﷺ: «لو عاش إبراهيم لكان نبيا» رواه أبو نعيم أي: إنما لم يعش لأنه لا نبي بعدي، الله تعالى علم أنه لا نبي بعده فلذلك ما ترك إبراهيم يعيش بل أماته في حياته، وهذان الحديثان رواهما الحاكم في المستدرك.

فمن قال عن شيخه إنه لا يخطئ بالمرة فهو مغرور، المشايخ الصادقون لا يقولون عن أنفسهم إنهم لا يخطؤون. وكذلك بعض الناس اليوم يعتقدون أن مشايخهم يرون المريد في كل تقلباته في ليل أو نهار وهذا أيضا غلط، الرسول ﷺ ما كان يريه الله تعالى تقلبات أصحابه على فرشهم في ليلهم، بعض الناس كان الله تعالى يريه ما ينوون في قلوبهم وما يفعلون في الغيبة عنه، هذا بالنسبة لبعض الناس ليس جيع الصحابة. فكيف هذا الشيخ الذي هو نقشبندي أو قادري أو رفاعي أو شاذلي يكون مطلعا على حركات مريديه في ليل أو نهار إن حضروا وإن غابوا، أهو أفضل من الرسول؟! لا ليس أفضل من الرسول. فغاية ما يحصل للأولياء أنم يطلعون على بعض أحوال المريدين في غيبتهم وعلى بعض ما يضمرون من الضمائر في نفوسهم.

اللهم اهدنا وعافنا واعف عنا اللهم اهدنا سبل السلام وأخرجنا من الظلمات إلى النور، اللهم اجعلنا هداة مهديين غير ضالين ولا مضلين واختم لنا بالخير، والحمد لله رب العالمين وصلى الله على النبي وءاله وسلم.