الخميس يناير 29, 2026

الدرس الثالث

فتنة الـمعتزلة والقول بخلق القرءان

الأحد 8/7/1084ر

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى إخوانه الأنبياء والمرسلين عليهم سلام الله أجمعين.

أما بعد، فإن أهم علوم الدين العلم الذي يعرف به الله تبارك وتعالى فكان من أهم علم التوحيد معرفة أن الله تبارك وتعالى هو المنفرد بالخلق، فكل ما يحصل من العبد من حركة وسكون ونية وقصد فالله خالقه في العبد، العبد ليس إلا مكتسبا يكتسب هذه الحركات والسكنات وهذه النوايا القلبية، هذا المعتقد من حاد عنه ضل وهلك وإن زعم أنه مسلم.

فالمعتزلة حادوا عن هذا المعتقد يعتقدون بأن الله تعالى خلقهم وأعطاهم القدرة على حركاتهم وسكناتهم وهم يخلقون بهذه القدرة التي أعطاهم الله حركاتهم وسكناتهم ونواياهم إن كانت خيرا وإن كانت شرا، إن كانت إيمانا وإن كانت كفرا، هؤلاء يدعون أنهم خيرة المسلمين، كانوا فيما مضى كثيرين، في عصر المأمون الخليفة العباسي كانوا كثرة كان لهم ظهور قوي حتى المأمون انخدع بقولهم في مسألة خلق القرءان، ما وافقهم في سائر مسائلهم إنما وافقهم بهذه المسألة القول بأن القرءان مخلوق، ثم لم يكن المأمون يفرق ويفصل فيقول القرءان بمعنى اللفظ المنزل على سيدنا محمد مخلوق وأما بمعنى الكلام الذاتي القائم بذات الله الذي هو ليس حرفا ولا صوتا فليس بمخلوق ما كان يقول هذا التفصيل، إنما كان يطلق هذه العبارة القرءان مخلوق، فكان يعذب من يقول القرءان غير مخلوق كالإمام أحمد بن حنبل.

من قالوا القرءان غير مخلوق من أهل السنة يعنون الكلام الذاتي الذي هو صفة ذات الله تعالى كعلمه وقدرته، هذا ليس مخلوقا لأن هذا أزلي أبدي والأزلي لا يصح فيه التعاقب أي حصوله شيئا بعد شيء، ما يحصل شيئا بعد شيء حادث ليس أزليا أبديا، فأهل الحق يقولون القرءان كلام الله غير مخلوق لكن لا يعنون اللفظ الذي نتلوه إنما يعنون كلام الله الذاتي الأزلي الأبدي الذي لا يوصف بأنه حرف ولا صوت، يعنون ذلك فيقولون القرءان كلام الله غير مخلوق ولا يعنون بقولهم غير مخلوق اللفظ المنزل على سيدنا محمد، هذا يجوز أن نقول في مقام تعليم العقيدة هذا اللفظ مخلوق لله لكن ليس من تأليف جبريل ولا من تأليف محمد.

فإذا قال قائل: «كيف نضلل المعتزلة الذين كان خليفة المسلمين المأمون بن هارون معهم في هذه المسألة القول بخلق القرءان، كيف تقولون ضالون؟! لو كان قولهم هذا ضلالا للزم من ذلك أن خليفة المسلمين كان ضالا وهذا إقدام على أمر عظيم».

يقال لهم: الجواب أن المأمون لم يوافقهم إلا بمسألة القول بخلق القرءان ولم يقل إن كلام الله الذي هو صفته الذاتية مخلوق لله، لم يقل إنما أطلق العبارة كما تطلقها المعتزلة فلم يكن هو منهم، لا يعد معتزليا لأنه وافقهم في هذه المسألة فقط، لأن الاعتزال عمدته ليس على هذا، الاعتزال عمدته أن العبد يخلق أفعاله والله ليس له تصرف في ذلك جعلوا الله كإنسان أدخل شخصا فقيرا غريبا إلى بيته ثم هذا استعصى في البيت وتمرد فطرد صاحب البيت، هذه أكبر مسائلهم الضلالية التي أوجبت كفرهم.

ثم أئمة الهدى منذ الصدر الأول أي عصر الصحابة لم يزالوا يضللون المعتزلة يعتبرونهم ضالين حتى قال الإمام مالك رضي الله عنه لما سئل عن نكاح القدرية أي نكاح المعتزلة {ولعبد مؤمن خير من مشرك ولو أعجبكم} [البقرة: 221] كفرهم. كذلك عمر بن عبد العزيز الخليفة الراشد هو بعد الخلفاء الأربعة والحسن بن علي هو الخليفة الراشد السادس، أما ما بعد الحسن بن علي ابتداء بمعاوية إلى عمر بن عبد العزيز هؤلاء ملك عضوض أي ملك ظلوم، كل منهم لم ينقص منهم واحد ابتداء بمعاوية لأن الرسول ﷺ قال: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملك عضوض» أي: ظلوم، رواه أبو داود.

نحن لا نحكم على الأشخاص من باب التحيز والعصبية، ليست العصبية مذهبنا، نحن ننظر إلى الشرع نتعصب للشرع لا نتعصب للأشخاص.

سفينة من أصحاب رسول الله ﷺ، سفينة مولى رسول الله ﷺ، هذا رضي الله عنه سمع من رسول الله ﷺ قوله: «الخلافة بعدي ثلاثون سنة ثم يكون ملك عضوض». الحكام الأمويون كلهم ظلام لا يستثنى منهم أحد إلا عمر بن عبد العزيز هذا كان يحكم بالشرع كان مسلما زاهدا يوصل الحقوق إلى أهلها من غير حيف ولا اضطهاد ولا يأكل مال الناس بالباطل، وهذا سفينة رضي الله عنه سمع من رسول الله ﷺ هذا الحديث. ثم هناك غير هذا الحديث أيضا أدلة تدل على أن من جاء بعد الحسن بن علي من الخلفاء الأمويين كان ظالما إلا عمر بن عبد العزيز.

الحسن بن علي حمل الخلافة بعد أبيه ستة أشهر ثم تنازل لمعاوية لأنه رأى أنه لا بد أن تسفك دماء كثيرة فأراد أن يحقن هذه الدماء عن السفك فتنازل لمعاوية. هو يعلم أن معاوية ليس أهلا لها لكن للضرورة تنازل له لأنه قارن بين ما يحصل إن أصر على قتاله لمعاوية، وكان من معه أكثر المسلمين. معاوية لم يكن معه إلا أهل بر الشام سوريا ولبنان والأردن وفلسطين، هؤلاء كانوا معه، أما المسلمون في سائر الأمصار كاليمن ومصر والعراق وخراسان وبلاد العجم بلاد إيران كل البلاد الإسلامية كانت مع الحسن، بايعت الحسن وكان هو الخليفة الراشد. الحسن بن علي تنازله لمعاوية كان للضرورة وهي حقن دماء المسلمين، لا لأنه عدل.

وبم عرفنا أن عمر بن عبد العزيز خليفة راشد؟ من سيرته عرفنا، أبطل سب علي ولعنه على المنابر. كانوا يلعنونه بنو أمية على المنابر، كانوا يلعنونه ابتداء من وقت معاوية استمروا على ذلك، حتى بعد موت معاوية صاروا يلعنون عليا رضي الله عنه على المنابر. هذا عمر بن عبد العزيز أبطل هذا ورد الأموال التي اغتصبتها ملوك بني أمية خلفاء بني أمية للمسلمين، ما احتازها لنفسه، ما قال: أنا أحتوي على ما يحتوي عليه بيت المال الذي جمع فيه هذا المال الوفير؛ بل أخرجه ووزعه في المسلمين بحق ليس بهواه.

وهناك أيضا حديث ءاخر أن الرسول ﷺ قال: «إن هذا بدأ نبوة ثم تكون خلافة على منهاج النبوة، ثم يكون ملك جبري([1]) ثم تكون خلافة رحمة»([2]). قول الرسول ﷺ: «ثم تكون خلافة رحمة» أفادنا أمر عمر بن عبد العزيز لأنه بعد هذا الـملك العضوض جاء هذا الرجل رحمه الله تعالى وجزاه عن المسلمين خيرا، وكان عالـما مجتهدا كالشافعي كمالك كأبي حنيفة ليس حاكما عدلا فقط بل كان إماما في علم الدين مجتهدا حافظا في الحديث وفقيه النفس دراكا. هذا الخليفة الراشد عمر بن عبد العزيز كان يقول في المعتزلة يستتابون فإن تابوا وإلا ضربت أعناقهم. وقد استدعى في أيامه رئيسا من رؤوس المعتزلة يقال له أبو مروان غيلان بن مروان الدمشقي فاستتابه فتشهد فتركه. ثم بعد وفاة عمر عاد إلى غيه فصار يدعو الناس إلى عقيدة المعتزلة، فاحذروها واحذروا من يستحسنها ويحبذها، الآن في لبنان وفي مصر يوجد من يحبذ عقيدة الاعتزال الممقوتة.

(وما يروى أنه في زمن عمر بن عبد العزيز من شدة عدله صارت الذئاب تمشي مع الغنم ولا تؤذيها حتى صار يظنها بعض الناس كلابا تماشي الغنم لحراستها فهو صحيح).

توحيد الله تعالى بأنه الخالق لا خالق سواه هذه كالإيمان بوحدانية الله، هذه من أصول العقيدة، لكن الأصل الأول للعقيدة الذي يكفي للدخول في دين الإسلام هو اعتقاد أن الله هو الذي يستحق أن يعبد، الذي يستحق نهاية التذلل لا غير، واعتقاد أن محمدا رسوله صادق فيما جاء به، هذان هما أصل التوحيد.

الله تعالى هو الذي كون أي أوجد بمشيئته الأزلية وقدرته الأزلية وعلمه الأزلي العالم بأسره لطائفه وكتائفه، أحدث الأجرام أولا، الأجرام سبقت الأفعال، الأجرام هي الماء الذي تحت العرش إلى الآن موجود هذا الماء، هذا الماء أول ما كونه الله تعالى، ثم كون منه العرش ثم كون منه القلم الأعلى ثم كون منه اللوح المحفوظ، ثم بعد ذلك بزمان كون من ذلك الماء السماوات والأرضين السبع. السماوات السبع كل سماء منفصلة عن الأخرى بين سماء وسماء مسيرة خمسمائة عام، وكذلك الأرض بين كل أرض وأرض مسيرة خمسمائة عام، وفي كل أرض مثل ما على هذه الأرض إلا البشر، ثم بعد هذه الأراضي السبعة جهنم ليست متصلة بالأرض السابعة بل منفصلة لها أرضها وهو قعرها الذي تنتهي إليه، وغشاؤها سقفها الذي تنتهي إليه. جهنم لها سقف حتى تقوى الحرارة على الكفار، الله تعالى جعل لجهنم أرضا وسقفا أي علوا وسفلا، وفي كل أرض من الأراضي الست جبال وبحور وأنهار وبهائم وفيها جن، إنما البشر مستقرهم هذه الأرض لأن الله تعالى قال: {منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى} [طه: 55] أي: تدفنون في هذه الأرض ثم تخرجون منها يوم القيامة يوم البعث.

ثم الله تبارك وتعالى أخرج تربة ءادم، أي: أمر الملائكة، أمر الملك بأن يقبض من هذه الأرض من جميع أصنافها، من أبيضها وأسودها وما بين ذلك، وسهلها وحزنها وما بين ذلك، وطيبها ورديئها، ثم رفع هذا التراب إلى الجنة فعجن هناك وظل طينا إلى أن طور الله هذا الطين إلى صلصال كالفخار ثم حول هذا إلى لحم ودم وعظم ثم ركب فيه الروح التي هي من خلقه، كانت هذه الروح من الأرواح الشريفة الطاهرة وهذا الذي عناه الله تعالى بقوله: {فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين} [الحجر: 29] قبل أن ينفخ فيه الروح أمر الملائكة أن يسجدوا له بعد تسويته ونفخ الروح فيه أي إدخال الروح فيه. الله تعالى – تشريفا لآدم – قال: {من روحي} لأن روح ءادم ملك له خلق له مشرفة ومكرمة عند الله، كما قال في حق الـمسيح: {فنفخنا فيه من روحنا} [التحريم: 12]، الله تعالى يعبر عن نفسه في القرءان بلفظ الإفراد وبلفظ الجمع، فعبر بلفظ الإفراد في قوله بحق ءادم: {من روحي} وفي حق المسيح عيسى عبر بلفظ الجمع فقال: {من روحنا}، أما هذا التعبير بلفظ الجمع ضمير الجمع فهذا للتعظيم أي: تعظيم نفسه، الله تبارك وتعالى يعظم نفسه، وهو الواحد الأحد الذي ليس مركبا من أجزاء، لإعلامنا بعظمته عظم نفسه.

والحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى آله وإخوانه الأنبياء والمرسلين. والله أعلم.

([1]) أي: ظلمي.

([2]) روى الطبراني في «المعجم الكبير» عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: قال رسول الله ﷺ: «أول هذا الأمر نبوة ورحمة، ثم يكون خلافة ورحمة، ثم يكون ملكا ورحمة، ثم يكون إمارة ورحمة، ثم يتكادمون عليه تكادم الحمر فعليكم بالجهاد، وإن أفضل جهادكم الرباط، وإن أفضل رباطكم عسقلان». قال الحافظ النور الهيثمي في «مجمع الزوائد»: رجاله ثقات.