الثلاثاء 28/8/1984ر
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.
أما بعد، فقد قال الله تبارك وتعالى: {يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا وقودها الناس والحجارة} [التحريم: 6]. الله تعالى قال: احفظوا أنفسكم من تلك النار الشديدة، نار جهنم، ما معنى احفظوا أنفسكم من نار جهنم؟ معناه: تعلموا علم الدين وعلموا أهليكم، هكذا فسر سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، فمن تعلم علم الدين الذي فرضه الله عليه وعلم أهله أو وكلهم إلى من يعلمهم علم الدين على الوجه الصحيح فقد امتثل هذه الآية أي عمل بأمر هذه الآية، أما من أهمل هذا واقتصر على إطعام أهله وكسوتهم والتوسيع عليهم في أمور المعيشة هذا كأنه يربي بقرا، لأن تربية البقر تكون بطعامها وسقيها وتهيئة المنام لها، هذا أيضا مثل ذلك.
المقصود الأعظم من الحياة الدنيا الاستعداد للحياة الدائمة، الحياة الأخروية التي لا نهاية لها، فإما أن يعيش الإنسان في تلك الحياة في نعيم أبدي لا ينقطع، حياة لا موت بعدها ونعيم لا بؤس بعده لا فقر ولا مرض، صحة على الدوام، شباب على الدوام، ليس هناك هرم (وإما أن يكون على غير هذا الحال)، أما الدنيا فكما تعلمون الإنسان أول ما ولد حالته الضعف لا يميز بين ما ينفعه وبين ما يضره، ثم بعد ذلك يقوى يصير له نشاط، ثم بعد مدة مديدة يعود إلى الضعف الذي كان عليه فيحتاج إلى من يخدمه وينظفه من الأوساخ. بعض الناس إذا وصلوا في العمر إلى ثمانين أو إلى تسعين يعودون كالطفل الذي هو مولود منذ شهر أو منذ سنة أو نحو ذلك.
فالإنسان العاقل لا ينشغل بمتاع الدنيا، بلذاتها عن مصالح الآخرة، مصالح الدار الدائمة التي لا انقطاع لها، التي لا موت فيها. فهذه الدنيا، هذه الحياة، الإنسان يفارقها بالموت.
أكثر أمة سيدنا محمد ﷺ كما قال هو ﷺ: «أعمار أكثر أمتي ما بين الستين إلى السبعين» رواه ابن ماجه والطبراني، أغلب أمة محمد ﷺ أعمارهم ما بين الستين إلى السبعين، العاقل لا يهمل مصالح الدار الآخرة من أجل هذه الدنيا، من أجل هذه الحياة التي تنصرم بسرعة، فالمصلحة التي هي مصلحة الآخرة مصلحة الحياة الدائمة التي لا نهاية لها بتقوى الله، وتقوى الله أن يتعلم الإنسان ما فرض الله عليه من علم الدين حتى يعرف العقيدة الصحيحة من العقيدة الباطلة، ويعرف الأعمال التي هي توافق شرع الله من الأعمال التي لا توافق شرع الله، يجعل صلاته صحيحة، يعرف ما هي الصلاة الصحيحة فيطبقها على حسب ما تعلم ويعرف الصيام الصحيح فيطبق صيامه على حسب ما تعلم من العلم الصحيح، ويطبق حجه على ذلك ويكف لسانه عما حرم الله وعينه وسمعه ويده ورجله له إلى ءاخر ما هنالك.
هذا إذا تعلم فوفقه الله للعمل، أما إذا لم يتعلم يعيش كالبهائم، يرى المنكر يرى الكفر حسنا، قد يرى الكفر حسنا ويرى الحسن قبيحا، فطريق النجاة في الآخرة هو تعلم علم الدين ثم العمل به، التعلم وحده لا يكفي، إذا إنسان تعلم علم الدين ثم أهمل الفرائض واسترسل في المحرمات، غرته الدنيا، غرته نفسه، غره المال فصار يأكل الحرام، لو ميز بين المال الحرام والمال الحلال إذا غلبته نفسه وهواه فاسترسل في أكل المال الحرام وهو يعلم أنه حرام وأهمل فرائض الله وهو يعلم أنها فرائض فرضها الله على عباده هذا يستحق عذابا أليما، فالإنسان العاقل يتعلم ما فرضه الله عليه من علم الدين ثم يطبق ذلك على نفسه، قال سيدنا علي رضي الله عنه: «ويل لمن لا يعلم، وويل لمن علم ثم لم يعمل»، قال: هذان كل منهما له الويل أي هلاك شديد في الآخرة.
وفي الحديث: «ويل لمن لا يعلم وويل لمن علم ثم لا يعمل» رواه أبو نعيم في الحلية عن حذيفة. الذي لا يعلم علم الدين له هلاك شديد في الآخرة والذي تعلم ثم لم يعمل ترك العمل، الشيء الذي تعلم أنه حرام يرتكبه، والشيء الذي تعلم أنه فرض يهمله هذا أيضا من الهالكين له الويل، الويل معناه الهلاك، والهلاك مراتب: هلاك أعظم من هلاك، وأعظم الهلاك هو الكفر، وهو ذنب لا يغفره الله، أما ما سوى الكفر فالشخص الذي يموت قبل التوبة تحت المشيئة إما أن يعذبه الله وإما أن يسامحه الله تعالى ويدخله جنته بلا عذاب، هذا علمه إلى الله. فعليكم بتعلم علم الدين ولا يمنعكم الاستحياء من تعلم علم الدين. علم الدين ليس كمسألة الصدقة وبر الوالدين ومسألة الزكاة ومسألة الحج والإحسان إلى الجار والإحسان إلى الفقير والعطف على المنكوبين فقط.
فلا يمنعكم الاستحياء عن تعلم ما فرض الله من أحكام الطهارة. بعض النسوة يستحين من أن يتعلمن أحكام الحيض وأحكام الجنابة، التي تستحي والرجل الذي يستحي من تعلم أحكام الطهارة وكيف تحصل الجنابة، والبنت التي تستحي أن تتعلم أحكام الحيض والجنابة فتعيش هكذا على الجهل فقد أهلكت نفسها، هذا في النساء كثير، لكن المرأة التي تعرف أمر الآخرة وأن أمر الآخرة عظيم لا تبالي، لا يمنعها الاستحياء بل تتعلم من الرجال ومن فقيهات النساء. اليوم نادر الفقيهات في النساء حتى في الرجال صار الفقهاء قلة، أما حملة الشهادات فهم كثير، لكن هذه الشهادات لا تطابق الحقيقة في أكثر الناس.
في صحيح البخاري أن امرأة يقال لها أم سليم جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم إذا رأت الـماء» رواه البخاري ومسلم وغيرهما. هذه المرأة، الله تعالى أراد بها الخير لأنها سألت عما يهمها من أمر الدين، عما لا تستغني عنه، سألت رسول الله ﷺ. رسول الله كان مهيبا، مع شدة تواضعه كان مهيبا، كان جليل المنظر، مع ذلك هي ما قالت للناس اسألوا لي رسول الله بل جاءت بنفسها فسألت، قالت: هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ هي أولا ذكرت مقدمة وهي: إن الله لا يستحي من الحق، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت، معناه هل على المرأة يجب الغسل إذا رأت في المنام أنها جومعت أو أنها دوعبت فخرج منها المني، هل عليها من غسل؟ قال الرسول ﷺ: «نعم إذا رأت الـماء» أي: يجب عليها الغسل أي تعميم الجسد بالماء شعرا وبشرا إذا رأت الماء، أي: ليس مجرد أنها رأت المداعبة في المنام. فعلمت هذه الصحابية أنها إذا لم تر المني ليس عليها غسل.
وهكذا سائر مسائل الطهارة على الرجال والنساء أن يتعلموها، النساء يختصصن بالحيض ففرض عليهن أن يعرفن مسائل الحيض التي تحصل لهن، لأنها إذا لم تعلم حكم الحيض أو حكم الجنابة فقد تترك الصلاة وهي تظن أنه ليس عليها صلاة، من أجل هذه الحالة التي هي فيها وهي في الحقيقة في حكم شرع الله ليست معفاة من الصلاة في هذه الحالة، إنما هناك للنساء حالات تسقط عنهن الصلاة فيها بسبب الحيض لكن كثيرا من المسائل يظن بها أنها حيض وهي ليست بحيض، مسائل متشابهة. بعض النساء سألن رسول الله ﷺ عن الاستحاضة، المرأة إذا دام دمها أكثر من خمسة عشر يوما هذه يقال لها مستحاضة، هذه ليست مثل الحائض، هذه تصلي مع وجود الدم ولها شروط وتفاصيل، لأن مسألة الاستحاضة متشعبة تتفرع إلى فروع متعددة، جماعة من النساء سألن على حسب الوقائع التي وقعت لهن.
هذه حمنة بنت جحش سألت رسول الله ﷺ عن مسألة تتعلق بالاستحاضة أي من جاوز دمها خمسة عشر يوما، كذلك كانت لها أخت هي أيضا ابتليت بهذا الشيء فسألت رسول الله ﷺ، وغير هاتين أيضا حصل لهن هذا الشيء فلم يمنعهن الاستحياء بل سألن الرسول ﷺ، ومنهن من كن يسألن غير الرسول ﷺ من علماء الصحابة كعائشة وعلي بن أبي طالب.
والطهارة ليس أمرها هينا لا معنى له عند الله تعالى؛ بل أمرها عظيم من أهم الأمور، لذلك الرسول ﷺ قال: «الطهور شطر الإيمان» رواه البخاري ومسلم وأحمد أي نصف الإيمان. بعض السفهاء إذا رأوا من يسأل عن مسائل الحيض والجنابة يقولون: «هذا ما له شغل، هذا عيب»، هؤلاء والعياذ بالله يقعون في الهلاك، في الردة وهم لا يدرون.
الطهور فرض فرضه الله تعالى على عباده، فالطهور عن الجنابة له طريقة، والطهور من الحدث الأصغر له طريقة، والطهور بالنسبة لسلس البول له حكم خاص، وكذلك سلس الريح([1]). الرسول ﷺ تعظيما لأمر الطهارة قال: «الطهور شطر الإيمان» أي: نصف الإيمان. فتعلم الطهور من أهم الأمور، لذلك في حديث جبريل ذكر الرسول ﷺ الطهارة لما سأله جبريل عن الإسلام، وجبريل كان جاء تلك المرة بهيئة إنسان لا يعرفه أحد من أهل المدينة من أصحاب الرسول ﷺ، جاء بهيئة غريبة لم يأت بهيئة شخص من أصحاب رسول الله ﷺ، كان أجمل أصحاب رسول الله يأتي جبيل أحيانا بصورته، بصورة هذا الإنسان، فيظنه من يراه مع الرسول يتحدث أن الرسول يتحدث مع دحية الكلبي من قبيلة اسمها بنو كلب، فجبريل كان أحيانا يأتي الرسول ﷺ بصورة دحية، وأحيانا لا يظهر له بشكل إنما يكلمه إلى أذنه.
قال رسول الله ﷺ: «الطهور شطر الإيمان» رواه ابن حبان وغيره، الحج لا يصح إلا بالطهور، الطواف ضروري في الحج، والطواف لا يصح إلا بالطهور، والصلاة هي عماد الدين فهي أيضا لا تصح إلا بالطهور لذلك قال الرسول ﷺ: «الطهور شطر الإيمان»، وروى البخاري في صحيحه أن أم سليم وهي امرأة من الأنصار سألت رسول الله ﷺ قالت: يا رسول الله، إن الله لا يستحي من الحق هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ قال: «نعم إذا رأت الماء».
جاء في الحديث في علامة المني أن مني الرجل أبيض ثخين ومني المرأة أصفر رقيق، هذا من جملة العلامات لكن العلامة الأصلية في المني أن يحس الإنسان بلذة بخروجه أو يجد له رائحة عجين إن كان رطبا أو يكون خروجه بتدفق، هذا علامة المني.
ثم أيضا من الأمر المهم الذي له تعلق بالطهارة التحرز من البول، الذي لا يعرف كيف يتطهر من البول، الذي لا يعرف أنه فرض التحرز من البول تكون حالته في القبر سيئة جدا، قال رسول الله ﷺ: «إن عامة عذاب القبر من البول» رواه البزار في مسنده والطبراني في الكبير والحاكم والدارقطني. أكثر عذاب القبر من البول، ثم بعده أكثر أسباب عذاب القبر النميمة.
كان البول في شرع من قبل سيدنا محمد ﷺ أمره شديدا حتى إن الذي يصيبه البول ثم يصيب ثوبه كان عندهم لا يطهره الماء، لا يكفي الماء، عندهم كان يقطع قطعا بالمقص، كان فرضا على المسلمين الذين كانوا قبل سيدنا محمد ﷺ أن يتطهروا من البول بقطع الموضع الذي أصابه ولا يكفي غسله، أما شرع سيدنا محمد ﷺ فهو يسر يكفي الغسل بالماء إن كان أصاب بدنا أو ثوبا أو مكان الصلاة، ولا يشترط أن يقطع الثوب إن كان أصابه البول أو يترك هذا الثوب ويلبس غيره، فتلك البقعة التي أصابها البول إذا غسلت بالماء فذهبت صفات البول رائحته وطعمه ولونه يجوز أن نصلي فيه، هذا شرع سيدنا محمد ﷺ، أما عن شرع من قبل سيدنا محمد ﷺ لم يرد حديثا ثابتا بالنسبة إن كان البول أصاب البدن هل يفعل به كما يفعل بالثوب، لكن ورد حديث إسناده غير قوي أنم كانوا يقطعون الجلد أيضا، كانوا يقطعون جلدهم (أي من غير ضرر). (يقطعون الجلد أيضا [أي: يكشطونه] أي: إذا لم يخشوا الهلاك. فالذي يعرف ما كان شرع موسى وعيسى يرى في شرع محمد تسهيلا كبيرا). (وبعضهم قال ما ورد في الحديث أن الشخص في شرع بني إسرائيل كان إذا أصاب جلده البول يقطعه بالمقراض فهذا المراد به جلد ثوبه أو الجلد الذي يفترش على الأرض ونحو ذلك وليس المراد جلد نفسه).
الذي يعرف ما كان شرع موسى وشرع عيسى يرى في شرع محمد تسهيلا كبيرا، ولا يستغرب ولا يستشكل بأن عدد الصلوات المفروضة في شرع محمد خمس صلوات ولم يكن في شرع من قبله فرضية خمس صلوات إنا كان فرضية صلاتين أو صلاة واحدة، لكن أحكام هذه الصلوات الخمسة أسهل من تينك الصلاتين اللتين كانتا على بني إسرائيل فرضا.
فأوصيكم بما أوصى رسول الله ﷺ من المحافظة على الطهارة بتعلم أحكام الجنابة وأحكام الحيض والاستحاضة حتى لا تقع صلواتكن فاسدة من حيث لا تشعرن. وعلموا أولادكن، بنت سبع سنين علمنها. كثير من الناس يتركون أولادهم الصغار ينظرون إلى التلفزيون مع ما فيه من الرذالات، ويقولون عن تعليمهم أمور الطهارة المهمة، تعليمهم ما هو المني وكيف يتطهر منه وما هو الحيض وكيف يتطهر منه هذا يقولون عيب عيب، هذا من فساد القلوب، لأنهم لو كانوا يهتمون للآخرة كانوا اعتنوا لتعلم هذا وتعليمه للأولاد الذكور والإناث من سن سبع سنوات لأن الله تعالى فرض على الآباء والأمهات أن يأمروا أولادهم ويعلموهم أحكام الدين ابتداء من عمر سبع سنوات، لا يكفي أن يقال للطفل أو للبنت مجرد صل، لا يكفي، يعلمون كيف تكون الطهارة لأن الطهارة هي مفتاح الصلاة. إذا قيل لشخص ادخل البيت وهو مقفل من دون أن يسلم المفتاح ماذا يكون؟ لا يستطيع الدخول، هذا مثله كمثل هذا.
واعلموا أن هؤلاء على جهل قبيح، هؤلاء الذين يعيبون أن يتعلم الأطفال من الذكور والإناث أحكام الطهارة، أحكام الحيض وما أشبه ذلك، وكيف تحصل الجنابة وكيف يحصل الحدث الأصغر. العيب ما حرمه الله تعالى على عباده، ليس العيب ما أمر الله تعالى عباده بمعرفته وتعلمه، أما هؤلاء الذين لا يهتمون لهذا بل يهتمون لصورة الصلاة كالأميريات والسحريات وجماعة رجب ديب وغيرهم من كثير من الناس لا يهتمون لهذه المسائل، كأنها ليست من الدين، هؤلاء هالكون لا تعتبروهم شيئا، هؤلاء لا يعتبرون شيئا، صلواتهم ضائعة وصيامهم ضائع وحجهم ضائع.
([1]) أي: الذي ابتلي بنزيز البول على الاستمرار والذي ابتلي بخروج الريح على الاستمرار.