الأحد يناير 25, 2026

الدرس التاسع

الـمحدثات في الدين، وحكم استحلال الخمر

الأحد 19/8/1984ر

الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى ءاله وجميع إخوانه من الأنبياء والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.

أما بعد، «فإن أحسن الحديث كتاب الله تعالى وأحسن الهدي هدي محمد ﷺ وشر الأمور محدثاتها وكل محدثة بدعة وكل بدعة ضلالة»، هذا الحديث رواه مسلم والترمذي والبيهقي وغيرهم، يبين لنا أن ما أحدث على خلاف القرءان والحديث فهو مردود ويسمى بدعة الضلالة، أما ما أحدث ولم يكن مخالفا للقرءان والحديث فليس بدعة بمعنى بدعة الضلالة وإن كان يسمى بدعة من حيث إنه أمر لم ينص عليه رسول الله، من حيث إنه لم ينص عليه في القرءان ولا في الحديث يسمى بدعة يعنى أنه استحدث، لكنه فرق بين ما استحدث على خلاف القرءان والحديث وبين ما استحدث من غير مخالفة للقرءان والحديث، ثم المستحدث المذموم لكونه مخالفا للقرءان والحديث قسمان: مستحدث في أصول العقيدة ومستحدث في الفروع، فالمستحدث في أصول العقيدة كله ضلال ينطبق عليه قوله ﷺ: «وكل بدعة ضلالة»، أما المستحدث في الفروع فهو قسمان: قسم محرم وقسم غير محرم. فالمستحدث في أصول العقيدة فهو كل ما خالف ما كان عليه أصحاب رسول الله من الاعتقاد، كل ما استحدث في أصول العقيدة مما هو ليس بتقرير لما كان عليه الصحابة بل هو مما يخالف ذلك فهذا كله ضلال ليس فيه تفصيل، لا يقال فيه «هذا حرام وهذا مكروه» بل كله حرام.

أما ما استحدث في الفروع على طريق الاجتهاد ممن هو أهل للاجتهاد فهذا لا يعاب فاعله لأن أصحاب رسول الله هم اختلفوا في الفروع ثم من جاء بعدهم أيضا اختلفوا وذلك لا يعاب.

الشافعي ولد بعد انقراض الصحابة بخمسين عاما، لما ولد الشافعي لم يكن على وجه الأرض أحد من أصحاب رسول الله ﷺ كذلك أحمد بن حنبل لما ولد لم يكن أحد من أصحاب رسول الله ﷺ على وجه الأرض كذلك مالك لما ولد لم يكن أحد من أصحاب رسول الله على وجه الأرض أما أبو حنيفة كان مخلوقا قبل انقراض عصر الصحابة بنحو عشرين عاما، كان ولد قبل انقراض عصر الصحابة بأقل من عشرين عاما فهو رأى بعض الصحابة، أما أنه سمع من أحد منهم الحديث، حديث رسول الله، أو لم يسمع فهو محل اختلاف من العلماء، منهم من قال إنه سمع من بعض أصحاب رسول الله ومنهم من قال لم يسمع شيئا من أصحاب رسول الله لكنه متفق أنه ولد قبل أن ينقرض الصحابة.

الصحابة ما كانوا يعيبون على من يجتهد في الفروع ممن سواهم أي ممن ليس من الصحابة إذا رأوا إنسانا عالـما أهلا للاجتهاد فيفتي الناس، ما كانوا يعيبون عليه. هذا الحسن البصري تلقى العلم من الصحابة كذلك سعيد بن جبير تلقى العلم من الصحابة كذلك غيرهما من التابعين وكانوا أئمة مجتهدين فلم يعب عليهم الصحابة اجتهادهم في الفروع، لأن الاجتهاد في الفروع مأذون فيه شرعا لمن تأهل، فالفرقة التي هي مذمومة عند الله هي الفرقة في الاعتقاد في أصول العقيدة، الاختلاف في أصول العقيدة هو الضرر، هو الذي يوجب لصاحبه العذاب في الآخرة، ثم منه ما يؤدي إلى الكفر ومنه ما هو دون ذلك أي أن الاختلاف الذي حصل في الاعتقاد من غير الصحابة قسمان: قسم يؤدي إلى الكفر وقسم لا يؤدي إلى الكفر، أما الاختلاف الذي حصل في الفروع على طريق الاجتهاد المعتبر لكون هذا الاجتهاد ممن تأهل له فهو لا ضرر على صاحبه ولا على من اتبع هذا الاجتهاد.

مع وجود الصحابة كان أناس مجتهدون يفتون ممن ليسوا من الصحابة والصحابة يعلمون ذلك فلم يكونوا ينكرون عليهم. فالضرر هو الاختلاف في أصول العقيدة، لذلك الله تعالى حمى الصحابة عن أن يختلف اثنان منهم في أصول العقيدة، فهم في أصول العقيدة على وتيرة واحدة، فلما ظهر الاختلاف في أصول العقيدة من بعض الناس الذين هم لم يروا رسول الله لكنهم رأوا بعض الصحابة، الصحابة استنكروا استنكارا بالغا على هؤلاء الذين استحدثوا الخلاف في أصول العقيدة، ومن هؤلاء رجل يقال له معبد هذا أول شخص أحدث الخلاف في المعتقد على طريقة الاعتزال، هو أول زعماء المعتزلة، فلم يرض عنه أحد من الصحابة إنما أخذ عنه بعض المفتونين من الذين لم يميزوا بين المعتقد الصحيح وبين المعتقد الفاسد.

وكذلك لما انتهى قرن الصحابة أي المائة الأول التي هي نهاية عصر الصحابة رضي الله عنهم كان أهل العلم الذين هم أهل العلم حقيقة من التابعين استنكروا خلاف المعتزلة في أصول العقيدة منهم عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه كان إماما مجتهدا جمع بين الاجتهاد في علم الدين وبين السلطنة، كان هو أمير المؤمنين وكان في العلم مجتهدا بلغ درجة الاجتهاد قبل أن يتولى الخلافة.

فالحاصل: أن الاختلاف في أصول الاعتقاد ضلال، أما في الفروع فقد اختلف الصحابة في الفروع في مسائل عديدة منها مسائل في الميراث، الجد مع الإخوة هذا حكمه لم يرد منصوصا في القرءان ولا على لسان رسول الله أنه إذا ترك الأخ إخوة وجدا له هل يرث الإخوة والجد أم يستبد الجد كما يستبد الأب دون الإخوة، أم يشاركهم الجد ولا يستبد دونهم في التركة، هذا اختلف فيه الصحابة. أبو بكر رضي الله عنه رأيه أن الجد كالأب فكما أن الأب يحجب الإخوة من الإرث كذلك الجد يحجب الإخوة من الإرث، وهناك اجتهاد مخالف لهذا أي أن الإخوة يشتركون مع الجد، هم يأخذون نصيبهم من التركة والجد يأخذ نصيبه من التركة، لا يحجب الجد الإخوة ولا الإخوة الجد، وهذا اجتهاد سيدنا علي وزيد بن ثابت، ثم الأئمة الذين جاؤوا بعدهم قسم اجتهادهم ذهب إلى اجتهاد أبي بكر وقسم ذهب اجتهادهم إلى اجتهاد علي رضي الله عنه.

أبو حنيفة أخذ باجتهاد أبي بكر، اجتهاده وافق اجتهاد أبي بكر، وأما الشافعي فنظر في المسألة فوافق اجتهاده اجتهاد علي وزيد، أما الرجل إذا ترك بنتا له وإخوة وأبناء إخوة له، هذه لم يختلفوا فيها أصحاب رسول الله ولا التابعون ولا أتباع التابعين، جاء عن سيدنا علي رضي الله عنه مسندا أنه قال في رجل ترك بنتا واحدة وترك مولى له (أي السيد الذي أعتقه لأنه كان عبدا مملوكا ثم أعتق)، المولى هو الإنسان الذي كان عبدا مملوكا وكان له سيد أعتقه، لما مات ما كان له من الورثة إلا بنتا واحدة وهذا المولى أي هذا السيد الذي أعتقه، فحسب سيدنا علي بأن البنت تأخذ النصف والمولى يأخذ النصف الباقي، وكذلك كل الصحابة على هذا كانوا، وكذلك الذين جاؤوا بعد الصحابة من أئمة الاجتهاد.

فالاختلاف في الفروع على طريق الاجتهاد المعتبر ليس فيه عيب، الاختلاف الذي ذمه الله تعالى في شأن أهل الكتاب اليهود والنصارى كان ذلك الاختلاف في أصول العقيدة لم يكن كاختلاف أمة محمد في الفروع بطريق الاجتهاد المعتبر، أما الاختلاف في الفروع من غير طريقه المعتبر أي الاجتهاد ممن هو أهل للاجتهاد فذلك معيب، لذلك الرسول ﷺ قال: «القضاة ثلاثة قاض في الجنة وقاضيان في النار» وقال: «قاض قضى بعلم بحق فهو في الجنة» رواه الطبراني والبيهقي والنسائي وغيرهم.

القاضي العدل الذي هو عالم بعلم الدين ويقضي على حسب العلم لا يحرف الحكم من أجل الرشوة ولا من أجل الصداقة أو القرابة هذا في الجنة. عالم ويحكم بعلمه هذا في الجنة، وقاض قضى بجور، قاض هو عارف لكنه قضى بجور هذا في النار أي يستحق النار، يستحق عذاب الله، وقاض قضى بجهل ليس عالـما فقضى بجهل هذا لو وافق الصواب عليه ذنب، لماذا تولى القضاء وهو ليس من أهل العلم، توليه منصب القضاء ذنب، معصية كبيرة، هذا الذي قال فيه الرسول «وقاض قضى بجهل فهو في النار».

وقد كان في أصحاب رسول الله ﷺ مع كثرتهم مائتا مجتهد فقط أو أقل لم يكونوا أكثر من مائتي شخص، وكان الذين رأوا رسول الله ﷺ في حجة الوداع مائة ألف نفس وكان في ذلك الوقت الذي اجتمع فيه برسول الله ﷺ مائة ألف نفس في أماكن متعددة مسلمون منهم من رءاه لكن ما حج معه ومنهم من لم يره.

إذا كان أهل ذلك العصر لم يبلغ درجة الاجتهاد منهم إلا هذا العدد فكيف من جاء بعدهم، أولئك ما كانوا يحتاجون لمعرفة صحة الحديث إلا أن يسمعوه من رسول الله أو يسمعوه ممن سمع من رسول الله ﷺ، ما كان عليهم كلفة البحث في الإسناد، أما من جاء بعدهم فيتكلف معرفة حال الإسناد من الصحابي الذي رواه، الذي سمعه من رسول الله ﷺ، ومن الذي سمع من الذي سمع من رسول الله ﷺ، فيه كلفة وعناء يحتاج إلى حفظ قوي، هؤلاء الأئمة الذين جاؤوا بعد الصحابة كالأربعة ما كانوا يعملون برأيهم ويقتصرون عليه بل كل واحد منهم تلقى علم الدين من شخص وذاك تلقى ممن قبله إلى الصحابة مع الاحتياط في معرفة أصل هذا الحديث، يعرفون حال من رواه ثم ينظرون فيما يعطيه هذا الحديث من المعنى فيستخرجون منه الأحكام، هذه طريقة الاجتهاد، ليست طريقة الاجتهاد أن يعمل الرجل فكره فيأخذ بما أعجبه، ليس هذا الاجتهاد.

وكان من اعتقاد الصحابة على أن المسلم الذي هو مؤمن بالله ورسوله ﷺ إذا أذنب ذنبا كبيرا ومات قبل التوبة فأمره إل الله إن شاء عذبه وإن شاء عفا عنه وأدخله الجنة كهذا الإسرائيلي الذي كان قبل سيدنا محمد ﷺ. سيدنا محمد حدث أصحابه بالوحي الذي أنزله الله عليه أن هذا الإسرائيلي الذي (كان من نسل يعقوب عليه السلام وكان مسلما) كان قتل مائة نفس ظلما ثم أراد التوبة قال له عالم من علماء ذلك العصر لما سأله: هل لي من توبة؟ قال له: ومن يحول بينك وبين التوبة، اذهب إلى أرض كذا فإن بها قوما صالحين، فندم على ما فعل من قتل تلك الأنفس المائة وتوجه إلى تلك الأرض فأدركه الموت في منتصف الطريق، فجاء ملائكة العذاب (لأنه لم يكن بلغهم أنه تاب) وملائكة الرحمة، هؤلاء يريدون أن يأخذوه وهؤلاء يريدون أن يأخذوه فاختصموا، فأرسل الله ملكا بصفة رجل من بني ءادم فحكم بينهم، قال لهم: قيسوا ما بين الأرضين فإلى أيهما وجدتموه أقرب فهو لها، فقاسوا فوجدوا هذا الشخص أقرب إلى الأرض التي هو ذاهب إليها بشبر، قال الرسول ﷺ: «فغفر له، فأخذته ملائكة الرحمة» رواه البخاري ومسلم وغيرهما([1]).

فهذا الذي قتل مائة نفس من المسلمين كان هو أيضا مسلما، وهو لا يعرف هؤلاء المائة الذين قتلهم ولا يعرف أقرباءهم، ففي هذه الحال يكفيه الندم والعزم على أنه لا يعود. أما في شرع محمد ﷺ فإن الشخص الذي قتل قتيلا واحدا ظلما أو أكثر من واحد ويعرف للقتيل ورثة عليه أن يسلم نفسه للورثة ليقتلوه إن شاؤوا ويسامحوه إن شاؤوا على الدية، أو على غير الدية بل مجانا ويندم على ما فعل وينوي أنه لا يعود، فإن قتل قصاصا فقد طهر، وإن عفي عنه على الدية فقد تاب الله عليه لأنه ندم ودفع الدية برضى أهل القتيل وإن سامحوه مجانا كذلك تاب الله عليه لأنه ندم وعزم أنه لا يعود. وإن قال لهم: أنا قتلت فلانا يبلغون أمره إلى الحاكم فيقول لهم الحاكم خذوا حقكم فيقتلونه بأيديهم أو يوكلون من شاؤوا لكن لا بد من إعلام الحاكم لأنه إذا لم يعلم الحاكم يخشى أن تتكرر الفتنة.

ومما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ أن المؤمن هو من ءامن بالله ورسوله مهما كان غارقا في المعاصي لأن المؤمن مأخوذ من الإيمان، والإيمان هو التصديق بما جاء به محمد ﷺ مع تجنب الكفريات، أما الكفريات من وقع فيها انسلب عنه اسم الإيمان فلا يطلق عليه مؤمن ولا يطلق عليه مسلم.

ومن أصول العقيدة التي لم يختلف فيها اثنان من أصحاب رسول الله ﷺ إثبات الشفاعة لمن مات مسلما. من مات مسلما عند أهل الحق من الصحابة ومن اتبعهم يشفع فيه نبي أو ولي أو شهيد إما قبل أن يدخل النار وإما بعد أن يدخل النار يخرجونهم بإذن الله.

هي الشفاعة قسمان: شفاعة بعد دخول النار بإخراج من دخلها من المسلمين العصاة، وشفاعة لمنع دخول النار. هذه الشفاعة اتفق عليها أصحاب رسول الله ﷺ، لم يكن بينهم خلاف، فالذين خالفوا في الشفاعة فقالوا: «لا أحد يشفع لمن مات وهو يرتكب الكبائر قبل التوبة، (هؤلاء ضالون خالفوا ما كان عليه أصحاب رسول الله ﷺ، ومن هؤلاء المعتزلة. ومما هو مهم تعليم الصغار قدر ما يستطيعون فهمه من علم التوحيد حتى إذا مرت بهم عواصف التشكيك والإلحاد لا يتأثرون بها لأن هذا يعصمهم ويحجزهم عن الـميل لهذه العواصف، فهم بتعلمهم يحتمون من الانجراف لتلك العواصف.

التقيت بشخص ينفي وجود الله ويقول بأن الطبيعة هي خلقت العالم، فقلت له: الطبيعة ليس لها إدراك ولا شعور كيف تخلق هذا الإنسان الذي له إدراك وشعور؟! فقال ذاك الشخص: صحيح، فورا سلم.

قال الإمام أبو جعفر الطحاوي رضي الله عنه في عقيدته المعروفة بين علماء أهل السنة قديما وحديثا منذ ألف ومائة سنة، كتاب «العقيدة الطحاوية» معروف بين علماء الإسلام، يقول: «ولا نكفر أحدا من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله»، يقول لمجرد أن مسلما أذنب ذنبا كبيرا أو صغيرا لا نكفره بل نقول مؤمن مسلم، «ما لم يستحله» أي: ما لم يعتقد أن ذلك الذنب حلال، أما إذا اعتقد أن ذلك الذنب حلال فنكفره لأنه كذب الله ورسوله باستحلاله، أما بفعله لا يكون تكذيبا لله ورسوله إنما يكون عصيان، نقول عصى الله ورسوله لا نقول كذب الله ورسوله.

قال بعض الشعراء في الخمر الذي هو ليس من عصير العنب بل من سائر الأشياء التي يتخذ منها الخمر كخمر الزبيب وخمر التمر وخمر العسل إلى غير ذلك من أنواع الخمور، قال هذا الشاعر مبكتا لبعض الناس الذين يعتبرون الخمر التي من غير عصير العنب حلالا إلا القدر الـمسكر بالفعل، لأنهم يقولون: القدر الـمسكر بالفعل من تلك الخمور حرام أما ما دون القدر الـمسكر من تلك الخمور فليس بحرام، تبكيتا لهؤلاء يقول هذا الشاعر:

فيشربها ويزعمها حلالا
وأشربها وأزعمها حراما

 

وتلك على الـمسيء خطيئتان
وأرجو عفو ربي ذي امتنان

 يقول عن هذا الذي يعتقد أن الخمر التي تتخذ من غير عصير العنب لا يحرم شربها إلا القدر الذي يسكر وما دون ذلك حلال، عن هذا يقول:

فيشربها ويزعمها حلالا

 

وتلك على الـمسيء خطيئتان

 هذا جمع ذنبين ذنب شربها وذنب استحلالها، هؤلاء متأولون تأولوا فأخطؤوا في التأويل ولولا تأويلهم لكفروا بهذا الاعتقاد بهذا الاعتقاد لكنهم متأولون يأولون النصوص التي وردت في الشرع أنها لا تحرم إلا القدر الذي يسكر من غير خمر العنب، أما دون القدر الذي يسكر فحلال، هكذا هم تأولوا، لذلك لا نكفرهم، ولولا تأويلهم لكفرناهم، ولولا أنهم تأولوا لكفرناهم بل هم قريبون من الكفر باعتقادهم هذا.

الإمام الشافعي رضي الله عنه يقول في هؤلاء: نقيم الحد عليهم من سكر منهم ومن لم يسكر نقيم عليه الحد، لكن لا نكفرهم لأنهم تأولوا فأخطؤوا، أما الذي يقول على الإطلاق الخمر ليست حراما فهذا كافر، وأما الذي يفصل فيقول: «الخمر الـمتخذة من عصير العنب فهي حرام، القليل منها حتى النقطة والكثير منها حرام، وأما الخمر المتخذة من غير عصير العنب فلا يحرم منها إلا القدر الـمسكر» هؤلاء لا نكفرهم لكنهم عصاة بقولهم وعصاة بفعلهم.

في الآية {فاجتنبوه} للتحريم، وأما {فهل أنتم منتهون} فهو زيادة في تأكيد التحريم، وفي قوله: {فهل أنتم منتهون} وعيد شديد.

وفي السنن الأربعة أبي داود والترمذي والنسائي وابن ماجه أن عمر بن الخطاب قال: «اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا»، فأنزل الله تعالى {يسألونك عن الخمر والميسر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس وإثمهمآ أكبر من نفعهما} [البقرة: 219] فقال عمر: «اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا»، ثم انزل الله تعالى: {يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارى حتى تعلموا ما تقولون} [النساء: 43] فقال: «اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا»، فأنزل الله تبارك وتعالى ءاية المائدة {يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون * إنما يريد الشيطان أن يوقع بينكم العداوة والبغضاء في الخمر والميسر ويصدكم عن ذكر الله وعن الصلاة فهل أنتم منتهون} [المائدة: 90، 91]. قال عمر: «انتهينا انتهينا»، بعد ذلك ما قال: «اللهم بين لنا في الخمر بيانا شافيا»، لأن هذا هو البيان الشافي الذي كان يطلبه، قوله تعالى: {فاجتنبوه} مع تلك الضميمة التي في الآية التي تلي هذه الآية {فهل أنتم منتهون}.

والحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصلى وسلم وبارك على سيدنا محمد وعلى ءاله وإخوانه الأنبياء والمرسلين. والله أعلم.

([1]) عن أبي سعيد الخدري أن نبي الله ﷺ قال: «كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب، فأتاه فقال: إنه قتل تسعة وتسعين نفسا، فهل له من توبة؟ فقال: لا،‏ فقتله فكمل به مائة، ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم، فقال: إنه قتل مائة نفس، فهل له من توبة؟ فقال: نعم، ومن يحول بينه وبين التوبة؟ انطلق إلى أرض كذا وكذا فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم، ولا ترجع إلى أرضك، فإنها أرض سوء،‏ فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فقالت ملائكة الرحمة: جاء تائبا (أي: قبلت توبته) مقبلا بقلبه إلى الله،‏ وقالت ملائكة العذاب: إنه لم يعمل خيرا قط،‏ فأتاهم ملك في صورة ءادمي فجعلوه بينهم، فقال: قيسوا ما بين الأرضين، فإلى أيتهما كان أدنى فهو له،‏ فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد، فقبضته ملائكة الرحمة».