الداء هو التطرف، والدواء هو علم أهل الحق الاعتدال، والطبيب هو العالم الثقة، والمريض هو المتطرف
بسم الله والحمد لله وصلى الله وسلم على رسول الله
أنا أحببتُ أن أتكلمَ بشىء تُكُلِّمَ به كثيرًا وأُلِّفَ فيه كثيرًا حتى إنّ منْ جملةِ ما أُلِّفَ عشرات الكتب تحمل هذا الاسم يعني في نبذ التطرف. لكنْ الواحدُ منا إذا بدأَهُ والكلامُ استُهلِكَ هذا يضيعُ به الوقت. إنّما أنا أتكلّمُ الآن بأمرٍ وهو أنّ هناك داء ودواء وطبيب ومريض. فإذًا إذا قسّمْنا هذا إلى أربعة داء ودواء وطبيب ومريض.
أمّا الداء فهو ما يُتكلَّمُ به في كلِّ المجالس، لكنْ اختلفت البلاد والأفكار في تشخيص وتعريف التطرّف. كل دولة وكل إنسان يقول أنا ضدُّ التطرف وهذا مفهومُه للتطرف غير هذا، وهذا يُفسِّرُه بطريقة، وهذا يفسِّرُه بطريقة.
الثاني الدواء، ما هو العلاج؟ كيف تعالج التطرف إنْ لم نُشَخِّص ما هو التطرّف فلن تجدَ الدواء المناسب لأنّ الطبيبَ، الآن مثلًا أكثر الأطباء يعتمدون على الصور والتحاليل ونحو ذلك وغابت عنهم التشخيصات الفعلية. فإذًا إذا شخّصْنا هذا الداء نعرف أنْ نُعطيَ الدواء.
وأما الطبيب فمن هو؟ هل كل إنسان أخذ شهادة؟ هل كل إنسان يضعُ عِمّة؟ هل كل إنسان ألّفَ كتابًا؟ هل كل إنسان وُضِعَ قبلَ اسمِه الدال أو أ.د. أو قيل عنه الشيخ؟ هل كل إنسان أعفى لِحيتَه أو لبِسَ الخاتَم وأطالَ السُّبْحة؟ هل كل إنسان باسمِ السلف أو التصوّفِ أو نحو ذلك هو الطبيب؟
ومن هو المريض؟ هل كل إنسان نُسِبَ إليه التطرف هو حقيقةً مُتطرّف؟ هل هو المريض فعليًّا؟
إذًا الإنسان منّا يا أحباب إذا أراد أنْ يكونَ مُنْصِفًا لا بدَّ أنْ يعرِفَ ما هو الداء والدواء المناسب لهذا الداء، لأنك تدخلُ أحيانًا عند طبيبٍ أنت ومريضٌ مِثلُك بنفْسِ المرض هذا الطبيبُ يُعطيكَ الدواء ويُعطي هذا المريض الدواء الآخر.
فإذًا لا بدّ باختصارٍ أنْ يكونَ الإنسان يعرف تعريف ما هو التطرف ما هو الغلوّ ما هو الإفراط والتفريط، ثم بعد ذلك يُشخِّصُ حالةَ هذا المرض في هذا الإنسان ثم يُعطيه الدواءَ المناسب.
لذلك يا أحباب إعداد العلماء المشايخ الدكاترة الأساتذة الباحثين الوعّاظ الخُطباء، لا بدّ أنْ يكونَ على منهجٍ مدروسٍ. لا يكفي أن ينالَ الشهادة ثم إذا أرادَ أنْ يُخَرِّجَ حديثًا يرجع إلى النت، إلى ما يسمى الشيخ غوغل، لا يكفي. هل هكذا صار الإنسان منا؟ تراه يحمِلُ الشهادة ومعه أستاذية أو معه منصِب أو أو أو أو يضعُ العِمّة أو تكون العِمّة هكذا -يعني كبيرة- ولكنْ في الحقيقةِ كلامُه ليس بمجرد لبِس العِمّة صار مقبولًا.
ليست الأرضُ تُقَدِّسُ أحدًا ولكنْ يُقَدِّسُ الرجلَ عملُه. وليست العبرة بما أنت تلبسُ منَ الزيّ والشيخُ أبو علي الروذباري رضي اللهُ عنه وأرضاه الذي كان شيخَ الجنيد البغدادي رحمه الله يقول:
الصُّوفيُّ مَنْ لبِسَ الصُّوفَ على الصَّفا
وسلك طريق المصطفى
وأذاقَ نفسهُ طعمَ الجفا
وجعلَ الدنيا منه على القفا.
فإذًا هل هذا الإنسان منّا إذا أردنا أن نُصلِحَه نَحبِسُه؟ لذلك يا أحباب كُتِب في هذا شىء مهم وهو أنه لا بدّ أنْ يتعاونَ العالم والحاكم. الحاكم إذا حَبس الآن المتطرفين ماذا يُقالُ فيه؟ يحبِسُ الإسلاميين فيحرّك الشعب والعوامّ الذين عندهم حميّة على الإسلام متعلّقون بالإسلام، يحرِّكهم ضدّ الحكم، فيعملوا ثورات بدعوى أنّ هذا الحاكم يحبِسُ الإسلاميين.
أمّا هم في الحقيقة يكفِّرون المسلمينَ بغيرِ حقّ ويفجِّرون. لذلك كان هناك مؤلَّفٌ صغيرٌ “رحلة التطرف من التكفير إلى التفجير”.
يعني هذا الإنسان كفّرَ كلَّ مَن سِواه فهِمَ مسئلةَ مثلًا الحاكمية أو مسئلة الخلافة على خِلافِ وجهِها فكفّرَ كلَّ مَنْ سواه.
حتى هم فيما بينَهم كما كنتم تسمعون في السجون يدخلُ وقتُ الصبح فتصلي أول جماعة تكفِّر الأولى فلا تصلّي الثانية خلفَها، وهكذا يخرجُ الوقت تشرق الشمس وبعضُهم لمْ يصلِّ بدعوى أنّ هؤلاءِ كفار فلا تصِحُّ الصلاةُ خلفَهم.
فإذًا الواحد منا لا بدّ أنْ يعرفَ كيف يُنقِذُ هذا الإنسان. فدورُ العالِم مهم يتكامل مع دور الحاكم. سيّدنا أبو بكر رضي الله عنه كان عالِمًا حاكمًا، سيّدُنا عمر سيِّدُنا عثمان سيِّدُنا عليّ، هؤلاء الراشدون كانوا وصلوا إلى درجة الاجتهاد. لكنْ ليس كلّ حاكم أعطاهُ اللهُ ذلك بعد هذا، قِلّة، كسيِّدِنا عمر بن عبد العزيز رضي الله عنه وأرضاه. لكنْ كثيرًا من الحكام ما بلغوا ما بلغَه هؤلاء الأوائل في العلم فاحْتيجَ إلى العلماء.
لذلك يا أحباب العلم به الإنسان يُنقِذُ البلادَ والعباد.
كيف معنى ذلك؟ هل مجرّد ننتهي بالمؤتمرات عند قراءةِ التوصيات؟ لا. وإنما لا بدّ من التنفيذ، فلا يؤذَن لهؤلاء المتطرفون الغلاة التكفيريون الشموليّون الذين يُلغونَ كلّ مَن سواهم لأنهم خالفوهم في بعضِ الأفكارِ، هؤلاء لا يُعطَونَ إذنًا بالخَطابة. فإذًا الذي يعطي هؤلاء الإذن في الخطابة مشاركٌ في نشر هذا التطرف شاء أم أبى.
لا يعطيهمْ إذنًا في إلقاءِ كلمة في مؤتمر في ندوةٍ في جامعةٍ في مدرسة. إذًا هذا مسؤول وزارة التربية مسؤولة وزارة العدل مسؤولة، الإفتاء مسؤولون الأوقاف مسؤولون، كلٌّ له دورُه. نعم، حتى البواب مسؤول. إذا طلَعت متفجِّرة في مكان هل يُعاتَب فقط البواب؟ لا، وإنما من المدير نزولًا كلٌّ له دورُه.
كلُّكم راعٍ وكلُّكم مسؤولٌ عن رعيّتِه
فإذًا يا أحباب سيّدُنا أبو إسحاق الإسفراييني رضي الله عنه وأرضاه في زمانِه ظهرت فتن بدعٌ اعتقادية، طلَع بعضُ الصوفية عاشوا بالجبال، في جبال لبنان، فطلع إليهم هذا العالِم الكبير رحمه الله وقال لهم: “يا أكلة الحشيش أتتركونَ دينَ محمد تعبثُ فيه الذئاب؟”
الآن تبعد عن الناس والناس تحتاجُك إذا ظهرت الفتن هكذا جاء في الأثر: “إذا ظهرت الفِتن وسكتَ العالِم لعنهُ الله”، يعني هذا الإنسان ما أدّى حقَّ اللهِ في هذه المهمة التي أوكِلَتْ إليه. فيا أحباب هذا الأمر طويلٌ نعم لكنْ باختصار كلٌّ له دورُه، الأستاذ في المدرسة كذلك له دورُه.
هل معنى ذلك المتطرف إذا شذّ هذا الفكر ننبُذُه ونُجلسُه في البيت ولا نتكلم معه؟ كذلك لا. لا بدّ من نقاشٍ فكريّ حتى نُخرِجَه من هذا الذي أُشرِبَه. يا أحباب أُشرِبوا في قلوبِهم حبَّ التكفيرِ بغيرِ حقّ.
فلذلك حتى تخرِجَهم من هذا لا بدَّ من أن تناقشَهم بالعلم وبالصبر عليهم حتى لا يكونَ بعد ذلك أداةَ تفجير.
نعم يا أحباب بارك الله فيكم وجزاكم اللهُ عنا كل خير.
البويطيّ هو تلميذ الإمام الشافعي رضي اللهُ عنهما وهذه المحنة دخل فيها الكثيرون مثل الإمام أحمد بن حنبل رضي اللهُ عنه وأحمد بن نصر الخزاعي وغيره. لكن أذكر البويطيّ لأمرٍ، هذا قال له شيخُه الشافعي رضي الله عنه “أنت في الحديد” هو قال لثلاثةٍ من تلاميذِه قال لواحد “أنت في الحديث” فطلع أقوى أهلِ عصرِه في علمِ الحديث، وقال للثاني “أنت في المناظرة” فكان في قوةِ المناظرة وإقامةِ الحجةِ بالدليل العقلي والنقلي كما قال الإمامُ الشافعي. الثالث قال له “أنت في الحديد” فامتُحِن محنةً أخِذَ من مصر إلى العراق مُكَبَّلًا بالسلاسل حتى يقولَ عبارة تحتمل معنَيَيْن، معنى فاسدًا يخالِف عقيدةَ القرآن ومعنى صحيحًا، ما قبِل أن يقولَ هذا ومع أنه إنْ أرادَ الصحيحَ ما عليه ضررٌ في العقيدة، لكنْ قال: وماذا أقولُ لمنْ قد يفهم المعنى الفاسد من كلامي؟
رأيتم يا أحباب، المراد هؤلاء بهم حمَى اللهُ الدِّين. لذلك كلّ واحد منّا عليه في محلِّه في منْصبِه أنْ يحفظَ هذا الدِّين على قدْرِ ما أوتِيَ. وبارك الله فيكم ولكم وعليكم، والسلام عليكم ورحمة الله.