الثلاثاء فبراير 24, 2026
  • الخيرات الحسـان في قيام ليل رمضـان

    الخطبة الأولى:

    الحمد لله الذي وفق من شاء لطاعته فجعل في العباد فريقا من أهل محبته، فكانوا مصابيح هداية وأعينوا إلى رضا الله وجنته، سلكوا طريق المصطفى، وكانت الدنيا منهم على القفا، قاموا في الليل قيام من يبكي وينوح، والدمع منسكب والجفن منهم مقروح، صبروا على مقطعات الصوف ولبس المسوح، فظهرت منهم أمارات الصدق تفوح، أولئك الذين جرت عبرات عيونهم والمدامع، وكانوا تتجافى جنوبهم عن المضاجع، يرجون رحمة ربهم ويخشون عقابه فقليلا من ترى منهم هاجع.

    والصلاة والسلام على سيدنا محمد إمام المتقين، وسيد المرسلين، حبيب رب العالمين، المرسل بالهدى والدليل الساطع، هاديا ومبشرا ومنذرا من عذاب واقع، وعلى ءاله وصحبه ومن تبعهم بإحسان ما سجد ساجد ورفع راكع.

    أما بعد، عباد الله ، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم.

    يقول الله عز وجل : ﴿ تتجافى جنوبهم عن المضاجع يدعون ربهم خوفا وطمعا ومما رزقناهم ينفقون، فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعملون ﴾ (السجدة/16-17).

    ويقول عز وجل أيضا : ﴿ قليلا من الليل ما يهجعون، وبالأسحار هم يستغفرون ﴾ (الذاريات /17-18) وفي الحديث عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم  قال: “أفضل الصلاة بعد المكتوبة قيام الليل” رواه مسلم.

    اعلم أن قيام الليل بالذكر والصلاة وتلاوة القرءان عادة الصالحين ودأب الأبرار سيما في شهر رمضان المبارك وفي العشر الأواخر منه بالتحديد فقد ثبت في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا دخل العشر شد مئزره وأحيا ليله وأيقظ أهله وفي هذا إشارة إلى أهمية الاجتهاد في الطاعة وعمل الخير سيما في أواخر هذا الشهر الكريم فليحرص المرء على الازدياد فيه من الأجور بصيام نهاره وقيام ليله ولو بثمان ركعات أو عشرين، وليبادر إلى إدراك الصبح والعشاء في جماعة لما في ذلك من الخير العظيم، فقد روى مالك في الموطأ قال بلغني أن ابن المسيب قال: “من شهد العشاء ليلة القدر يعني في جماعة فقد أخذ بحظه منها” ثم إن من بالغ في الطاعة في الليل فأكثر القيام وقراءة القرءان والذكر فقد ربح ربحا عظيما واقتدى بسيد البشر محمد صلى الله عليه وسلم فقد جاء أن النبي عليه الصلاة والسلام كان ينام بعد العشاء ثم يقوم بعد منتصف الليل فيصلي ثم ينام ثم يقوم فيصلي وفي صحيح مسلم عن حذيفة رضي الله عنه أنه صلى مع النبي صلى الله عليه وسلم فقرأ البقرة، وءال عمران، والنساء، في ركعة، وفي البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت: “كان النبي صلى الله عليه وسلم يصلي من الليل ثلاث عشرة ركعة منها الوتر”.

    وفي الصحيحين أيضا عنها قالت:” كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي ما بين أن يفرغ من صلاة العشاء إلى الفجر إحدى عشرة ركعة يسلم بين كل ركعتين ويوتر بواحدة”.

    وهنا يظهر مدى فضيلة قيام الليل وشرف ذلك وأنه سنة من سنن المصطفى عليه الصلاة والسلام ولذا فطوبى لمن فعل ذلك واغتنم هذا الشهر بالتحديد فأكثر فيه من قيام الليل فإنما الأعمار ماضية بما يقدم فيها المرء لنفسه فٱجهد لنفسك أخي المسلم عملا صالحا تجزى به وانظر ماذا عملت وماذا قدمت وما أعددت بل أين أنت من أهل الصلاح والولاية فٱنظر إلى من فوقك في الرتبة لتزيد عندك الهمة على الطاعات.

    فقد روي أن بعض السلف كان يختم القرءان في قيام رمضان كل ثلاث ليال وبعضهم في كل سبع وكان السلف يتلون القرءان في شهر رمضان في الصلاة وغيرها وكان النخعي يقرأ القرءان في ليلتين في رمضان وخاصة في العشر الأواخر منه وكان للشافعي في رمضان ستون ختمة يختم فيها القرءان ومما يذكر عن وهيب بن الورة قال: قيل لرجل ألا تنام فقال: إن عجائب القرءان أخرن نومي وفي الموطأ أن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يصلي الليل ما شاء الله أن يصلي حتى إذا كان نصف الليل أيقظ أهله للصلاة يقول لهم الصلاة الصلاة ويتلو هذه الآية ﴿ وأمر أهلك بالصلاة وٱصطبر عليها ﴾ (طه / 132) وعن سيدنا عثمان بن عفان رضي الله عنه أنه كان يقوم بالليل فيختم القرءان كله في ركعة.

    وروي عن ٱمرأة حبيب أبي محمد أنها كانت تقول له بالليل “قد ذهب الليل وبين أيدينا طريق بعيد، وزاد قليل وقوافل الصالحين سارت قدامنا ونحن قد بقينا”.

     

    يـا نائم الليل كم ترقد                 قم يا حبيبي قد دنـا الموعـد

      وخذ من الليل وأوقاتـه                 وردا إذا مـا هجـع الرقـد

       من نـام حتى يتقضى ليله                لم يبلغ المنـزل أو يجهـد

    وقال ءاخر:

    ألا يا نفس ويحك ساعديني               بسعي منك في ظلم الليـالي

            لعلك في القيـامة أن تفوزي                بطيب العيش في تلك العلالي

     

    رضي الله عن السلف الصالح ما أشد هممهم وتقواهم لقد عملوا للجنة كأنهم يرونها وحذروا النار كأنها بين أعينهم فمع أداء الواجبات تامة من علم وصلاة وصيام وٱجتناب المحرمات تحركت هممهم نحو الطاعات الأخرى نحو الزيادات من النوافل ألم يرد في الحديث القدسي “من عادى لي وليا فقد ءاذنته بالحرب وما تقرب إلي عبدي بشىء أحب إلي مما ٱفترضت عليه ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه” الحديث رواه البخاري، عن أبي هريرة، فلجأوا إلى الإكثار من النوافل التي من أعظمها قيام الليل. يروى في بطون الكتب أن أما كان لها ٱبنان فكانوا يقومون الليل ثلاثة أثلاث تقوم الأم في ثلث فتقرأ ما تيسر من القرءان ثم يقوم الإبن الأول فيقرأ ما تيسر له أن يقرأ ثم يقوم الإبن الثاني فيقرأ ما تيسر له أن يقرأ أيضا فحصل أن توفيت الأم فما كان من هذين الأخوين إلا أن قسما الليل بينهما يقوم هذا في ثلث فيقرأ نصف القرءان ثم يقوم الآخر في ثلث فيقرأ النصف الثاني إلى أن توفي أحدهما فصعب على الأخ الباقي أن يترك قراءة القرءان وختمه في كل ليلة في البيت فصار يقوم الليل كله يختم القرءان.

    سبحان الله  ورضي الله عن الأولياء الصالحين.

    من يرد فوز الجنـان                   فليدع عنه التواني

    وليقم في ظلمة الليل                  إلى نور القرءان

    وليزد صوما بصـوم          إن هذا العيش فاني

     

    فاغتنم أخي المسلم ذلك الخير سيما في هذه الأيام فلقد قيل:

    أتى رمضان مزرعة العباد             فزد في الخير واحذر من فسـاد

    وأد حقوقه قولا وفعـلا                          وزادك فٱتخـذه للمعـاد

    فمن زرع الحبوب وما سقاها                           تأوه نادما يوم الحصـاد

     

    فٱجهد أخي المؤمن لنفسك عملا تجزى به خيرا يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم وختاما نذكر للفائدة أن من جملة الأسباب التي تيسر لك أمر قيام الليل أن لا تكثر من الأوزار بالنهار فإن ذلك مما يقسي القلب وٱحذر الذنوب ما ٱستطعت فإنها تمرض النفس فقد ذكر أن رجلا قال للإمام الحسن البصري رضي الله عنه “لا أستطيع قيام الليل فصف لي دواء، قال: لا تعص بالنهار وهو يقيمك بين يديه بالليل”. ومما يساعد عليه ذلك أيضا كثرة التفكر بذكر الموت وأهوال القيامة وقصر الأمل وأن هذه الدنيا إلى زوال لا بد للمرء أن يتزود منها بصالح الأعمال التي تنفعه غدا ولا يكسل فإنما الدنيا مزرعة الآخرة وقد قال سيدنا علي كرم الله وجهه: “ارتحلت الدنيا وهي مدبرة، وٱرتحلت الآخرة وهي مقبلة، فكونوا من أبناء الآخرة ولا تكونوا من أبناء الدنيا، اليوم العمل ولا حساب وغدا الحساب ولا عمل”.

     

    اللهم توفنا مسلمين وألحقنا بالصالحين. والحمد لله رب العالمين.

    هذا وأستغفر الله لي ولكم .

     

    الخطبة الثانية:

    إن الحمد لله نحمده ونستغفره ونستعينه ونستهديه ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأشهد أن محمدا عبده ورسوله صلوات الله وسلامه عليه وعلى كل رسول أرسله.

    أما بعد، عباد الله ، أوصيكم ونفسي بتقوى الله العلي العظيم.

              يقول الله تعالى في كتابه العزيز : ﴿ يا أيها الناس اتقوا ربكم إن زلزلة الساعة شىء عظيم، يوم  ترونـها تذهل كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها، وترى الناس سكارى وما هم بسكارى ولكن عذاب الله شديد ﴾.

              واعلموا أن الله أمركم بأمر عظيم أمركم بالصلاة على نبيه الكريم فقال : ﴿ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين  ءامنوا صلوا عليه وسلموا تسليما ﴾ اللهم صل على محمد وعلى ءال محمد كما صليت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم وبارك على محمد وعلى ءال محمد كما باركت على إبراهيم وعلى ءال إبراهيم إنك حميد مجيد، اللهم إنا دعوناك فٱستجب لنا دعاءنا فاغفر اللهم لنا ذنوبنا وإسرافنا في أمرنا اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات الأحياء منهم والأموات ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار اللهم اجعلنا هداة مهتدين غير ضالين ولا مضلين اللهم استر عوراتنا وءامن روعاتنا وٱكفنا ما أهمنا وقنا شر ما نتخوف.

    عباد الله إن الله يأمر بالعدل والإحسان وإيتاء ذي القربى وينهى عن الفحشاء والمنكر والبغي، يعظكم لعلكم تذكرون. أذكروا الله العظيم يذكركم وٱشكروه يزدكم، وٱستغفروه يغفر لكم واتقوه يجعل لكم من أمركم مخرجا، وأقم الصلاة.