الخميس فبراير 19, 2026

الخامسة والعشرون: غزوة حنين (هوازن)

وتلا فتح مكة في الغزوات (حنين) أي غزوتها، وتسمى غزوة هوازن، وحنين بالتصغير واد قبل الطائف بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا، وقيل([1]): واد بجنب ذي الـمجاز([2]). وفي خبرها أنه لما فرغ رسول الله ﷺ من فتح بلغ هوازن ما حل من أمر الفـتح، فجمع هوازن مالك بن عوف النصري من بني نصر بن معاوية، واجتمع إليهم بنو نصر وبنو جشم وبنو سعد بن بكر وثقيف وطائفة من بني هلال بن عامر، وحمل بنو جشم معهم كبيرهم دريد بن الصمة في هودج، وهو يومئذ ابن مائة وستين سنة ضعيف الجسم، يبتغون رأيه في المعركة. وجعلت الرئاسة في جميع العسكر إلى مالك بن عوف، وساق الكفرة معهم أموالهم وماشيتهم ونساءهم وأولادهم رغبة في اشتداد شوكتهم.

فبلغ رسول الله ﷺ أن هوازن أقبلت لحربه في أربعة ءالاف، وفي قول: كان المشركون أربعة وعشرين ألفا([3])، فعزم ﷺ على الـمسير إليهم يوم السبت لست ليال خلون من شوال في اثني عشر ألفا من المسلمين، عشرة ءالاف من أهل المدينة، وألفان ممن أسلم من أهل مكة، وخرج معه ﷺ ثمانون م، الـمشركين، منهم صفوان بن أمية وسهيل بن عمرو.

ووصل رسول الله ﷺ والجيش إلى حنين ليلة الثلاثاء لعشر خلون من شوال، فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر أصحاب النبي ﷺ، فرجعوا إلى مالك وقد تفرقت أوصالهم من الرعب، ووجه رسول الله ﷺ عبد الله بن أبي حدرد الأسلمي فدخل عسكر العدو وطاف بهم فسمع مالكا وهو يوصي أصحابه يقول: إذا أصبحتم فاحملوا على القوم حملة رجل واحد، واكسروا أغماد السيوف، واجعلوا مواشيكم صفا ونساءكم صفا ثم احملوا على القوم، فأتى ابن أبي حدرد رسول الله ﷺ وأخبره الخبر، فبعث رسول الله ﷺ لصفون بن أمية قائلا: «يا صفوان هل عندك سلاح؟»، فقال صفوان: أعارية أم غصب، فقال ﷺ: «بل عارية مضمونة»، فأعاره صفوان ما بين ثلاثين إلى أربعين درعا، وقيل: مائة درع بأداتها، ففقد بعضها في الغزو فقال النبي ﷺ: «إن شئت غرمناها لك»، قال: لا يا رسول الله، إن في قلبي من الرغبة في الإسلام اليوم ما لم يكن حينئذ، واستعار ﷺ من ابن عمه نوفل بن الحارث بن عبد المطلب ثلاثة ءالاف رمح.

فلما أصبحوا وقد دنوا من محل العدو صف رسول الله ﷺ الجيش ووضع الألوية والرايات مع الـمهاجرين والأنصار، وركب رسول الله ﷺ بغلة له شهباء، فاستقبل الصفوف وأمرهم وحضهم على القتال، ثم بشرهم بالفتح إن صبروا وصدقوا، فبينما هم على ذلك قال دريد بن الصمة لمالك بن عوف: اجعل لك كمينا يكون لك عونا فإن حمل القوم عليك جاءهم الكمين من خلفهم وكررت أنت بمن معك، وإن كانت الحملة لك لم يفلت من القوم أحد، فحمل الـمشركون على الـمسلمين حملة رجل واحد، وكانت هوازن أناسا رماة لا يكاد يسقط لهم سهم([4])، فجال المسلمون جولة وأدبر منهم من أدبر، ولم يبق مع رسول الله ﷺ حين أدبر الناس إلا عدد قليل([5]).

وكان العباس رضي الله عنه ءاخذا بلجام بغلة رسول الله ﷺ، فأمره ﷺ أن ينادي في الناس، فنادى العباس: يا معشر الأنصار، يا أصحاب السمرة، يا أصحاب سورة البقرة – وكان العباس رضي الله عنه رجلا صيتا – فلما سمع المسلمون نداءه أقبلوا كأنهم الإبل إذا حنت على أولادها حتى صاروا مائة فاستقبلوا العدو والتحم القتال، فأشرف رسول الله ﷺ ينظر إلى الالتحام وقال: «الآن حمي الوطيس»، ونادى ﷺ وهو على بغلته: «أنا النبي لا كذب، أنا ابن عبد الـمطلب»، وتناول ﷺ حصيات من الأرض وقال: «شاهت الوجوه» فرمى بها في وجوه الـمشركين، فما منهم من إنسان إلا امتلأت عيناه من تلك القبضة، وفي رواية أنه ﷺ قال: «انهزموا ورب محمد»، فولى الكفار مدبرين.

وروي أنه ﷺ لم ينزل عن دابته لقبض الحصى بل قال: يا عباس ناولني من الحصباء، فانخفضت به بغلته منقادة حتى كادت تمس الأرض ببطنها، فقبض ﷺ القبضة من الحصباء.

واستحر القتل في بني مالك من ثقيف فقتل منهم يومئذ سبعون رجلا مهم رئيساهم ذو الخمار وأخوه عثمان، واستحر القتل أيضا في بني نصر بن معاوية، وهرب مالك بن عوف النصري في جماعة من قومه ودخل الطائف مع ثقيف، وعسكر بعض المشركين الفارين بأوطاس وتوجه بعضهم نحو نخلة، وتبعت خيل المسلمين من سلك طريق نخلة من المشركين.

وأدرك ربيعة بن رفيع السلمي دريد بن الصمة فأخذ بخطام جمله وهو يظن أنه امرأة لكونه في هودج فإذا هو رجل، فأناخ به وهو لا يعرفه، فقال له دريد: ما تريد؟ قال: أقتلك، قال: وما تريد إلى الـمرتعش الكبير الفاني؟ قال: ما أريد إلا ذاك، فقال دريد: من أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمي، ثم ضربه فلم يغن شيئا، فقال دريد: بئس ما سلحتك أمك، خذ سيفي من وراء الرحل في الهودج فاضرب به وارفعء عن العظم واخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال، ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة بسيفه.

وأمر رسول الله ﷺ بالسبايا والأموال فجمعـ بالجعرانة، وبعث في ءاثار من توجه نحو أوطاس أبا عامر الأشعري فأدرك بعض الفارين من المشركين يرمون كل من لقوه، فرمي أبو عامر رضي الله عنه بسهم فقتل، فأخذ برايته بعده أبو موسى الأشعري فقاتلهم حتى هزمهم.

واستشهد من المسلمين يوم حنين أربعة وقتل من المشركين أكثر من سبعين قتيلا، وأنزل الله عز وجل في شأن هذه الغزوة: {لقد نصركم الله في مواطن كثيرة ويوم حنين إذ أعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين} [التوبة:25]، وسبب نزول ذلك أن رجلا من بني بكر قال: «لو لقينا بني شيبان ما بالينا، ولا يغلبنا اليوم أحد من قلة»، إعجابا بكثرتهم.

([1]) معجم البلدان، ياقوت الحموي، (2/313).

([2]) بفتح الـميم وتخفيف الجيم اسم موضع لهذيل خلف عرفة، قاله في «معجم البلدان» (5/55).

([3]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (5/341).

([4]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (5/134).

([5]) المصدر السابق، (5/131).