الأربعاء يناير 28, 2026

الخاتمة

تبين في هذا البحث أن مقالة التجسيم مقالة باطلة فاسدة كفرية لا خلاف في تكفير معتقدها وقائلها، وقد نشأت من الخوض في ما تشابه من نصوص الكتاب والسنة، وثبت بطلانها لما دلت عليه القواطع المعقولة، والنصوص المنقولة.

وتبين أن اعتراض المخالف لا يقدح في صحة هذه الأدلة التي تعاقب على إظهارها وصيانتها وتجويد صياغتها العقلاء الأذكياء من علماء أهل السنة والجماعة، الذين لم يتركوا للمخالف خيارا في الاعتراض إلا بالمكابرة أو التلاعب بالألفاظ والمعاني.

واستند المخالف إلى شبه وأحكام وهمية مبناها على قياس ما لم يره على ما رآه، وكذب بوجود موجود خالق لا يشبه مخلوقاته. ولذلك تقحم بعض المنتسبين زورا إلى الإسلام قديما وحديثا في الخوض في المتشابه فوقعوا في الضلال والكفر ومحاربة القرآن الكريم وحديث النبي ﷺ الصحيح الثابت، فخرجوا إلى أقوال مضطربة شنيعة كفرية أيدوها بأخبار سكتوا عن نكارة متونها، وغضوا الطرف عن موضوع أسانيدها، ثم أرادوا تحصين هذا المزلق بنسبته إلى السلف الصالح المنـــزه تارة، وإلى المحدثين تارة، وإلى الإمام أحمد رضي الله عنه تارة أخرى، وجمعوا لذلك آثارا وأقوالا غلطوا وضلوا في فهمها ونسبوها إلى السلف الصالح وجهابذة المحدثين وأكابر الحنابلة، وقد ثبتت براءة هؤلاء مما نسب إليهم بثبوت التأويل والتفويض عنهم، وبعجز المخالف عن نقل نص واحد يثبت عنهم التصريح بهذا النهج الباطل الذي نسبوه إليهم.

والحكاية عن أهل الحديث في هذا المقام استعارة وتهويل، إلا أن يكون المراد بأهل الحديث بعض المحدثين المشبهين لله تعالى بخلقه الذين خالفوا نهج المحدثين المنــزهين مثل الضال ابن تيمية، فوصلوا إلى نسبة الحركة والمقدار والجهة والمماسة والصورة والثقل والمسافة وغيرها من لوازم الجسم إلى الله القديم، والعياذ بالله من الكفر والضلال، ثم عمدوا إلى جمع الأخبار المتفرقة المتفاوتة دلالة وثبوتا وجعلوا ما جاء في كتاب الله عز وجل من الاستواء، نحو ما جاء في الإسرائيليات من القعود على العرش وحصول الأطيط من ثقل الجبار فوقه على زعمهم! وهذا كفر وضلال.

أما الحكاية عن الحنابلة فقد تبين أن بين رجالات الحنابلة والمنتسبين إليهم من كان موغلا في التشبيه والتجسيم، فكشف المحققون منهم ذلك التدليس واجتهدوا في دفع شبه من شبه وتمرد، ونسب ذلك إلى الإمام أحمد زورا، ودفعوا بأكف التنـزيه غياهب التجسيم ولهجوا بالبراءة من هؤلاء المنتسبين، فتبين شذوذ مسلكهم فلم تقم لأولئك المجسمة قائمة، حتى نهض ابن تيمية في ترميم هذه المقالة وأطال النفس فيها بما لم يسبقه إليه أحد قبله، ولم يزد عليه أحد بعده حتى الساعة، وتبعه تلميذه ابن قيم الجوزية الذي كان مجرد صدى له.

ومن هنا برزت الحاجة إلى رد ما أحدثه ابن تيمية المجسم والمشبه من الاعتراض على أهل التنـزيه والتوحيد أهل السنة والجماعة، وما رمم به الشبه البالية، فتبين أنه بذل جهدا واسعا فلم يزدد بهذا التوسع إلا تناقضا، فما يعده في موضع مخالفا لكتاب الله وسنة رسوله ﷺ وأقوال الأئمة والسلف والعقل، يعده في موضع آخر قولا ظاهرا مؤيدا بما كان مخالفا له من قبل، وقد تقدمت أمثلة ذلك.

ولم يكتب لحملة ابن تيمية المجسم في عصره الانتشار كمثل الانتشار الذي كتب لها في العصر الحديث الذي شهد اهتماما واسعا بمؤلفاته نشرا وتعليقا وتوزيعا بسبب بعض الزائغين، وكتبت حول اعتقادات التشبيه والتجسيم مئات الرسائل الجامعية بعضها من جنس ما ذكره ابن تيمية المجسم، لم يزد فيها الباحثون دليلا ولا اعتراضا ولا مقدمة، واهتم آخرون في التعليق على المؤلفات البائسة مثل كتاب «السنة» المنسوب إلى عبد الله ابن الإمام أحمد الذي تضمن من التجسيم ما تضمن مما لا يخفى على مسلم موحد منزه، ولكن مع ذلك زعم المشبهة المجسمة أنه من المصادر السلفية التي يجب أن تحتل مكان الصدارة في المكتبة الإسلامية بعد كتاب الله! وأي جهل وضلال هذا، وتصدى آخرون للطعن بمذهب الأشاعرة والماتريدية من أهل السنة والجماعة. ونشروا كل هذا الجهد في مكتبات العالم الإسلامي ومساجده بالمجان، بل ببذل المال لمن نشره، وسخروا الحاسب الآلي في خدمة منهجهم الفاسد وفكرهم التكفيري ومحاربة مخالفيهم.

وقد ظهر في هذا البحث حاجة المكتبة الإسلامية إلى جهد علمي غيور واسع يقابل هذا الجهد الخبيث الذي حاول فيه المجسمة تزييف مذهب أهل السنة والجماعة. ومن متطلبات هذا الجهد:

أولا: العناية بكتب أهل السنة والجماعة أمثال كتاب «الأسماء والصفات» للحافظ البيهقي الأشعري رحمه الله، لأن هذا الكتاب يجمع بين طريقة المحدثين وطريقة المتكلمين في التعامل مع أحاديث العقائد المتعلقة بالصفات، وكتاب «المقالات السنية في كشف ضلالات أحمد بن تيمية» لشيخنا شيخ الإسلام عبد الله الهرري رحمه الله، فإنه بين فيه بعض مقالات الضال ابن تيمية التي شذ بها عن معتقد أهل السنة والجماعة، مع الرد العلمي بالحجة والبرهان، بالإضافة إلى إيراد أسماء عشرات العلماء الذين ردوا على ابن تيمية وعلى مشبهة العصر الوهابية، فكان من المهم الاطلاع على كتاب المقالات السنية لـما فيه من هدم لدين هؤلاء المشبهة الفاسد بالدليل القاطع.

ثانيا: إفراد مسلك التأويل الإجمالي بالبحث في رسائل تنشر في كل وسائل الإعلام المقروءة والمسموعة والمرئية، تبين حقيقة هذا المسلك وأدلته والآثار المنقولة عن السلف الصالح فيه، بما يؤكد نفي الشبيه والجسم وبقية صفات المخلوقات عن الله تعالى، وأن من السلف من أول تأويلا تفصيليا.

ثالثا: تخصيص كتب من كتب المشبهة كالكتاب المسمى «بيان تلبيس الجهمية» لابن تيمية المجسم بالنقد العلمي والتفنيد والرد على الشبه التي فيه، لأن هذه الكتب من المصادر الكبيرة التي اعترض فيها مؤلفها المجسم ابن تيمية على أدلة التنـزيه.

رابعا: دراسة الكتب المتصلة بهذا البحث والتعليق عليها ككتاب «السيف الصقيل» للحافظ السبكي مع شرحه «تبديد الظلام المخيم» للكوثري، فقد تضمن هذا الكتاب مع شرحه فوائد عظيمة في التنبيه على مخايل القوم وأغاليطهم، وتحتاج هذه الفوائد إلى ضرب من الخدمة والشرح والتعليق لإتمام الانتفاع بها.

خامسا: تضمن كتاب «طبقات الشافعية الكبرى» لابن السبكي كثيرا من الفوائد المتناثرة التي أجاب فيها بعض المعاصرين لابن تيمية المجسم عن بعض مسائله، فتحتاج هذه المنثورات إلى جمع ودراسة مع التعريف بمنزلة من تصدى للرد على ابن تيمية ومبلغهم من العلم، لأن المشبهة أوهموا العوام بأن حسد الجهال هو الذي دفع إلى التصدي لابن تيمية المجسم، فيحتاج الأمر إلى من ينقل رد السبكي مع التعريف بمكانته ووجاهته في علوم الحديث واللغة والفقه والأصول والوعظ، وينقض هذه الدعوى.

سادسا: تبرز الحاجة أيضا إلى التصنيف ردا على ابن القيم المجسم في كتابه المسمى «اجتماع الجيوش» الذي اغتر به بعض الجهلة.

سابعا: نشر المفاهيم الصحيحة، ومنها أن علم الدين يؤخذ بالتعلم لا بالمطالعة، ولا بمجرد مشاهدة الفضائيات التي لا يراعى في أغلبها تصدير المشايخ ذوي الكفاءة، وأنه يجب على كل مكلف أن يتعلم من علم الدين قدرا لا يستغني عنه كل فرد من المكلفين، وهو ينقسم إلى علم العقيدة وعلم الأحكام. ومن الواجب على المكلف معرفته واعتقاده من أمور العقيدة الإيمان بالله وبما جاء عن الله، والإيمان برسول الله ﷺ وبما جاء عن رسول الله، كمعرفة وجود الله وصفاته الواجب معرفتها وتنزيهه تعالى عما لا يليق به ونحو ذلك، وتصديق الرسول محمد ﷺ بكل ما جاء به عن الله من أخبار الأمم السابقة والأشياء التي تحصل في البرزخ ويوم القيامة، وما علمنا إياه من أمور الحلال والحرام الظاهرة ونحو ذلك، ومعرفة الأشياء التي تخرج من الإسلام من أنواع الكفر كي يجتنبه. ومن الواجب معرفته من الأحكام: معرفة أحكام الصلاة من شروط وأركان ومبطلات والطهارة ونحو ذلك. فمعرفة هذه المبادئ أمر ضروري، لا يجوز للمكلف التساهل فيها بترك تعلمها، أو بأخذها على غير الوجه الشرعي بل لا بد من تلقيها من ثقة يميز الحق من الباطل والحلال من الحرام، ومن ثم قال ابن سيرين: إن هذا العلم دين فانظروا عمن تأخذون دينكم. اهـ، ولا تكفي المطالعة في الكتب، لأنه قد يكون في هذه الكتب التي يطالعها الشخص دس وافتراء على الدين، أو قد يفهم منها أشياء على خلاف ما هي عليه عند السلف والخلف على ما تناقلوه جيلا عن جيل من الأمة فيؤدي إلى عبادة فاسدة، أو يقع في تشبيه الله بخلقه والتمثيل والكفر والضلال. وعلى كل فليس مجرد قراءة الكتب ومشاهدة الفضائيات سبيل التعلم الذي نهجه السلف والخلف.

إذا لا بد من تعلم أمور الدين من عارف ثقة يكون أخذ عن ثقة وهكذا بالإسناد حتى يصل إلى الصحابة، فإن الذي يأخذ الحديث من الكتب يسمى صحفيا، والذي يأخذ القرآن من المصحف يسمى مصحفيا ولا يسمى قارئا([1]).

ولو سمع من عالم كلام مخالف للشرع فعلى السامع أن ينبهه على خطئه، إن كان تنبيهه لا يجر إلى مفسدة أعظم من ذلك، فقد قال الله تبارك وتعالى: كنتم خير أمة أخرجت للناس تأمرون بالمعروف وتنهون عن المنكر وتؤمنون بالله {110} (آل عمران). فقد مدح الله تبارك وتعالى أمة النبي محمد ﷺ بهذه الصفة. وإن العالم التقي الناصح للناس الشفيق على دينه الورع الذي يخاف الله إذا أخطأ فبين له خطؤه – ولو أمام جمع من الناس – يعود عنه ويبين للناس ذلك.

فقد خطب([2]) عمر بن الخطاب رضي الله عنه في الناس مرة فحمد الله تعالى وأثنى عليه وقال: «ألا لا تغالوا في صداق النساء، فإنه لا يبلغني عن أحد ساق أكثر من شىء ساقه رسول الله ﷺ أو سيق إليه إلا جعلت فضل ذلك في بيت المال»، ثم نزل فعرضت له امرأة من قريش فقالت: يا أمير المؤمنين، أكتاب الله تعالى أحق أن يتبع أو قولك؟ قال: بل كتاب الله تعالى، فما ذاك؟ قالت: نهيت الناس آنفا أن يغالوا في صداق النساء، والله تعالى يقول في كتابه: وءاتيتم إحداهن قنطارا فلا تأخذوا منه شيئا {20} (النساء). فقال عمر رضي الله عنه: «كل أحد أفقه من عمر» مرتين أو ثلاثا، ثم رجع إلى المنبر فقال للناس: «إني كنت نهيتكم أن تغالوا في صداق النساء، ألا فليفعل رجل في ماله ما بدا له» اهـ.

وفي الختام يجدر التنبيه إلى أن ما ورد في هذا الكتاب من تكرار لبعض المعلومات أو العبارات أو الأقوال، فهو متعمد، لأن سياق العناوين يتطلب ذلك.

والله نسأل، وبنبيه عليه الصلاة والسلام نتوسل، أن يرزقنا نيات خالصات لوجهه الكريم، وأن يجعل في هذا الكتاب النفع العميم في تنزيه الله عن التشبيه والتجسيم.

كما نرجو من كل الغيارى على دين الله عز وجل أن يزودونا بملاحظاتهم وزياداتهم، وأن يتواصلوا معنا عبر هذا البريد الإلكتروني:

Sh_Tarek_Laham@hotmail.com

ولا أنسى في الختام أيضا شكر كل من ساعدني في إنجاز هذا الكتاب، سائلا الله لي ولهم غفران الذنوب، وتنوير القلوب والدروب.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الأنبياء والمرسلين سيدنا محمد، وعلى آله وصحبه الطيبين الطاهرين.

[1] ) الجرح والتعديل، ابن أبي حاتم، 2/31.       الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، ص97. فتح المغيث شرح ألفية الحديث، السخاوي 2/262.

[2] ) سنن البيهقي الكبرى، البيهقي، 7/233.