تبين أن هناك الكثير الكثير من المؤلفات المحشوة بالأكاذيب والأضاليل والأباطيل التي قد تكون إما مدسوسة على أصحابها، وإما من تأليف من كتبها، لذا كان الواجب التحذير من مطالعة كتب التفاسير وغيرها قبل الوصول إلى أهلية ذلك بأن يبلغ المرء درجة التمييز في العلم.
وليعلم أن كثيرا من الناس كان سبب هلاكهم أنهم يطالعون في الكتب لأنفسهم دون أن يرجعوا إلى عالــــم يقرؤون عليه ويصلح لهم ما في الكثير من الكتب من الفساد، فإن كثيرا من الكتب تحوي مفاسد وقد ألفت باسم الدين، وبعض الكتب أصولها صحيحة لكن أدخل عليها بعض الملاحدة كلمات فاسدة من قالها أو اعتقدها ضل وكفر والعياذ بالله، يقول الله تبارك وتعالى: {ولكن كونوا ربانيين} [آل عمران: 79]، معناه: الذين يبدؤون بصغار العلم ثم بكباره، فلا ينبغي لطالب العلم أن يبدأ بالمطولات قبل المختصرات حتى لا يفهم شيئا على خلاف وجهه. وكتب أهل العلم مختصرات ثم متوسطات ثم مطولات، فيخشى على المبتدئ إذا بدأ بالمطولات أن يضل لعدم فهمه الأمر على ما هو عليه. بالإضافة إلى كثرة الأغلاط المطبعية التي حشيت بها الكتب، الأمر الذي يؤدي في كثير من الأحيان إلى فساد المعنى.
فقد حصل من رجل كان يطالع في صحيح البخاري وحده فقال كلمة كفرية، قال: «كيف تقولون الانتحار حرام والرسول أراد أن ينتحر» وذلك لسوء فهمه وانشغاله بالمطالعة لنفسه دون الرجوع إلى أهل العلم. والذي في البخاري هو أن الرسول ﷺ لـما انقطع عنه الوحي زمانا هم أن يلقي بنفسه من ذروة جبل، ومعنى ذلك أنه كان يعتقد أنه إن فعل ذلك لا يحصل له أدنى ضرر، وإنما أراد من ذلك تخفيف الشوق الحاصل له كما تقدم بيانه.
ثم إن الأعمال لا تقبل عند الله إلا أن توافق الشريعة، وموافقة الشرع وعدم موافقته لا تعرف إلا بالعلم، والعلم لا يؤخذ إلا من أفواه العلماء، ولا تكفي مطالعة الكتب بغير تلق من أفواه العلماء؛ بل كثير من الناس يضلون بسبب أنهم لا يتلقون علم الدين من أفواه العلماء؛ بل يعتمدون على المطالعة في مؤلفات العلماء، فكيف الذي يطالع في الكتب التي حشيت بالأحاديث المكذوبة والأخبار المعلولة والغلو المذموم والكذب على الدين والتجسيم والتشبيه، أي: تشبيه الله بخلقه والعياذ بالله تعالى. وقد قال الحافظ الكبير الخطيب البغدادي([1]) نقلا عن بعض المحدثين: «من طالع الكتب لنفسه بدون معلم يسمى صحفيا، ولا يسمى محدثا، ومن قرأ القرآن لنفسه بدون معلم يسمى مصحفيا ولا يسمى قارئا»([2]).اهـ.
وكان أبو حيان الأندلسي النحوي كثيرا ما ينشد: [الوافر]
يظن الغمر([3]) أن الكتب تهدي | أخا فهم لإدراك العلوم
|
وتوما هذا كان يدعي أنه طبيب وكان تطــببه من الكتب، وقد وقع في التصحيف فقد قرأ عن طريق الخطأ في بعض الكتب التي عنده «الحية السوداء شفاء من كل داء». تصحفت كلمة «حبة» إلى «حية» فقرأها الحية فمات بسبب تطبيبه خلق كثير.
فالجاهل عدو لنفسه ولا يعلم خطر جهله، فاعتقاد هذه التفاسير المدسوسة توقعه بالتهلكة، فالحذر كل الحذر من قراءة أي كتاب من غير تعلم ضروريات الاعتقاد، إذ بتعلم ذلك يصبح عندك الميزان الذي تميز به الصحيح من الباطل. والله سبحانه وتعالى أعلم وأحكم.
والله نسأل وبنبيه عليه الصلاة والسلام نتوسل أن يرزقنا نيات خالصات لوجهه الكريم، وأن يجعل في هذا الكتاب النفع العميم في تبرئة الأنبياء مما لا يليق بهم، صلوات ربي وسلامه عليهم أجمعين.
[1])) أحمد بن علي بن ثابت البغدادي، أبو بكر، المعروف بالخطيب (ت463هـ)، أحد الحفاظ المؤرخين المقدمين. مولده في (غزية) منتصف الطريق بين الكوفة ومكة، ومنشؤه ووفاته ببغداد. رحل إلى مكة وسمع بالبصرة والدينور والكوفة وغيرها، وعاد إلى بغداد فقربه رئيس الرؤساء ابن مسلمة (وزير القائم العباسي) وعرف قدره. من كتبه: (تاريخ بغداد) و(البخلاء) و (الكفاية في علم الرواية). الأعلام، الزركلي، (1/72).
[2])) الفقيه والمتفقه، الخطيب البغدادي، (ص97).
[3])) الغمر هو الجاهل الذي لم يجرب الأمور. لسان العرب، ابن منظور، مادة: (غ م ر)، (5/29).
[4])) رمت: طلبت.
[5])) ديوان أبي حيان، أبو حيان، (ص301).