“الحُبُّ في الإسلام” الحُبُ الواجب والحُبُ المُحرّم
يا عُشّاق الحبيب مُحمّد… ويا أحباب الله ورسوله
تعالوا الآن لنتحدث عن الحب والعشق والغرام.. ولكن أي حب وأي عشق وأي غرام نريد أن نتحدث عنه… إنه ليس حبّ وعشق الزوج لزوجته… ولا حبّ وعشق رجل لامرأة جميلة أعجبه حسنها وجمالها فأحبها وهام قلبها بها… ولا حب وعشق امرأة لرجل أعجبها حسنه وجماله فعشقته وهامت به واستولى حبه على قلبها.
وإنما الحُبّ الذي نريد أن نتحدث عنه الآن فهو حُبّ وعشق خاص… ومن لون وشكل آخر… إنه حبّ طاهر نقي يرضاه الله ورسوله المصطفى ﷺ… إنه “الحبّ الأسمى” عنيت به “الحب في الإسلام”… هذا الحب الذي لا علاقة له بزخارف الدنيا ومتعها الرخيصة الفانية ولذاتها الزائلة… إنما هو حُبٌّ خاص أسمى من كل هذا وأجلّ… إنه حب المسلم لله ورسوله حبّاً شديداً بحيث يستولي حبهما على قلبه وفؤاده… إنه حب الطاعات والتلذذ بأدائها، إنه حب وعشق كلام الله القرآن الكريم… وحب قراءته وسماع آياته البنيات من أفواه المقرئين، وكذلك حب العمل بالقرآن واتباعه والوقوف عند حدوده، والتخلق بأخلاقه، فإن رسول الله ﷺ كان خُلُقُه القرآن كما أخبرت بذلك السيدة الجليلة عائشة رضي الله عنها.
… إنه “الحب الأسمى” في حب رسول الله محمد ﷺ سيد العالمين وأشرف الأنبياء والمرسلين والهيام به وعشقه، وحبّ متابعته في أخلاقه وأفعاله وأوامره وسننه والاقتداء بهﷺ في الأخلاق والأفعال وكذلك حب سائر إخوانه الأنبياء عليهم السلام الذين جاءوا كلهم بدين واحد هو الإسلام.
… إنه “الحبُّ الأسمى” في حب صحابة النبي المصطفى عليه الصلاة والسلام لا سيما السابقون الأولون منهم من المهاجرين والأنصار رضي الله عنهم، وكذلك حب أتباعه الأتقياء، وحب عباد الله الصالحين وحب أولياء الله العارفين الذين تولاهم الله تعالى بالحفظ والرعاية والكرامة وجعلهم من أحبابه وأصفيائه، وجعل قلوبهم مشغولة بحبه، بل إن من أولياء الله من يغيب عقله بالوجد، ومنهم من إذا استغرق في حُبّ الله ينسى كل شيء.
… إنه “الحبّ الأسمى” في حبّ آل بيت النبي المصطفى ﷺ من أقربائه المؤمنين، وأزواجه الوليات الطاهرات العفيفات البارات سيدات بيت النبوة.
وكذلك حُبّ العلماء العاملين… وحب الدعاة إلى دين الله تعالى لأن هؤلاء هم أحباب الله ورسوله المصطفى ﷺ.
… إنه حُبُّ وعشق الصلاة والصيام وذكر الله تعالى وسائر العبادات والطاعات والهُيام بها والمسارعة إليها ليلاً ونهاراً وعدم الشبع منها بحيث يصير القلب عاشقاً لها هائماً مُستهاماً بأدائها.
إنه “الحبُّ الأسمى” في الحبّ بالله… وفي التحابّ بالله وفي حبّ المتحابين في الله أي لأجل طاعته ورضاه، فإنّ هؤلاء هم أحباب الله، يحبهم الله ورضي عنهم كما أخبر سبحانه وتعالى في الحديث القدسي، وقد أعد الله تبارك وتعالى لهم في الآخرة الدرجات العالية.
يقول الله تعالى في الحديث القدسي الذي رواه البخاري… وما يزال عبدي يقتربّ إليّ بالنوافل حتى احبّه…” الحديث.
دُعاء ومناجاة:
اللهُمَّ إنّا نسألك حبّك وحبّ من يحبّك والعمل الذي يبلغنا حبّك، اللهمَّ اجعل حبّك أحبّ إلينا من أنفسنا وأهلينا ومن الماء البارد.
اللهُمَّ اجعل قلوبنا مشغولة بحبك وحبّ نبيّك المصطفى ﷺ، وحبّ أوليائك وأحبابك وحبّ طاعتك والمسارعة إليها يا واسع يا كريم، يا علي يا عظيم، يا حليم يا حكيم.
يا عُشّاق الحبيب مُحمّد… ويا أحباب الله ورسوله
تعالوا ونحن نتحدث عن “الحب في الإسلام” لنعرف ما هو الحب الواجب في الإسلام… وما هو الحبّ المحرم…
أما الحبّ الواجب على المسلم المكلف فهو محبة الله تعالى ومحبة كلامه القرآن الكريم ومحبة رسوله المصطفى محمد سيد العالمين ﷺ ومحبة سائر إخوانه الأنبياء والمرسلين، وكذلك محبة الصحابة والآل وعباد الله الصالحين.
واعلم يا أخي أنه كما يجب محبة النبي الأعظم ﷺ يجب ايضاً تعظيمه وتبجيله وتوقيره لقوله تبارك وتعالى في حق رسوله المصطفى ﷺ: {فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنزِلَ مَعَهُ أُوْلَئِكَ هُمُ المُفْلِحُونَ (157)} [سورة الأعراف].
ومعنى التعزير ههنا التعظيم بلا خلاف بين العلماء، فيجب علينا – يا إخوتي في الله- تعظيمه عليه الصلاة والسلام، وتعظيم سائر اخوانه الأنبياء.
وأما معنى محبة الصحابة فهو تعظيمهم لأنهم أنصار دين الله ولا سيما السابقون الأولون منهم من المهاجرين والأنصار والمعنى أنه تجب محبتهم من حيث الإجمال وليس المعنى أنه يجب محبة كل فرد منهم.
وأما آل النبي ﷺ فإن أريد بالآل مطلق أتباع النبي الأتقياء فتجب محبتهم لأنهم أحباب الله تبارك وتعالى بما لهم من القرب إليهم بطاعتهم له تعالى الطاعة الكاملة، وإن أريد بالآل أزواج النبي ﷺ الطاهرات وأقرباؤه المؤمنون فوجوب محبتهم لما خصوا به من الفضل.
واعلموا –يا إخوتي – أنه تجب محبة عموم الصالحين من عباد الله تعالى، فأولياء الله الصالحين تجب محبتهم من حيث الإجمال، وأما المسلمون الآخرون فلا يطلق القول بوجوب محبتهم، وإنما يحبون لإيمانهم ويكرهون لفسقهم.
وليس معنى قولنا بوجوب محبة الصالحين أنه يجب استحضار محبة كل واحد منهم بالقلب عند ذكره بل يكفي استحضار محبة الصالحين بالقلب من حيث الإجمال.
قال الله تعالى في وصف أوليائه وما أعد لهم من بشرى في الدنيا والآخرة: {أَلاَ إِنَّ أَوْلِيَاءَ اللَّهِ لاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ (62) الَّذِينَ آمَنُوا وَكَانُوا يَتَّقُونَ (63) لَهُمُ البُشْرَى فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الآخِرَةِ لاَ تَبْدِيلَ لِكَلِمَاتِ اللَّهِ ذَلِكَ هُوَ الفَوْزُ العَظِيمُ (64)} [سورة يونس].
يا عُشّاق الحبيب الأعظم محمّد… ويا أحباب الله ورسوله
إنّ أولياء الله هم أحباب الله وأصفياؤه، استقاموا بطاعة الله تعالى أدوا الواجبات واجتنبوا المحرمات، وأعرضوا عن الدنيا والانهماك في الملذات والشهوات، وأكثروا من نوافل العبادات تقرباً إلى الله تعالى حتى أثر ذلك في قلوبهم نوراً وضياءً وصفاءً وإشراقاً حتى أحبّهم الله تعالى وأعطاهم الولاية وتولاهم بالحفظ والرعاية والكرامة وجعلهم من أوليائه وأصفيائه وعصمهم من الكفر، وقد قيل في أمثال هؤلاء الأولياء الصالحين:
للهِ قومٌ إذا حلُّوا بمنزلةٍ
|
| حَلَّ السُرور وسارَ الجودُ إن ساروا
|
تحيا بهم كل أرض ينزلون بها
|
| كأنهم لبقاع الأرض أمطارُ
|
ونورهمُ يهدي السَّاري لرؤيتهِ
|
| كأنَّهم في ظلامِ الليلِ أقمارُ
|
يا أحباب اللهِ ورسوله… يا عاشقي الحبيب مُحمّد
وأما الحُبُّ المحرّم في الإسلام فهو حُبُّ الكافرين وكذلك حُبُّ الشر والمعاصي، فلا يجوز محبة المعاصي كما لا يجوز فعلها وارتكابها، بل يجب كراهية المعاصي من حيث إن الله تبارك وتعالى حرم على عباده المكلفين فعلها واكتسابها، فيجب كراهية المعاصي وإنكارها بالقلب سواء كانت من نفسه أو من فعل غيره لأن الله تبارك وتعالى لا يحب المعاصي وحرم على عباده فعلها واقترافها ومحبتها. قال الله تعالى: { إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي القُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ (90)} [سورة النحل].
وقال سبحانه وتعالى: {وَذَرُوا ظَاهِرَ الإِثْمِ وَبَاطِنَهُ إِنَّ الَّذِينَ يَكْسِبُونَ الإِثْمَ سَيُجْزَوْنَ بِمَا كَانُوا يَقْتَرِفُونَ (120)} [سورة الأنعام] وقال عزّ وجل: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الفَسَادَ (205)} [سورة البقرة].
وقال تبارك وتعالى: {وَاللَّهُ لاَ يُحِبُّ الظَّالِمِينَ (57)} [سورة آل عمران].
واعلموا – يا إخوتي في الله- أنه كما يحرم محبة المعصية واقترافها كذلك يحرم الفرح بها سواء حصلت من الشخص نفسه أو من غيره، فمن علم بمعصية ما حصلت من غيره ولو في مكان بعيد لم يشهده ففرح بذلك فقد عصى الله تعالى، فمن علم مثلاً أن فلاناً شرب خمراً أو ضرب مسلماً ظلماً ونحو ذلك من المعاصي، فهذا يجب عليه ان يكره ذلك بقلبه فإن فرح بذلك فقد عصى الله تعالى.
يا عُشّاق النبيّ مُحمّد…. ويا أحباب اللهِ ورسوله
إن ارتكاب المعاصي والمداومة عليها لها تأثيرها السّيء على القلب، فهي تقسي القلوب وتميتها، وتؤثر فيه تأثيراً سيئاً كبيراً، وقد قال الإمام عبد الله ابن المبارك رضي الله عنه:
رأيتُ الذنوبَ تُميتُ القلوبِ
|
| وقد يُورثُ الذُّل إدمانها
|
وتركُ الذنوبِ حياةُ القلوب
|
| وخيرٌ لنفسِكَ عصيانُها
|
وقال بعض ائمة الطب: من أراد عافية الجسم فليقلل من الطعام والشراب ومن أراد عافية القلب فليترك الآثام.
وقال بعضهم: راحةُ الجسم في قلة الطعام، وراحة الروح في قلة الآثام، وراحة اللسان في قلة الكلام.
دُعاءٌ ومُناجاة..
اللهُمّ جنبنا المعاصي والذنوب وباعد بيننا وبينها كما باعجت بين المشرق والمغرب، واجعل قلوبنا مشغولة بحبك وحب نبيك المصطفى محمد ﷺ، وحب الطاعات والخيرات والمسارعة إليها يا علي يا عظيم يا عليم.
اللهُمَّ أعنّا على ذكرك وشكرك وحسن عبادتك برحمتك يا أرحم الراحمين.