الجمعة فبراير 13, 2026

الحمد لله حمدًا يرضاه لذاتِه والصلاة والسلام على سيدِ مخلوقاتِه ورضي الله عن الصحابة والآل وأتْباعِهم مِن أهلِ الشرع والحال والسلام علينا وعلى عباد الله الصالحين

أشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأنّ محمدًا عبدُه ورسولُه وأنّ عيسى عبدُ الله وابنُ أمَتِه وكلمتُه ألقاها إلى مريم وروحٌ منه وأنّ الجنةَ حق وأنّ النارَ حق.

اللهم صلِّ صلاةً كاملة وسلِّم سلامًا تامًّا على سيدِنا محمد الذي تنحلُّ به العقد وتنفرجُ به الكرب وتُقضى به الحوائج وتُنالُ به الرغائبُ وحُسنُ الخواتيم ويُستسقى الغمامُ بوجهِه الكريم وعلى آلهِ وصحبِه وسلِّم.

اللهم اجعل نيّاتِنا في هذا المجلس الرفاعي مجلس البرهان المؤيد خالصةً لوجهِك الكريم.

مما قاله الإمامُ أحمدُ الرفاعيّ الكبير رضي الله عنه في البرهان المؤيد “عاملوا اللهَ بالتقوى وعاملوا الخلقَ بالصدق وحُسنِ الخلق عاملوا أنفسَكم  بالمخالفة وقِفوا عند الحدود وأوْفُوا بعهدِ اللهِ إذا عاهدتم، وقال سبحانه {ومآ آتاكمُ الرسولُ فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا}[الحشر/٧] وإياكم والكذبَ على الله والخلق، الدينُ عملٌ بالأوامر واجتنابٌ عن النواهي وخضوعٌ وانكسارٌ في الأمرين، العملُ بالأوامرِ يقرِّبُ إلى الله والاجتنابُ عن النواهي خوفٌ من الله، طلبُ القُربِ بلا أعمالٍ مُحالٌ وأيُّ محال، الخوفُ مع الجرأةِ فضيحة اطلبوا تقوى الله بمتابعةِ رسولِه صلى الله عليه وسلم، إياكم وسلوكَ طريقِ اللهِ بالنفسِ والهوى فمَن سلكَ الطريقَ بنفسِه زلَّ من أولِ قدَم”

يقولُ الواسطيّ “الصدقُ صحةُ التوحيدِ مع القصد، أهلُ التوحيد أهلُ الصدق، توحيدُ الله عز وجل تنزيهُه سبحانه وتعالى وهو الأول الأزلي الأبديّ تنزيهُه سبحانه وتعالى عن مشابهةِ الخلق، توحيدُه باعتقادِ معنى لا إله إلا الله محمدٌ رسول الله، توحيدُ اللهِ باعتقادِ أنْ لا خالقَ إلا الله، باعتقادِ أنّ اللهَ عز وجل خالقُ كلِّ شىء خالقُ العالمِ العلوي والعالم السفلي، خالقُ الإنسيّ خالقُ الملائكة وخالقُ الجنيّ، خلق العباد وخلقَ أعمالَ العباد خيرَها وشرَّها خالقُ كلِّ شىء، هذا من معاني لا إله إلا الله محمدٌ رسولُ الله.

توحيدُ اللهِ عز وجل باعتقادِ أنّ اللهَ سبحانه وتعالى مُتّصِفٌ بصفاتٍ أزلية أبدية ليست كصفاتِنا، علمُ الله أزلي أبدي لا يتغير لا يتبدّل لا يطرأُ عليه زيادة ولا يطرأُ عليه نقصان عالمٌ سبحانه بكلِّ ما كان وبما يكون وبما سيكون وبما لا يكونُ لو كان كيف كان يكون، يعلمُ أعمالَ العبادِ قبل حصولِها لا تخفى على الله خافية هذا من توحيدِ الله وهذا من أحوالِ الصادقين.

وصفات اللهِ عز وجل لا يلحقُها التغيّر والتبدّل ليست حادثة ليست مخلوقة ليس يطرأُ شىءٌ في ذاتِ الله، فالله تعالى ذاتُه أزليٌّ أبديّ وصفاتُه سبحانه أزليةٌ أبدية.

كلامُ اللهِ أزليٌّ أبدي ليس حرفًا وليس صوتًا، قدرةُ الله أزليةٌ أبدية حياةُ الله أزليةٌ أبدية، سمْعُ الله أزليٌّ أبدي، بصَرُ اللهِ أزليٌّ أبديّ، مشيئةُ اللهِ أزليةٌ أبدية وهذا كلُّه من الصدقِ، صحةُ التوحيد مع القصد، فهذا من معاني الصدق.

فمَن شبَّه اللهَ تعالى بخلقِه ليس من أهلِ الصدق، مَن جعلَ اللهَ تعالى كخلقِه ساكنًا في مكان مستقرًّا جالسًا على عرشٍ يحملُه ملكٌ هذا ليس من أهل الصدق، مَن جعلَ اللهَ تعالى حالًّا في خلقِه ليس من أهلِ الصدق، مَن عطّلَ ونفى صفاتِ الله أنكرَ صفةَ الكلام أو صفة العلم أو صفة القدرة أو صفة المشيئة أو أيّ صفةٍ من صفاتِ الله عز وجل التي أجمعَت عليها الأمة من الصفات الثلاث عشرة هذا لا يكونُ صادقًا ولا يكونُ من أهلِ الإيمان.

حُكِيَ عن أبي عَمرٍو الزجاجيِّ رحمه اللهُ أنه قال “ماتت أمي فورِثْتُ منها دارًا فبِعْتُها بخمسينَ دينارًا وخرجْتُ إلى الحج -الله يرزقُنا الحجَّ إلى بيتِه الحرام- فلمّا بلغْتُ بابل استقبلَني واحدٌ منَ القَناقِنة -الدليلُ الهادي والبصيرُ بالماء تحت الأرض- وقال أيشٍ معك؟ سبقَه وقال خمسونَ دينارًا، فقال: ناولْنيها، فناولْته الصرّة فعَدّها فإذا هي خمسونَ دينارًا فلقد أخذني صدقُك، ثم نزلَ عن الدابة وقال اركبْها فقلتُ لا أريد، فقال لا بد وألحّ عليّ فركِبْتُها فقال وأنا على أثرِك -صار مريدًا له تابعًا له- فلمّا كان العامُ المُستقبَل لحِقَ بي ولازمَني حتى مات.

أهلُ الصدقِ يجمعُ اللهُ تعالى لهم الصادقين، مَن كان صادقًا يسّرَ اللهُ تعالى له أهلَ الصدق.

يقولُ إبراهيمُ الخواصّ رحمه الله واصفًا حالَ الصادق “الصادق لا تراه -أي من حيثُ الغالب- إلا في فرضٍ يؤدّيه أو فضلٍ يعملُ لربِّه فيه” هكذا الصادق أين تجدُه؟

لن تجدَه في مجالس اللهو واللعب، لن تجدَه في مجالس النفاق لن تجدَه في مجالس لغوِ الحديث لنْ تجدَه في مجالس الزور لن تجدَه في مجالس المداهَنة، أين تجدُه؟

الصادقُ لا تراه إلا في فرضٍ يؤَدّيه أو فضلٍ يعملُ لربِّه فيه.

وقيل: ثلاثٌ لا تُخطىءُ الصادق: الحلاوة والهيبة والمَلاحة.

قيل دخلَ إبراهيم… مع إبراهيمَ بنِ إستِنبة البادية، فقال إبراهيمُ بنُ إستِنبة اطرَحْ ما معك منَ العلائق -يعني من علائق الدنيا ماذا تحملُ معك من العلائق- قال فطرحتُ كلَّ شىءٍ إلا دينارًا -لم يُبقِ معه إلا دينارًا- فقال يا إبراهيم لا تشغَلْ سري -يعني أنت أبقيْتَ دينارًا وطرَحْتَ بقيةَ العلائق- لا أريدُ أنْ يتعلقَ قلبي حتى بهذا الدينار اطرح ما معك من العلائق، قال فطرحْتُ الدينار ثم قال يا إبراهيم اطرَح ما معك من العلائق -ولكنْ هو طرحَ المالَ كلَّه الذي معه ماذا بقيَ يفتش في نفسه أنا ماذا بقيَ معي من علائق الدنيا مما يجعلُ قلبي منشغلًا بها وهو يفتش قال- فتذكرتُ أنّ معي شسوعًا للنعل -سير النعل- فطرحتُها، قال فما احتَجتُ في الطريقِ إلى شِسْوعٍ إلا وجدْتُه بين يدَي، فقال إبراهيمُ بنُ إسْتِنْبة: هكذا مَن عاملَ اللهَ تعالى بالصدق -مَن تركَ شيئًا لله عوّضَهُ اللهُ خيرًا منه-

إذا تركتَ شيئًا لله تعالى كنتَ صادقًا عاملتَ اللهَ بالصدق اللهُ يَسوقُ لك ما يدفعُ عند ويسُدُّ فاقَتَك.

قال ذو النون رحمه الله “الصدقُ سيفُ الله ما وُضِعَ على شىءٍ إلا قطَعه” وكأنّ الصدقَ سيفٌ ماضٍ بتّار حتى قاطع فلا ينزلُ على شىءٍ إلا قطعَه والصدقُ سيفُ الله ما وُضعَ على شىء إلا قطعه.

سُئلَ فتحٌ المَوْصِليّ عن الصدق فأدخلَ يدَه في كِيرِ الحداد وأخرجَ الحديدةَ المُحْماة ووضعَها على كفِّه فقال هذا هو الصدق. بلغَ في تمكُّنِه في هذا المقام أنْ يدفعَ اللهُ تعالى عنه حرَّ النار.

يقولُ الإمامُ القشيري رحمه الله “سمعتُ الأستاذَ أبا عليٍّ الدقاق يقول: الصدقُ أنْ تكونَ كما ترى مِن نفسِك أو ترى من نفسِك كما تكون وذلك بأنْ يستويَ عندَك السرُّ والعلانية فلا تُخفي عن الناس ما يعلمُه اللهُم منك حذرًا من ذمّ، نعم تسترُ ما أنتَ مُحَبَّبٌ إليك سترُه لكنْ ليس الذي تُخفيه حذرًا من ذمّ الناس، ولا تُظهرُ لهم ما يعلمُه اللهُ مِن باطنِكَ طلبًا لمدحهِم، لا تُظهرُ لهم من باطنِك شيئًا وأنت ترجو مدحَهم ولا تُخفي عنهم شيئًا خشيةَ ذمِّهم، سواءٌ عندَك السرُّ والعلانية

مدحُ الناس وذمُّهم، فمَن استوى عندَه مدحُ الناسِ وذمُّهم كان مِن أهلِ الصدق.

وسُئلَ الحارثُ المُحاسَبيُّ رحمه الله عن علامةِ الصدقِ فقال “الصادقُ هو الذي لا يبالي لو خرجَ على قدْرٍ له في قلوبِ الخلقِ مِن أجلِ صلاحِ قلبِه ولا يحبُّ اطّلاعَ الناسِ على مثاقيلِ الذرِّ مِن حُسنِ عملِه ولا يكرَهُ أن يطّلعَ الناسُ على السيِّء من عملِه فإنّ كراهتَه لذلك دليلٌ على أنه يحبُّ الزيادةَ عندَهم وليس هذا من أخلاقِ الصديقين”

الصادق لا يبالي لو نقَصَ قدرُه في قلوبِ الناس في نظرِ الناس لا يبالي، همّه مرضاةُ الله عز وجل وبعد ذلك لا يبالي ولو اطّلعَ الناسُ على مثاقيلِ الذرِّ مِن حسنِ عملِه لا يُقدِّمُ ذلك عنده ولا يؤخّر لأنه يعلم أنه ليس ذلك الذي يرفعُه أو يَخفِضُه عند اللهِ تعالى فلا يبالي إنما ينظرُ هل عملي هذا يحبُّه الله هل يأمرُ به رسولُ اللهِ صلى الله عليه وسلم فإنْ كان كذلك فلا يبالِ بما وراءَ ذلك.

وقيل عليك بالصدقِ حيثُ تخافُ أنه يضرُّك فإنه ينفعُك ودعِ الكذبَ حيثُ ترى أنه ينفعُك  فإنه يضرُّك

وقيل: ما أَمْلَقَ تاجرٌ صَدوق -من الإملاق أي ما افتقر، لن يُفلسَ- هكذا يقولُ العارفون، لأنّ صدقَه يحملُه على إظهارِ العيوب والنصحِ في المعاملة وكلُّ مَن عُرِفَ في هذا رغِبَ الناسُ في معاملتِه ومالُوا إليه طمعًا في نصحِه وحُسنِ معاملتِه وبهذا يَكثُرُ رزقُه.

يقولُ اللهُ تعالى {ومَن يتقِ اللهَ يجعلْ له مخرجًا ويرزقْه من حيثُ لا يحتسب}[الطلاق/٢]

وبعد الكلامِ في الصدق والحثِّ على أهلِ الصدق فإنّ الحذرَ كلَّ الحذرِ من الكذب، ومنْ علامةِ الكذب جَوْدُه باليمين أي إكثارُه من اليمينِ بغيرِ مُسْتَحلِف، من غيرِ أنْ يستحلفَه أحد يُكثِرُ من اليمين.

الذي يكونُ على مثلِ هذا الحال هذه علامة لعلّ هذا الإنسان لا يكونُ عندَه صدقٌ في حديثِه وكذبُه يدفعُه إلى أنْ يُكثرَ من الحلِف، فالصادقُ له علامات تدلُّ على أنه من أهلِ الصدق، فكلما كان العبدُ متمسِّكًا بسنةِ النبيِّ الكريم صلى الله عليه وسلم عاملًا بالكتاب عاملًا بالسنة سيتحرّى الصدقَ في حالِه في مقالِه في سرِّه في علانيتِه عاملوا اللهَ بالصدق عاملوا عبادَ الله بالصدق اصدقوا مع أنفسكم واصدقوا مع إخوانِكم

{من المؤمنينَ رجالٌ صدَقوا ما عاهدوا اللهَ عليه فمنهم مَن قضى نحبَه ومنهم مَن ينتظر وما بدّلوا تبديلًا}[الأحزاب/٢٣]

وكان هذا من المجالس الرفاعية مجالس البرهان المؤيد للسيد أحمدَ الرفاعي الكبير رضي الله تعالى عنه

ربَّنا تقبّل منا إنك أنت السميعُ العليم وتب علينا إنك أنت التوابُ الرحيم

ربّنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذابَ النار

سبحانك اللهم وبحمدِك نشهدُ أن لا إله إلا أنت نستغفركُ ونتوبُ إليك سبحان ربِّك ربِّ العزة عما يصفون وسلامٌ على المرسلين والحمد لله رب العالمين

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه الطيبين الطاهرين.