الخميس فبراير 19, 2026

روى البخاري في صحيحه في كتاب الدعوات، باب التعوّذ من البخل[(198)]: حَدَّثَنَا عُثْمَانُ بْنُ أَبِي شَيْبَةَ حَدَّثَنَا جَرِيرٌ عَنْ مَنْصُورٍ عَنْ أَبِي وَائِلٍ عَنْ مَسْرُوقٍ عَنْ عَائِشَةَ قَالَتْ: دَخَلَتْ عَلَيَّ عَجُوزَانِ مِنْ عُجُزِ يَهُودِ المَدِينَةِ فَقَالَتَا لِي إِنَّ أَهْلَ القُبُورِ يُعَذَّبُونَ فِي قُبُورِهِمْ فَكَذَّبْتُهُمَا وَلَمْ أُنْعِمْ أَنْ أُصَدِّقَهُمَا فَخَرَجَتَا وَدَخَلَ عَلَيَّ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم فَقُلتُ لَهُ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنَّ عَجُوزَيْنِ وَذَكَرْتُ لَهُ فَقَالَ صَدَقَتَا إِنَّهُمْ يُعَذَّبُونَ عَذَابًا تَسْمَعُهُ البَهَائِمُ كُلُّهَا فَمَا رَأَيْتُهُ بَعْدُ فِي صَلاَةٍ إِلاَّ تَعَوَّذَ مِنْ عَذَابِ القَبْرِ».

قال محمد بن يوسف الكرماني (786هـ) في كتابه «شرح الكرماني على صحيح البخاري»[(199)]: و(مسروق) بالعطف، هو وَهِم، وإنما يرويه أبو وائل عن مسروق، وما أحفظ لأبي وائل رواية عن عائشة»، ثم قال: و(عذاب القبر) ما يترتب بعده على المجرمين» اهـ. وقال سراج الدين أبو حفص عمر بن علي بن أحمد الأنصاري الشافعي المعروف بـ ابن المُلَقِّن (804هـ) في كتابه «التوضيح لشرح الجامع الصحيح»[(200)]: وقال الجياني في حديث عائشة: كذا إسناد هذا الحديث، وفي نسخة أبي ذر عن أبي إسحاق المستملي (جرير، عن منصور، عن أبي وائل ومسروق عن عائشة)، عطف مسروقًا على أبي وائل وهو وهم، وإنما يرويه أبو وائل عن مسروق، ولا أحفظ لأبي وائل رواية عن عائشة»[(201)]: ورد في هامش الأصل: قال العلائي في (المراسيل)[(202)]: قال الأثرم: قلت لأبي عبد الله – يعني أحمد ابن حنبل -: أبو وائل سمع عن عائشة؟ قال: لا أدري، قد أدخل بينها وبينه مسروق إلى غير شىء» اهـ.

وقال بدر الدين العيني الحنفي (855هـ) في كتابه «عمدة القاري شرح صحيح البخاري»[(203)]: مطابقته للترجمة التي قبل هذه الترجمة ظاهرة وقد قلنا إن هذه الترجمة غير صحيحة وهذا الحديث هو من أحاديث تلك الترجمة» اهـ.

ويقولون فيما نُبَرِّىء الحافظ ابن حجر منه: [(204)] «قوله (أن يهودية دخلت عليها فذكرت عذاب القبر) وقع في رواية أبي وائل عن مسروق عند المصنف في الدعوات دخلت عجوزان من عجز يهود المدينة فقالتا: إن أهل القبور يعذبون في قبورهم. وهو محمول على أن إحداهما تكلمت وأقرتها الأخرى على ذلك فنسبت القول إليهما مجازًا، والإفراد يحمل على المتكلمة. ولم أقف على اسم واحدة منهما. وزاد في رواية أبي وائل (فكذبتهما) ووقع عند مسلم من طريق ابن شهاب عن عروة عن عائشة قالت (دخلت علي امرأة من اليهود وهي تقول: هل شعرت أنكم تفتنون في القبور، قالت: فارتاع رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: إنما يفتن يهود، قالت عائشة: فلبثنا ليالي ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : هل شعرت أنه أوحي إلي أنكم تفتنون في القبور، قالت عائشة: فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يستعيذ من عذاب القبر). وبين هاتين الروايتين مخالفة، لأن في هذه أنه صلى الله عليه وسلم أنكر على اليهودية وفي الأول أنه أقرها. قال النووي تبعًا للطحاوي وغيره: هما قصتان فأنكر النبي صلى الله عليه وسلم قول اليهودية في القصة الأولى، ثم أُعلم النبي صلى الله عليه وسلم بذلك ولم يُعلم عائشة، فجاءت اليهودية مرة أخرى فذكرت لها ذلك فأنكرت عليها مستندة إلى الإنكار الأول، فأعلمَها النبي صلى الله عليه وسلم بأن الوحي نزل بإثباته. انتهى. وقال الكرماني: يحتمل أنه صلى الله عليه وسلم كان يتعوذ سرًا فلما رأى استغراب عائشة حين سمعت ذلك من اليهودية أعلن به. انتهى. وكأنه لم يقف على رواية الزهري عن عروة التي ذكرناها عن صحيح مسلم، وقد تقدم في باب التعوذ من عذاب القبر وفي الكسوف من طريق عمرة عن عائشة أن يهودية جاءت تسألها فقالت لها: أعاذك الله من عذاب القبر، فسألت عائشةُ رسولَ الله صلى الله عليه وسلم : أتُعذَّبُ الناسُ في قبورهم؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم عائذًا بالله من ذلك. ثم ركب ذات غداة مركبًا فخسفت الشمس، فذكر الحديث وفي آخره (ثم أمرهم أن يتعوذوا من عذاب القبر) وفي هذا موافقة لرواية الزهري وأنه صلى الله عليه وسلم لم يكن علم بذلك. وأصرح منه ما رواه أحمد بإسناد على شرط البخاري عن سعيد بن عمرو بن سعيد الأموي عن عائشة أن يهودية كانت تخدمها فلا تصنع عائشة إليها شيئًا من المعروف إلا قالت لها اليهودية: وقاك الله عذاب القبر، قالت: فقلت يا رسول الله هل للقبر عذاب؟ قال: كذبت يهود لا عذاب دون يوم القيامة، ثم مكث بعد ذلك ما شاء الله أن يمكث، فخرج ذات يوم نصف النهار وهو ينادي بأعلى صوته: أيها الناس استعيذوا بالله من عذاب القبر فإن عذاب القبر حق. وفي هذا كله أنه صلى الله عليه وسلم إنما علم بحكم عذاب القبر إذ هو بالمدينة في آخر الأمر كما تقدم تاريخ صلاة الكسوف في موضعه. وقد استشكل ذلك بأن الآية المتقدمة مكية وهي قوله تعالى {يُثَبِّتُ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا} وكذلك الآية الأخرى المتقدمة وهي قوله تعالى {النَّارُ يُعْرَضُونَ عَلَيْهَا غُدُوًّا وَعَشِيًّا} والجواب أن عذاب القبر إنما يؤخذ من الأولى بطريق المفهوم في حق من لم يتصف بالإيمان، وكذلك بالمنطوق في الأخرى في حق آل فرعون وأن إلتحق بهم من كان له حكمهم من الكفار، فالذي أنكره النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو وقوع عذاب القبر على الموحدين ثم أُعلم صلى الله عليه وسلم أن ذلك قد يقع على من يشاء الله منهم فجزم به وحذر منه وبالغ في الاستعاذة منه تعليما لأمته وارشادًا فانتفى التعارض بحمد الله تعالى وفيه دلالة على أن عذاب القبر ليس بخاص بهذه الأمة بخلاف المسألة ففيها اختلاف» اهـ. والعياذ بالله تعالى، فإنه يستحيل على نبينا صلى الله عليه وسلم أن يكون منكِرًا لعذاب القبر، وهذا لا يقول به عاقل، والسيدة عائشة رضي الله عنها بريئة من هذا الافتراء والكذب.(بل إن هذا فيه النسبة للنبي أنه أفتى بغير علم والعياذ بالله وهذا مستحيل على النبي).

ـ[198]   كتاب الدعوات: باب: التعوّذ من البخل (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421هـ ص1163 – 1164 رقم الحديث 6366).

ـ[199]   شرح الكرماني على صحيح البخاري (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1431هـ الجزء الحادي عشر ص95).

ـ[200]   التوضيح لشرح الجامع الصحيح، إصدارات وزارة الأوقاف – قطر، تحقيق دار الفلاح، (الطبعة الأولى 1429هـ، المجلد التاسع والعشرون ص301).

ـ[201]   وفي هامش (ص/302).

ـ[202]   المراسيل (ص/197).

ـ[203]   عمدة القاري شرح صحيح البخاري (دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى 1421هـ، الجزء الثالث والعشرون ص6).

ـ[204]   فتح الباري (ج3/278 – 279).