الحج عرفة
قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطيبين.
أما بعد فقد روينا فى مستدرك الحاكم وسنن البيهقى وغيرهما من حديث شداد بن أوس رضى الله عنه أن نبى الله ﷺ قال «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق ءادم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة فإذا كان يوم الجمعة فأكثروا على من الصلاة فيه فإن صلاتكم معروضة على» قيل وكيف تعرض صلاتنا عليك يا رسول الله وقد أرمت قال «إن الله حرم على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء».
هذا الحديث يتضمن فضل يوم الجمعة، هنا لفظ الحديث «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة» وإنما قال «من أفضل أيامكم» ولم يقل إن أفضل أيامكم لأن هناك أياما لها مزايا وفضائل كيوم الحج الأكبر وهو يوم العيد بالنسبة للمحرم فى الحج، يوم العيد هو يوم الحج الأكبر، عرفة قبل يوم العيد.
وسمى يوم العيد للحاج يوم الحج الأكبر لأن معظم أعمال الحج تكون فيه كالطواف والحلق أو التقصير ورمى جمرة العقبة.
ولا يتنافى هذا مع حديث «الحج عرفة» لأن معناه أن أشد أعمال الحج احتياطا هو وقوف عرفة لضيق وقته لأن الوقوف بعرفة وقته أقل من يوم كامل لأن وقته من زوال يوم عرفة أى التاسع من ذى الحجة إلى الفجر، ما بين الزوال والفجر هذا وقت عرفة، فمن لم يتمكن من الوقوف بعرفة فى هذه المدة التى هى أقل من يوم كامل فاته الحج فلذلك قال الرسول «الحج عرفة» معناه من أدرك عرفة أى وقف بعرفة فقد أدرك الحج أى ما سوى ذلك سهل عليه لأن أركان الحج سوى الوقوف وقتها واسع، الطواف بالبيت الذى هو ركن من أركان الحج لا يجبر بدم أى بذبح إن فات لأن وقته واسع، لكن أفضل أيامه يوم العيد فمن لم يطف طواف الفرض فى خلال أيام التشريق طاف أى يوم شاء بعد ذلك لو بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أو أكثر.
والسعى مثله ليس وقته ضيقا بل واسع إن شاء يسعى عقب طواف القدوم أول ما يدخل مكة وإن شاء يسعى عقب طواف الفرض، والحلق أو التقصير يجوز فعلهما كالطواف بعد شهر أو شهرين أو ثلاثة أو أكثر.
فلما كان العمل الذى وقته ضيق هو الوقوف بعرفة فقط قال عليه الصلاة والسلام «الحج عرفة» ليس معناه أن من وقف بعرفة ثبت له الحج من غير توقف على أعمال أخرى بل لا بد من الإحرام الذى هو النية أى نية الدخول فى النسك ومن طواف الفرض والسعى والحلق أو التقصير.
قوله عليه الصلاة والسلام «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة» هو لبيان أن هناك أيام فاضلة غير يوم الجمعة وإن كان يوم الجمعة يختص بمزايا ليست لتلك الأيام الفاضلة سواه. ومن الأيام الفاضلة عشر ذى الحجة أى من أول شهر ذى الحجة إلى العاشر من يوم العيد، كل هذه الأيام لها فضل عند الله تعالى فإن عمل البر والإحسان فى هذه الأيام يزكو ويزيد على ما سواه لذلك قال رسول الله ﷺ «ما من أيام العمل فيها أحب إلى الله من عشر ذى الحجة» فيفهم أن الأعمال الصالحة فى هذه الأيام تزكو عند الله تعالى أكثر مما إذا عملت فى غيرها.
نعود إلى شرح حديث «إن من أفضل أيامكم يوم الجمعة فيه خلق ءادم وفيه قبض وفيه النفخة وفيه الصعقة». هذه الأمور الأربعة أمور عظام.
أما ءادم فلأنه أول النوع البشرى الذى فضله الله على سائر أنواع المخلوقات فهو أفضل من النوع الملكى ومن النوع الجنى، بما أن أنبياء الله من البشر، من أفراد هذا النوع الكريم على الله تعالى خلق فى هذا اليوم أى فى يوم الجمعة. وتمام خلق ءادم عليه السلام كان فى الجنة فقد روى الحاكم فى مستدركه «إن ءادم لم يمكث فى الجنة إلا ساعة من العصر إلى الغروب» لكن تلك الساعة ورد أثر بأنها مقدار مائة وثلاثين عاما لأن تلك الأيام الستة التى خلق الله فيها الأرض والسموات وخلق ءادم فى ءاخر الخلق، كل يوم منها قدر ألف سنة بتقدير أيامنا هذه فكان مدة مكث ءادم فى الجنة بعد نفخ الروح فيه إلى أن نزل إلى الأرض مائة وثلاثين عاما.
وهذا معنى قوله عليه الصلاة والسلام «فيه خلق ءادم» وإنما أخر خلقه إلى ءاخر ذلك اليوم الذى هو ءاخر الأيام الست التى خلقت فيها السموات والأرض لأن ءادم صفوة الخلق أى أفضل مما خلق قبله أفضل من الملائكة وأفضل من غيرهم فكان مناسبا أن يكون ءاخر الخلق فى تلك الأيام الستة.
كما أن محمدا ﷺ الذى هو سيد الخلق سيد العالمين على الإطلاق وإمام الأنبياء وأشرف المرسلين خلق ءاخر الأنبياء لم يبعث إلا بعد أن بعث جميع الأنبياء، وفى ذلك مناسبة مع صفة شراب أهل الجنة الذى وصفه الله بقوله ﴿ختامه مسك﴾ [سورة المطففين]، فليس الفضل عند الله تبارك وتعالى بطول عمر العبد من عباد الله الصالحين، إنما الفضل بتفضيل الله فسيدنا ءادم عليه السلام عاش ألف سنة ونوح عليه السلام عاش أكثر من ذلك ومع ذلك فليسا أفضل الأنبياء، ولو كان الفضل بطول العمر لكان أفضل الأنبياء هو الخضر على القول بحياته أى أنه لم يمت بعد وهو قول أكثر العلماء وهو نبى على القول الصحيح، هو أطول عمرا من هذين النبيين ومن سائر البشر ومع ذلك فليس هو أفضل الأنبياء إنما أفضل الأنبياء هم خمسة.
روى الحاكم فى المستدرك عن أبى هريرة رضى الله عنه أنه قال «خيار الأنبياء خمسة محمد وإبراهيم وموسى وعيسى ونوح وخيار الخمسة محمد».
كان سيدنا محمد ﷺ أقل الأنبياء عمرا، عاش بعد نزول النبوة عليه ثلاثة وعشرين عاما، مع ذلك الله فضله على غيره من الأنبياء الذين فيهم ءادم الذى كان عمره ألف سنة ونوح الذى كان عمره ألفا وزيادة قيل إلى سبعمائة وخمسين فوق الألف وقيل أقل من ذلك، فالفضل ليس إلا بتفضيل الله تعالى، فهو تبارك وتعالى له أن يفضل من يشاء من خلقه، لا يقال من كان أطول عمرا وأطول عبادة هو أفضلهم، لو كان الأمر كذلك لم يكن سيدنا محمد أفضلهم وسيدهم وأشرفهم وأكرمهم على الله تعالى. ولكون أمة محمد ﷺ ءاخر الأمم كما أن نبيهم ءاخر الأنبياء فإنهم لم يذكروا فى الأمم الماضين إلا بالمدح، ما ذكروا بالذم.
وقد ذكر الله تعالى كثيرا من الأمم من المساوئ ما قص الله تعالى علينا فى القرءان عما فعل قوم هود وماذا فعل قوم صالح وماذا فعل قوم إبراهيم وماذا فعل قوم موسى وماذا فعل بنو إسرائيل بعيسى، الله تعالى فضحهم، ذكر لنا مساوئهم أما أمته فلم تفضح فى أمة من الأمم الماضين بل ذكروا بالمدح والثناء.
وأما ءادم عليه السلام فقد قبض يوم الجمعة وهو أمر متفق عليه ليس فى ذلك خلاف لورود هذا النص الحديثى الصحيح.
وأما أن النفخة فيه فالمراد بها النفخ فى الصور أى البوق الذى وكل إسرافيل بالنفخ فيه.
وأما قوله عليه الصلاة والسلام «وفيه الصعقة» فهى الموت بالنسبة لقسم من العباد والغشية بالنسبة لبعض لأنه يحدث من النفخة أمران
قسم من الخلق وهم الذين تدركهم النفخة وهم أحياء على وجه الأرض فيموتون من هذه النفخة وذلك شامل للإنس والجن الذين يكونون ذلك الوقت أحياء، وأما الصعقة التى هى غشية ليست موتا فهى لمن كان قد مات قبل ذلك من الأنبياء وغيرهم فإنهم يصعقون أى يغشى عليهم لا يعاد عليهم الموت مرة ثانية لأنهم قد ماتوا، إلا أنه ورد فى حق موسى احتمالان من الرسول أحدهما أنه ذكر النبى ﷺ أن موسى يجوز عليه أن يغشى عليه كما أغشى على غيره عند النفخة من الذين ماتوا قبل ذلك وهم جميع الأنبياء، والاحتمال الثانى أنه لا يغشى عليه بل يكون جوزى أى جازاه الله تعالى بإنقاذه واستثنائه من الغشية عند النفخة لأنه صعق بالطور لما رأى الجبل اندك أى صار مستويا بالأرض بتجلى الله له. صعق موسى أى غشى عليه. ومعنى تجلى الله للجبل أن الله خلق فى الجبل إدراكا وحياة ورؤية لله فرأى ربه، الله تعالى خلق فيه الرؤية لكنه اندك من شدة خشيته من الله تعالى، وهذه الجمادات الله تبارك وتعالى يخلق فى بعضها فى بعض الأوقات إدراكا وحياة ثم تعود إلى حالتها. ومن الدليل على ذلك قوله تعالى ﴿وإن منها لما يهبط من خشية الله﴾ [سورة البقرة].
وقد صح عن النبى ﷺ أن ثلاثة من الذين كانوا ممن قبلنا أى قبل هذه الأمة من المؤمنين أووا إلى الغار أى لجؤوا إليه فلما دخلوه نزلت صخرة من أعلى الجبل فسدت عليهم فم الغار، والرسول قال إن هذا الحجر من الحجر الذى يهبط من خشية الله، وهؤلاء مؤمنون، لكن الله تعالى ابتلاهم لأنه يبتلى المؤمنين فى هذه الدنيا بأشياء من البلاء وهؤلاء ارتعبوا ارتعابا شديدا لما أصابهم هذا البلاء وهو انسداد فم الغار الذى دخلوه عليهم بحيث لا يقدرون على الخروج منه فقال بعضهم لبعض ليسأل كل منا ربه الفرج بعمل صالح قدمه، فكل واحد من الثلاثة ذكر عملا صالحا قدمه قبل ذلك ففرج الله عنهم بأن انزاحت الصخرة فخرجوا سالمين. ولولا أن الله فرج عليهم لتلفوا وهلكوا.
والله سبحانه وتعالى أعلم. الحمد لله رب العالمين.
اللهم ربنا ءاتنا فى الدنيا حسنة وفى الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا وارحمنا وعافنا واعف عنا، اللهم اجعلنا من المحسنين الذكارين الأوابين الشكارين لك، واغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان والحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن وصل اللهم على سيدنا محمد وعلى ءاله وسلم، سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله رب العالمين.