الحجّ الصحيح ليْسَ مُجرّد لبس الثياب البيض والسفر
الحمدُ للهِ ربِّ العالَمين وصلّى اللهُ وسلّمَ على سيِّدِنا محمّدٍ وعلى ءالِهِ وصحبِهِ الطّيِّبينَ الطاهِرينَ وبعد؛ اِعْلَموا أيُّها الأحِبّة أنَّ اللهَ تبارَكَ وتعالى أمرَنَا بأشياء لا بُدَّ أنْ نأتِيَ بها ونَهانَا عنْ أشياء لا يجوزُ لنا أنْ نَقْتَرِفَها.
اللهُ تعالى أمَرَنا بالعِباداتِ كالصلاةِ والصوْمِ والحَجِّ لِمَنْ اسْتَطاعَ والزّكاة لِمَنْ وَجَبَتْ عليهِ.
كثيرٌ مِنَ النّاسِ يَذْهَبونَ إلى الحَجِّ والعُمْرةِ ويَرْجِعونَ حقيقةً بِلا حَجٍّ ولا عُمْرةٍ. لا يَعْرِفونَ ما هيَ أرْكانُ الحَجِّ، ما هيَ واجباتُ الحَجِّ، ما هيَ مُبْطِلاتُ الحَجِّ، ما هيَ مُفْسِداتُ الحَجِّ، ما هيَ السُّنَن، لا يُفَرِّقونَ بينَ الفرضِ، بين الرُّكن بينَ الواجِبِ، والسّنّة، لا يَعْرِفون الفَرق، فيَذْهَبونَ ويَرْجِعونَ بِلا حَجٍّ صحيح.
مُجَرّدُ أنْ يَذْهَبَ الشخصُ لِأداءِ العِبادةِ ليسَ معْناهُ أنّهُ أدّى العِبادةَ صحيحةً كمَا أمرَ اللهُ تبارَكَ وتعالى. نحنُ مأمورونَ بِأداءِ العِبادة ومأمورونَ أنْ نُؤَدِّيَها على حسَبِ الشّريعةِ.
الرسولُ عليه الصّلاةُ والسّلامُ قال: “خُذُوا عنّي مَناسِكَكُم” أيْ تَعَلَّموا مِنِّي كيفَ يُؤَدَّى الحَجّ.
مِنْ أرْكانِ الحجِّ مثلًا: الطّوافُ بالكعبةِ، هذا الطّواف لا بُدَّ أنْ يأتيَ بهِ الحاجّ في وقتٍ مُعَيَّنٍ، إنْ لمْ يَحْصُلْ هذا الطّواف الذي هوَ طَوافُ الإفاضةِ، طَوافُ الرُّكنِ، الذي هو ركنٌ مِنْ أرْكانِ الحجِّ إذا لمْ يَأتِ بهِ في وَقْتِهِ لمْ يَصِحّ. إذا لمْ يأتِ بهِ على الوجهِ الصّحيحِ المَنْقولِ عنْ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم لا يَصِحّ. فَمَثلًا يَدْخُلُ وَقتُ طوافِ الإفاضةِ بعدِ مُنْتَصفِ ليلةِ العيدِ، إذا إنسانٌ طافَ قبلَ مُنْتَصَفِ ليْلةِ العيدِ باسْمِ طوافِ الإفاضةِ، طواف الرّكنِ، لا يَصِحّ. إذا أرادَ أنْ يَطوفَ لا بُدَّ أنْ يكونَ على طهارةٍ أي لا بدَّ أنْ يكونَ مُتَوَضَّئًا، وأنْ لا يكونَ على بدَنِهِ نَجاسَة ولا على ثوْبِهِ نجاسَة، إنْ طافَ وعلى بدَنِهِ نَجاسة ليسَ مَعْفُوًّا عنها لا يَصِحُّ طوافُهُ، إنْ طافَ وهوَ مُحْدِثٌ ليسَ مُتَوَضِّئًا لا يَصِحُّ طَوافُهُ. وهذا الطّوافُ لا بُدَّ أنْ يكونَ منَ الحجَرِ إلى الحَجَرِ، ولا بدَّ أنْ تكونَ الكَعبة عنْ يسَارِهِ في كلِّ طوافِهِ وهو يَدورُ حوْلَ الكعْبةِ لا بدَّ أنْ تكونَ الكعبةَ عنْ يسَارِهِ، فإذا اسْتَقْبَلها بِصَدْرِهِ أوْ ولّاها ظَهْرَهُ لا يَصِحُّ هذا الطّواف. وإذا لمْ يصِحَّ الطّواف مَعْناهُ أنَّ الحجَّ لمْ يَصِحّ.
وقدْ رأيْنا في الحجِّ حينَ ذَهَبْنا عِدّةَ مرّاتٍ أنَّ أُناسًا يَأتُونَ بصورةِ العِبادةِ ولا يَأتُونَ بِهذهِ العِبادةِ على الوَجهِ الصّحيحِ. لا يُشْتَرَطُ أنْ يقولَ شيئًا أثْناءَ الطّوافِ لكنْ يُشْتَرَطُ أنْ يكونَ منَ الحجَرِ الأسودِ إلى الحجَرِ الأسودِ، في كلِّ مرّةٍ تُعْتَبَرُ مرّة، ويُشْتَرَطُ أنْ يكونَ سبْعَ مرّاتٍ يَقينًا هذا الطّواف حتى يَصِحّ حتى يكونَ مَقْبولًا حتى يُعَدّ أنّهُ أدَّى هذا الرُّكنُ العظيم الذي هوَ ركْنٌ مِنْ أرْكانِ الحجِّ. بعدَ ذلكَ السّعي: كثيرٌ منَ النّاسِ أيضًا لا يَعْرِفونَ مِنْ أينَ يَبْدَأونَ بالسّعيِ بينَ الصّفا والمَرْوة. فإذا لمْ يَأتِ الشخص بأنْ سَعَى بينَ الصّفا والمَرْوةِ منَ المكانِ الذي لا بُدَّ أنْ يَبْدَأَ منهُ، وأنْ يَنْتَهِيَ بالمكانِ الذي لا بُدَّ أنْ يَنْتَهِيَ إليهِ لا يَصِحُّ سَعْيُهُ. والسَّعْيُ رُكنٌ مِنْ أرْكانِ الحجِّ. وإذا لمْ يَفعلْ هذا في المكانِ المَخْصوصِ الذي كانَ مِنْ أيامِ الرسولِ عليه الصلاةُ والسّلامُ والصّحابةُ والأئمّةُ كانَ هذا المكانُ مَخْصوصًا مَعْروفًا لا بُدَّ أنْ يكونَ السّعيُ في هذا المكانِ، إذا لمْ يَحصُلْ في هذا المَوْضِعِ فَسَعْيُهُ لا يَصِحّ. وإذا لمْ يَصِحّ السّعْي مَعناهُ أنَّ حَجَّهُ لمْ يصِحّ. إذا رَجَعَ إلى بلَدِهِ رَجَعَ وهوَ بعدُ الإحْرامُ في رقَبَتِهِ ولمْ يَتَحَلَّلْ منهُ لأنَّهُ لمْ يَأتِ بكلِّ أرْكانِ الحجِّ كما ورَدَتْ عنْ رسولِ اللهِ صلّى اللهُ عليه وسلّم، والأمْثِلةُ كثيرةٌ.
لذلكَ مَنْ أرادَ العِبادةَ إنْ كانتْ حجًّا إنْ كانت زكاةً إنْ كانتْ صلاةً إنْ كانتْ صوْمًا لا بُدَّ أنْ يَتَعَلَّمَ ذلكَ مِنْ أهلِ المَعرِفةِ الثِّقاتِ ليسَ بَفَتْحِ غوغل على التلفون وليسَ بِمُجَرَّدِ النَّظرِ في التلفزيون، لا.
الرسولُ صلّى اللهُ عليه وسلّم قال “أيُّها النّاسُ تَعَلَّموا وإنَّما العِلْمُ بالتَّعَلُّمِ”.
في إحْدَى الحَجّاتِ التي كُنْتُ فيها جاءَني رجلٌ وقالَ لي “أريدُ أنْ أذهبَ لِرَمْيِ جَمْرَةِ العَقَبةِ”، جمرةُ العقبةِ هيَ الجَمْرةُ الكُبرَى، يَدْخلُ وقْتُها بعدَ مُنْتَصَفِ ليْلةِ العِيدِ وكانَ الوقتُ ما صار، ليْلة العيدِ ما حصل منتصف ليلة العيد بعد، فقلتُ لهُ “لا يَصِحُّ أنْ تَرْمِيَ الآن”، يعني إنْ رَمى كأنّهُ ما رَمى. فقال “إذًا سَأذْهَبُ لِأحْلِقَ شعْرِي”، قلتُ لهُ “لا يصِحّ أنْ تَحْلِقَ شَعرَكَ الآن لأنَّ الحَلْقَ أو التّقصيرَ أيضًا يَدْخُلُ وقْتُهُ بعدَ مُنْتَصَفِ ليلةِ العيدِ”.
فإذًا لا بدَّ منَ العِلمِ، لا بدَّ منَ التَّعَلُّمِ مِنْ أهلِ المعرِفةِ الثِّقاتِ حتّى يكونَ هذا العَمَل مُوافِقًا للشريعةِ كما قالَ الرّسولُ صلّى اللهُ عليه وسلّم. والحمدُ للهِ وصلّى اللهُ وسلّم على رسولِه.