الثلاثاء فبراير 10, 2026

الدرس العشرون

الجزاء على أداء الواجبات واجتناب الـمحرمات

الجمعة 18/2/1982ر

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه وسلم.

أما بعد، فإن الله تبارك وتعالى خلق الخلق بقدرته وكلفهم بما أمر ونهى قال الله تبارك وتعالى: {أيحسب الإنسان أن يترك سدى}([1]) [القيامة: 36] أي: أن الله تبارك وتعالى ما خلق الخلق لكي يكونوا كالهمل أي كالإبل التي ترعى بلا راع، خلقهم ليأمرهم بأداء الواجبات واجتناب المحرمات ليجعل جزاء المطيعين له في هذه الدنيا النعيم المقيم الدائم في الآخرة ويجعل جزاء العاصين المخالفين للأمر والنهي العذاب الأليم في الآخرة، فأسعد الخلق في هذه الحياة من وفق لامتثال أمر الله تعالى فأدى الواجبات ولاجتناب محارمه فاجتنب المحرمات، هذا أسعد خلق الله لأنه أرضى خالقه، قال الله تبارك وتعالى: {إن الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية * جزاؤهم عند ربهم جنات عدن تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبدا رضي الله عنهم ورضوا عنه ذلك لمن خشي ربه} [البينة: 7، 8]. هؤلاء هم أسعد الخلق لأن الله تبارك وتعالى رضي عنهم كما أنهم راضون عنه.

ورضى الله تعالى صفة من صفاته ليست كرضى الخلق، وأما رضى العبيد عن ربهم فذلك أنهم ءامنوا به واستسلموا لقضائه وسلموا الأمر له أي لم يعترضوا على الله في أمر من الأمور، إن أصابتهم فاقة فلا يعترضون على الله وإن أصابتهم مصيبة في أبدانهم لا يعترضون على الله، وإن أصابتهم مصائب في أهليهم فلا يعترضون على الله، هذا معنى رضى العباد عن ربهم.

والله تبارك وتعالى أخبرنا في هذه الآية بأن من ءامن بالله ورسوله وبما جاء عن نبيه ﷺ وعمل صالحا هم خير عباد الله، لأن معنى الإيمان برسوله قبول كل ما جاء به رسول الله ﷺ بلا تفريق بين شيء وشيء، بين حكم وحكم بل هو أن يرضى العبد بكل ما جاء به سيدنا محمد ﷺ إن كان من الاعتقاديات وإن كان من الأحكام العملية، المؤمن يرضى بكل ذلك ولا يتسخط على الله إن أصابته البلايا والنكبات والمصائب.

ثم إن عباد الله الصالحين على مراتب فمنهم من بلغ بهم الحال إلى أنهم يفرحون بالبلايا كما يفرح غيرهم بالعطاء والرخاء، هؤلاء هم عباد الله المقربون وهم طبقة خاصة في عباد الله المؤمنين الصالحين، فالله تبارك وتعالى أخبرنا في هذه الآية بأن هؤلاء العباد الذين ءامنوا وعملوا الصالحات أي ءامنوا بالله ورسوله وبكل ما جاء به رسوله {وعملوا} أي: أدوا الفرائض، الله تعالى افترض عليهم أداء الواجبات واجتناب المحرمات فهم قاموا بذلك.

وأخبرنا بما وعد هؤلاء العباد المؤمنين مما هو وعد منجز لهم في الآخرة قال تعالى بعد أن مدحهم بأنهم خير خلق الله، خير ما خلق الله، بعد أن قال فيهم {أولئك هم خير البرية} أي: خير خلق الله، بشرهم بأن لهم في الحياة الثانية جنات تجري من تحتها الأنهار وأنهم خالدون فيها أي لا يموتون، فحياتهم مستمرة إلى غير نهاية، جعلهم باقين، هم باقون بمشيئة الله تعالى لهم هذا البقاء، وجعل بقاءهم فيها بقاء لا يتخلله فاقة ولا بؤس ولا مرض، جعلهم عائشين في نعيم لا ينقطع، ثم أكد بيان حالهم بقوله تعالى: {ذلك لمن خشي ربه} هؤلاء المؤمنون الذين خشوا ربهم ليس حظهم في الآخرة في نعيم يشاركهم في جميعه غيرهم بل هم يشاركون سائر أهل الجنة في أشياء وخصهم بأشياء ليست لغيرهم، وهذا النعيم الخاص بهم شيء لم يطلع الله تعالى أحدا من خلقه عليه، لا يعلم ذلك النعيم خزنة الجنة، لا يعلمه أحد إلا الله، أخفاه لهم فيوفونه بعد دخول الجنة، لأن نعيم الجنة قسمان قسم يناله كل من دخل الجنة وهو أنهم ينعمون فلا يبأسون أبدا ويحيون فلا يموتون أبدا ويكونون أصحاء فلا يمرضون أبدا ويكونون شبابا فلا يهرمون أبدا، ومن ذلك الأنهار الأربعة النهر الذي هو من حليب لا يفسد ولا يحمض والنهر الذي هو من ماء لا يتعفن والنهر الذي هو من خمر لا يجدون منها أذى بالمرة لا صداع رأس ولا غير ذلك إلا اللذة والفرح من دون أن يعقبهم تغير في العقل، والنهر الذي هو من العسل المصفى، هذه الأنواع من النعيم كل أهل الجنة يشتركون فيها.

وهناك نعيم هو أحب نعيم الجنة إليهم وهو رؤية ربهم، يرونه تبارك وتعالى كما وصف نفسه في القرءان الكريم {ليس كمثله شيء} [الشورى: 11] يرون موجودا لا يشبه شيئا من الموجودات، لا يرونه متحيزا في مكان أو جميع الأماكن لا يرونه ذا لون لا يرونه ذا شكل، هذا أحب نعيم الجنة إليهم.

والقسم الآخر من الخلق هم الذين وصفهم الله تعالى بقوله: {إن الذين كفروا من أهل الكتاب والمشركين في نار جهنم خالدين فيها أولئك هم شر البرية} [البينة: 6]. البرية الخلق، ولا يكون من أهلها على الدوام والاستمرار إلا من مات على الكفر، وأما من ختم الله تعالى له بالإيمان ولو سبق له أن كان على الكفر فإنه لا يكون من أهل جهنم الخالدين فيها.

ربنا ءاتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار، اللهم اغفر لنا وارحمنا واهدنا وعافنا، والحمد لله رب العالمين. والله أعلم.

([1]) قال النسفي في تفسيره: أيحسب الكافر أن يترك مهملا لا يؤمر ولا ينهى ولا يبعث ولا يجازى.