(ثم) تلا غزوة حمراء الأسد (بنو النضير) أي غزوتها في ربيع الأول من السنة الرابعة من الهجرة، وبنو النضير قوم من يهود المدينة، وقال بعضهم: هم حي من يهود خيبر كان يقال لقريتهم زهرة.
وفي خبرها أن عمرو بن أمية لما انفلت من رعل وذكوان وعصية([1]) وجاء إلى النبي ﷺ وأخبره بمقتل السبعين إلا واحدا من القراء الأنصاريين، لقيه في الطريق رجلان من بني عامر، وقد كان معهم عهد من النبي ﷺ وجوار لا يعلم عمرو به، فلما نزلا سألهما عمرو: من أنتما؟ قالا: رجلان من بني عامر، فأمهلهما حتى إذا ناما عدا عليهما فقتلهما وهو يرى أنه قد أصاب ثأرة من بني عامر بما أصابوا من القراء ببئر معونة.
فلما قدم عمرو بن أمية على رسول الله ﷺ أخبره الخبر فقال رسول الله ﷺ: «لقد قتلت قتيلين كان لهما مني جوار، لأدينهما([2])»، فانطلق رسول الله ﷺ إلى قباء ثم مال ونفر من الـمهاجرين إلى بني النضير ليستعين في ديتهما لأن بني النضير كانوا حلفاء بني عامر، فجلس رسول الله ﷺ إلى مجلسهم واستند إلى جدار هناك فكلمهم فقالوا: يا أبا القاسم نعينك على ما أحببت، فأقم عندنا حتى تـتغدى.
واجتمع بعض بني النضير يتآمرون فيما بينهم فقال عمرو بن جحاش: يا معشر بني النضير والله لا تجدونه أقرب منه الساعة، وذلك أنه ﷺ لم يكن معه إلا نحو عشرة من أصحابه فيهم أبو بكر وعمر وعلي، ثم قال عمرو: يعلو رجل على ظهر هذا البيت فيلقي عليه صخرة فيقتله بها، فنهاهم سلام([3]) بن مشكم وقال: والله ليخبرن بما هممتم، وإنه لنقض للعهد الذي بيننا وبينه، فعصوا كلام ابن مشكم وصعد عمرو بن جحاش ليدحرج الصخرة، فأوحي إلى النبي ﷺ بما أراد القوم، فقام ﷺ مظهرا أنه منصرف في حاجة له وأصحابه ينتظرونه، فلما أبطأ ﷺ على أصحابه وقاموا في طلبه جعلت اليهود تقول: ما حبس أبا القاسم، فقام أصحابه ﷺ في طلبه، فقال لهم حيي: لقد عجل أبو القاسم، كنا نريد أن نقضي حاجته ونقريه، فقال كنانة بن صويراء: جاءه والله الخبر الذي هممتم به.
ولقي أصحاب النبي ﷺ رجلا مقبلا من المدينة فقالا: أرأيت رسول الله ﷺ؟ فقال: رأيته داخلا المدينة، فانتهوا إليه ﷺ وهو جالس في المسجد فقالوا: يا رسول الله انتظرناك فمضيت وتركتنا، فقال ﷺ: «همت اليهود بقتلي، ادعوا لي محمد بن مسلمة»، فجاءه فقال ﷺ: «اذهب إلى اليهود فقل لهم: اخرجوا من الـمدينة، لا تساكنونني وهممتم بما هممتم من الغدر».
فلما جاء بني سلمة محمد بن مسلمة قال لهم: إن رسول الله ﷺ يأمركم أن تظعنوا من بلاده، فقالوا: يا محمد، ما كنا نظن أن يجيئنا بهذا رجل من الأوس، فقال محمد بن مسلمة: تغيرت القلوب ومحا الإسلام العهود السابقة عليه، فقالوا: نتحمل. فأرسل إليهم عبد الله بن أبي: لا تخرجوا فإن معي ألفي رجل من العرب يدخلون معكم، وقريظة تدخل معكم، فبلغ ذلك كعب بن أسد صاحب عهد بني قريظة فقال: لا ينقض العهد رجل من بني قريظة وأنا حي.
وأرسل حيي بن أخطب من سادات بني النضير إلى رسول الله ﷺ يقول: إنا لا نفارق ديارنا فاصنع ما بدا لك، فكبر رسول الله ﷺ والمسلمون وقال ﷺ: «حاربت يهود».
فسار رسول الله ﷺ إليهم في أصحابه وعلي رضي الله عنه يحمل رايته ﷺ واستخلف على المدينة ابن أم مكتوم، وصلى ﷺ وأصحابه العصر بفناء بني النضير، وقام بنو النضير على حصونهم معهم النبل والحجارة وقد اعتزلتهم قريظة فلم تعنهم، وخذلهم عبد الله بن أبي وحلفاؤهم من غطفان فيئسوا من نصرهم.
وكان عدد يهود بني النضير يومها ألفا وخمسمائة، فحاصرهم رسول الله ﷺ وأصحابه خمسة عشر يوما وقط نخلهم وحرقها، وكان الذي باشر ذلك عبد الله بن سلام وعبد الرحمن بن كعب أبا ليلى الحراني من أهل بدر، فقال رسول الله ﷺ: «لم قطعتم العجوة؟» فقال أبو ليلى: يا رسول الله، كانت العجوة أحرق لهم وأغيظ، فلما قطعت العجوة جعلت نساء بني النضير تشق الجيوب وتضرب الخدود وتدعو بالويل، وجعل سلام بن مشكم يقول لسيد بني النضير: يا حيي، العذق خير من العجوة، يغرس فلا يطعم ثلاثين سنة يقطع! فأرسل حيي إلى رسول الله ﷺ قائلا: يا محمد، إنك كنت تنهى عن الفساد فلم تقطع النخل؟! ووجد بعض المسلمين في أنفسهم من قول حيي فقالوا: لا تقطعوا، وقال بعضهم: بل نقطعه لنغيظهم بذلك، فنزلت: {ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين} [الحشر:5]، واللينة النخلة، ومعناها إذا قطعتم شجر النخل الذي كان لبني النضير حتى لا يقووا أو تركتموه فإنه جائز لكم.
وأرسل حيي إلى رسول الله ﷺ يقول: نحن نعطيك الذي سالت ونخرج من بلادك، فقال رسول الله ﷺ: «لا أقبله اليوم، ولكن اخرجوا منها ولكم ما حملت الإبل إلا الحلقة([4]) والآلة». فقال سلام بن مشكم لحيي: اقبل ويحك من قبل أن تقبل شرا من ذلك، فقال حيي: ما يكون شرا من هذا؟ فقال سلام: تسبى الذرية وتقتل الـمقاتلة مع الأموال، والأموال أهون علينا، فمكث حيي يوما أو يومين لا يقبل، فلما رأى يامين ابن عمير وأبو سعد بن وهب من بني النضير ذلك قال أحدهما لصاحبه: والله إنك لتعلم أنه رسول الله، فما ننتظر أن نسلم فنأمن على دمائنا وأموالنا؟ فنزلا من الليل فأسلما وحرزا أموالهما ودماءهما. وجعل يامين لرجل من قيس عشرة دنانير أو خمسة أوسق من تمر حتى قتل عمرو بن جحاش غيلة.
وتربصت اليهود نصرة عبد الله بن أبي إياهم، فلما لم يجئ وقذف لله في قلوبهم الرعب صالحوا رسول الله ﷺ على أن يحقن لهم دماءهم وله الأموال وأنهم ينجلون من ديارهم على أن لهم ما حملت الإبل من أموالهم إلا السلاح والآلة، وجعل الرجل منهم يهدم بيته فيضع بابه على ظهر بعيره فينطلق به، وقيل كانوا يقلعون العمد وينقضون السقوف وينقبون الجدران لئلا يسكنها المؤمنون حسدا منهم وبغضا، قال تعالى: {يخربون بيوتهم بأيديهم} الآية [الحشر: 2].
وأقام رسول الله ﷺ وأصحابه على حصار يهود خمسة عشر يوما حتى أجلاهم وولي إخراجهم محمد بن مسلمة، فاتجهوا نحو خيبر وهم يومئذ على ستمائة بعير، فنزل أكثرهم بخيبر فدانت لهم، وذهبت طائفة منهم إلى الشام، وكان ممن صار منهم إلى خيبر أكابرهم كحيي بن أخطب وسلام ابن أبي الحقيق، فحزن المنافقون لخروجهم أشد الحزن.
ولما غنم رسول الله ﷺ بني النضير بعث ثابت بن قيس فدعا الأنصار كلها الأوس والخزرج، فحمد رسول الله ﷺ ربه وأثنى عليه، وذكر الأنصار وما صنعوا بالمهاجرين وإنزالهم إياهم في منازلهم وأثرتهم على أنفسهم ثم قال: «إن أحببت قسمت بينكم وبين المهاجرين مما أفاء الله تعالى علي من بني النضير، وكان المهاجرون على ما هم عليه من السكنى في مساكنكم وأموالكم، وإن أحببتم أعطيتهم وخرجوا من دوركم» . فقال سعد بن عبادة وسعد بن معاذ: يا رسول الله، بل تقسمه للمهاجرين ويكونون في دورنا كما كانوا، ونادت الأنصار: رضينا وسلمنا يا رسول الله، فقال رسول الله ﷺ: «اللهم ارحم الأنصار وأبناء الأنصار وأبناء الأنصار»، فبكى القوم حتى أخضلوا لحاهم وقالوا: رضينا برسول الله قسما وحظا، فقسم رسول الله ﷺ ما أفاء الله عليه على الـمهاجرين دون الأنصار إلا رجلين كانا محتاجين، وأعطى سعد بن معاذ سيف ابن أبي الحقيق.
([1]) انظر الكلام على حادثة مقتل القراء ببئر معونة في باب البعوث والسرايا.