الأربعاء فبراير 18, 2026

الثالثة والعشرون: غزوة عمرة القضية

(فـ)ـبعد غزوة خيبر كانت (عمرة القضية) أي غزوتها، وتسمى غزوة عمرة القضاء وعمرة القصاص.

وكان من خبر هذه الغزوة أن رسول الله ﷺ خرج في ذي القعدة من السنة السابعة قاصدا مكة للعمرة على ما عاقد عليه قريشا في الحديبية من أنه يدخل مكة في العام القابل معه سلاح الـمسافر ولا يقيم بها أكثر من ثلاثة أيام؛ وكان ﷺ قد أقام بالمدينة بعد رجوعه من خيبر شهري ربيع وما بعدهما إلى شوال وهو يبعث سرايا إلى أن خرج في ذي القعدة كما مر([1]).

واختلف في تسميتها بعمرة القضاء، فقال بعضهم: المراد ما وقع من الـمقاضاة بين الـمسلمين والـمشركين من الكتاب الذي كتب بينهم بالحديبية، فالمراد بالقضاء الفصل الذي وقع عليه الصلح، ولذلك تسمى عمرة القضية أيضا، وقال بعضهم لأنها قضاء عن العمرة التي صد عنها عام الحديبية([2])، وقالت طائفة: بل كانت قضاء عن العمرة الأولى، وعدت عمرة الحديبية في العمر لثبوت الأجر فيها لا لأنها كملت([3])، وذهب ابن هشام([4]) إلى أن تسميتها عمرة القصاص راجع إلى ما حصل من صد الـمشركين رسول الله ﷺ عن العمرة في ذي القعدة الشهر الحرام من سنة ست، فاقتص منهم رسول الله ﷺ ودخل مكة في ذي القعدة الشهر الحرام الذي صدوه فيه من سنة سبع.

وخرج النبي ﷺ معتمرا ومعه المسلمون ممن كان صد معه في عمرته تلك وغيرهم فبلغوا ألفين، فلما سمع به مشركو مكة خرجوا عنه، واستخلف رسول الله ﷺ على المدينة أبا ذر الغفاري، وقيل: أبا رهم كلثوم بن حصين الغفاري، وساق معه ﷺ ستين بدنة وجعل عليها ناجية بن جندب، وحمل السلاح البيض والدروع واستعمل عليها بشير بن سعد، وخرج معه مائة فرس.

وكان إحرامه ﷺ من باب مسجده بالمدينة ثم سلك طريق الفرع([5]) ملبيا والمسلمون يلبون معه، فلما انتهى محمد بن مسلمة بالخيل إلى مر الظهران وجد بها نفرا من قريش، فسألوه عن رسول الله ﷺ فقال لهم: يصبح([6]) هذا الـمنزل إن شاء الله، فرأى النفر سلاحا كثيرا مع بشير بن سعد فأسرعوا إلى مكة وأخبروا قريشا بذلك، ففزع قريش وقالوا: والله ما أحدثنا حدثا ففيم يغزونا: محمد؟!

ولما نزل رسول الله ﷺ مر الظهران قدم السلاح إلى بطن يأجج([7]) تاركا معه مائتين من أصحابه عليهم أوس بن خولي، فخرج مكرز بن حفص في نفر حتى لقوا النبي ﷺ بها فقالوا: يا محمد، والله ما عرفت صغيرا ولا كبيرا بالغدر، تدخل بالسلاح الحرم على قومك وقد شرطت أن لا تدخل إلا بسلاح الـمسافر السيوف في القرب([8])، فقال ﷺ: «إني لا أدخل عليهم بالسلاح».

فعاد مكرز إلى مكة وأخبرهم، فخرج رؤساء قريش من مكة إلى رؤوس الجبال غيظا وحسدا وقالوا: لا ننظر إليه ولا إلى أصحابه، وذلك بسبب ما أشاعوه من أن المسلمين قد أصابتهم الحمى وقالوا لقومهم: إنه يقدم عليكم قوم قد وهنتهم الحمى ولقوا منها شرا، فأمر النبي ﷺ أصحابه أن يرملوا الأشواط الثلاثة وأن يمشوا بين الركنين، فلما رأوهم يرملون قالوا: هؤلاء الذين ذكرتم أن الحمى وهنتهم([9])، هؤلاء أجلد منا، رواه البيهقي عند ابن عباس موقوفا([10]).

 

وحبس رسول الله ﷺ الهدي بذي طوى ودخل مكة من ثنية كداء([11]) – وهي الثنية التي تطل على الحجون([12]) – ثم ركب ناقته القصواء([13]) وحوله أصحابه متوشحو السيوف يلبون، وعبد الله بن روحة ءاخذ بزمام القصواء، ولم يزل ﷺ يلبي حتى استلم الركن، وقيل: لم يقطع التلبية حتى جاء بيوت مكة([14]).

وانتهى ﷺ إلى البيت الحرام وهو على راحلته فدنا من الركن واستلمه بمحجنه وهو مضطبع بثوبه، وهرول هو والمسلمون في الثلاثة الأشواط الأول، وكان ابن رواحة يرتجز في طوافه وهو ءاخذ بزمام القصواء فقال له رسول الله ﷺ: «يا ابن رواحة قل: لا إلٰه إلا الله وحده، نصر عبده، وأعز جنده، وهزم الأحزاب وحده».

وروى الترمذي والنسائي كلاهما في «السنن» وابن خزيمة في «صحيحه» عن أنس قال: دخل رسول الله ﷺ مكة في عمرة القضاء وابن رواحة بين يديه يقول: [الرجز]

خلوا بني الكفار عن سبيله
ضربا يزيل الهام عن مقيله

 

اليوم نضربكم على تنزيله
ويذهل الخليل عن خليله

 فقال له عمر: يا ابن رواحة في حرم الله وبين يدي رسول الله ﷺ تقول هذا الشعر! فقال النبي ﷺ: «خل عنه، فوالذي نفسي بيده([15]) لكلامه أشد عليهم من وقع النبل».

ولما قضى النبي ﷺ طوافه خرج إلى الصفا فسعى على راحلته، ووقف عند فراغه قريبا من الـمروة والهدي عندها فقال: «هذا الـمنحر وكل فجاج مكة منحر»، ونحر عند الـمروة.

وكان قد اعتمر معه ﷺ قوم لم يشهدوا الحديبية فلم ينحروا، من شهدها وخرج في القضية فإنهم اشتركوا في الهدي. وأمر رسول الله ﷺ مائتين من أصحابه حين طافوا بالبيت وسعوا أن يذهبوا إلى أصحابه ببطن يأجج ليقيموا على السلاح، وأن يأتي الآخرون فيقضوا نسكهم، ففعلوا كما قال.

وصعد بلال رضي الله عنه فوق الكعبة فأذن بالظهر، فاغتاظ لذلك الـمشركون حتى غطى سهيل بن عمرو ورجال معه وجوههم تغيظا مما يقع.

وأقام رسول الله ﷺ بمكة ثلاثا قضى فيها وأصحابه النسك، فلما كان ظهر اليوم الرابع خرج ﷺ من مكة ورجع إلى المدينة في ذي الحجة، وقيل: الظاهر أن ذلك كان في أوائل نهار اليوم الرابع([16]).

([1]) تاريخ الخميس، حسين الديار بكري، (1/383).

([2]) التوشيح على الجامع الصحيح، جلال الدين السيوطي، (6/2637).

([3]) والخلاف في ذلك مبني على الاختلاف في وجوب القضاء على من اعتمر فصد عن البيت، فذهب الجمهور إلى أنه يجب عليه الهدي ولا قضاء عليه، وعن أبي حنيفة عكسه، وعن أحمد رواية أنه لا يلزمه هدي ولا قضاء وأخرى أنه يلزمه كلاهما.

([4]) سيرة ابن هشام، عبد الملك بن هشام، (2/62).

([5]) بفتح الفاء والراء أو بضم الفاء وإسكان الراء مشهور، واد جنوب المدينة بينه وبينها ثمانية برد.

([6]) أي: يأتي صباحا.

([7]) بفتح الياء وفتح الجيم الأولى وقد تكسر، واد ينصب من مطلع الشمس إلى مكة قريب منها، نقله ياقوت عن أبي عبيد في «معجم ما استعجم» (4/1385).

([8]) جمع قراب، بكسر القاف، شيء يخرز من الجلد يضع فيه الراكب سيفه بغمده وسوطه ويعلقه في الرحل كالغمد.

([9]) دلائل النبوة، أبو بكر البيهقي، (4/325).

([10]) أي: أضعفتهم.

([11]) بفتح الكاف، ثنية على باب مكة.

([12]) بفتح الحاء الـمهملة وضم الجيم، جبل طرف مكة.

([13]) كانت تسمى بذلك ولم تكن مقطوعة الأذن. ينظر: التوضيح، ابن الـملقن، (21/577).

([14]) إمتاع الأسماع، تقي الدين الـمقريزي، (1/332).

([15]) أي: أحلف بالله الذي نفسي تحت مشيئته وتصرفه، والله منزه عن الجارحة والعضو.

([16]) سبل الهدى والرشاد، محمد الصالحي الشامي، (5/197).