الخميس فبراير 19, 2026

الدرس الثانى والثلاثون

التحذير من انتقاص الرسول ﷺ والرد

على بعض شبهات الملاحدة وأنه لا خالق إلا الله

 

     الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على أكرم المرسلين وعلى ءاله وصحبه الطيبين الطاهرين.

     وبعد فإن الله تبارك وتعالى فرض على المؤمنين والمؤمنات إنكار أى إزالة ما حرمه الله تعالى على من استطاع وأشد المنكر الكفر فهو رأس الذنب وأشده وأعظمه عند الله، ومن أشد المنكرات التى هى من نوع الكفر انتقاص رسول الله ﷺ والطعن فيه.

     فمن الكفر الذى هو من هذا القبيل طعن بعض الملحدين فيه بقولهم إنه كان مفتونا بالنساء فمنهم من يتطرق إلى ذلك بالاعتراض عليه فى تزوجه بعائشة رضى الله عنها قبل سن عشر سنين فإنه ﷺ أدخلت عائشة عليه وعمرها تسع سنوات وهذا لا مطعن فيه فى عادة العرب ولا مطعن فيه من حيث شرائع الأنبياء فإنه من المعروف فى عادة عرب الحجاز بل الجزيرة العربية بأسرها البناء بالزوجة أى الدخول بها فى سن تسع سنين ليس فى ذلك عار فى الجزيرة العربية وليس فى ذلك إضرار بها وقد وجد فى الجزيرة العربية عدة نساء ولدن فى العاشرة بل حصل أن ولدت امرأة فى العاشرة بنتا ثم تزوجت هذه البنت بعد تسع سنين فولدت بعد عشر سنين فكانت الأولى جدة وعمرها إحدى وعشرون سنة.

     ومعلوم سنة الله فى أنبيائه أن أعطاهم خوارق للعادة ومن جملة الخوارق التى أعطاهم قوة غريزة الشهوة من غير أن تشغلهم عن طاعة الله بل يزداد أجرهم على الثبوت فى طاعة الله وعدم التقصير فيها مع هذه القوة الغريزية وهذا كمال فى حقهم وقد صح أن نبى الله سليمان حلف ذات يوم قال لأطوفن الليلة على مائة امرأة حتى تحمل كل واحدة منهن فتلد ولدا يكون فارسا يجاهد فى سبيل الله اهـ [رواه البخارى] وكذلك صح عن سيدنا محمد ﷺ أنه طاف بعض الأيام على عدة من نسائه ليعظم الله له الأجر حيث إنه مع قوة غريزته لم تكن النساء يشغلنه عن الاستعداد الكامل للآخرة وقد صح عن عائشة أنها قالت ما أتت ليلة من ليالى على رسول الله ﷺ إلا خرج فيها إلى البقيع يزورهم فيستغفر لهم اهـ [رواه النسائى فى سننه] والبقيع مقبرة أهل المدينة فهذا يدل دلالة ظاهرة على أنه لم يكن متعلق القلب بالنساء كما زعموا. لو كان متعلق القلب بالنساء لم يكن يترك عائشة فى دورها ونوبتها على الفراش ثم يذهب إلى الجبانة وحده ليستغفر لأهل الجبانة ويدعو لهم ويقضى هناك من الوقت ما شاء الله مع أن عمر عائشة عند وفاة النبى ﷺ كان ثمانى عشرة سنة وكانت أجمل نسائه أو من أجملهن مع حداثة السن ولم يكن دورها من بين نسائه ﷺ إلا نحو يوم فى عشرة أيام. ومما يدل على أنه ﷺ لم يكن متعلق القلب بالنساء أن شخصا عرض عليه بنته ووصفها بالجمال وقال إنها لم تمرض قط فقال لا حاجة لى فيها، وذلك لأن خيار الناس هم الذين يصابون فى هذه الدنيا بالمصائب فاعتبرها رسول الله ﷺ قليلة الحظ فلم يرض بزواجها مع ما وصفت به من الجمال فلو كان متعلق القلب بالنساء لم يفوت هذه الفرصة.

     فيجب على المؤمن تزييف كلام الملحدين بلا تقصير ولا هوادة [الهوادة السكون].

     وأما تعديد الزواج بالنسبة لسيدنا محمد ﷺ فمما خصه الله به من الأحكام حل الجمع بين أكثر من أربع فى ءان واحد وتحريم ذلك على أمته. وكان واجبا عليه ﷺ إظهار هذا الحكم الذى هو تشريع من الله وفى ذلك دلالة على صدقه ﷺ فى دعوى نبوته ورسالته لأنه لو لم يكن يتبع الوحى من ربه لم يتجرأ على أن يقول للناس أنا يجوز لى أن أجمع بين أكثر من أربع من النساء ولا يجوز لغيرى الجمع بين أكثر من أربع لكنه لا يبالى إلا بتنفيذ ما يوحى إليه كان همه ﷺ إرضاء ربه بتبليغ تشريع مولاه من غير تحريف ولا تبديل ولا تقصير ولا هوادة فلم يكن يصرفه عن ذلك خوف من الناس ولا من وقيعة واعتراض بعض عليه. وفى هذا الباب قال القائل

إن صح منك الرضى يا من هو الطلب          

فلا أبالى بكل الناس إن غضبوا

     كان همه ﷺ أن يرضى ربه وأن يؤدى ما أمره به ربه من عمل يعمله فى نفسه أو تبليغ يبلغه إذ كان قلبه ممتلئا بشهود أنه لا ضار ولا نافع على الحقيقة إلا الله فهذا هو معنى لا إله إلا الله لأن هذه الكلمة تحتوى على هذا المعنى لأن الله اختص باستحقاق العبادة عن غيره لأنه لا خالق لمنفعة ولا مضرة فى الظاهر أو فى الباطن إلا هو قال تعالى فى سورة فاطر ﴿هل من خالق غير الله﴾. ومعنى هذه الآية أنه لا أحد سوى الله يخلق عينا من الأعيان ولا أثرا من الآثار إلا الله، يشمل ذلك ما يحصل للعباد من لذة وألم وفرح وحزن وهم وغم وشبع ورى وجوع وعطش وإدراك وفهم وعلم ولمحة وطرفة وحركة وسكون فإنه لا يكون إلا بخلق الله لا بخلق أحد غيره فلا تخلق الأسباب على اختلاف أنواعها شيئا من مسبباتها فالنار لا تخلق الإحراق وإنما الله تعالى يخلق الإحراق عند مماسة النار بمشيئته وعلمه فهذا إبراهيم عليه السلام رمى فى تلك النار العظيمة فلم تحرقه ولا ثيابه وهذا الحيوان المسمى سمندرا لا تحرقه النار حتى شعره مع أنه كغيره من الحيوانات من حيث تركيب جسمه إذ هو من جلد ولحم ودم وهذه النعامة تأكل الجمر الأحمر وتستمرئ [أى تستهنئ] بذلك وكذلك كثير من مشايخ الرفاعية وغيرهم دخلوا أفرانا حامية فلم تحرقهم ولا ثيابهم، فلو كانت النار تخلق الإحراق لما حصل هذا. وكذلك الأكل لا يخلق الشبع والصحة والقوة فلو كان كذلك لم يحصل لكثير من أفراد هذه الأمة المحمدية أن يعيشوا بلا أكل وشرب أياما بل ثبت أن بعضا من أفراد الأمة المحمدية عاش خمس عشرة ليلة بلا أكل وهو أحد التابعين فى أيام الحجاج أغلق الحجاج عليه بيتا ليموت بالجوع إلى خمسة عشر يوما ثم أمر بإخراجه فوجده صحيحا فأعفاه من القتل وهذا الرجل من عباد الله الصالحين من العلماء العاملين من رواة حديث رسول الله ﷺ يسمى عبد الرحمٰن بن أبى نعم.

     وهذه المرأة التى استشهد زوجها فى القرن الثالث الهجرى فى ناحية من نواحى خراسان عاشت نحو عشرين سنة لا تأكل شيئا وهى بصحة تامة تمشى إذا مشت بنشاط بعد لقمة أكلتها فى المنام من يد زوجها الشهيد وكذلك غيرها من نساء وحصل فى عصرنا هذا أن رجلا [هو الشيخ محمد طوقان رحمه الله تعالى] فى جهة الجزيرة فى سورية ظل أربع عشرة عاما لا يأكل لا ليلا ولا نهارا وهو يتجول فى البلاد بنشاط وقوة فجرب الناس أمره فتحققوا من ذلك.