التقوى والاجتهاد
قال الإمام الهررى رضى الله عنه الحمد لله رب العالمين له الفضل وله الثناء الحسن وصلى الله على سيدنا محمد وعلى ءاله وصحبه الطاهرين.
أما بعد فإن الله سبحانه وتعالى قال فى كتابه العزيز ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [سورة البقرة]. هذه الآية يذهب بعض الناس فى فهمها إلى غير ما أريد بها. فيجب معرفة المعنى المراد ليحذر ذلك المعنى الذى هو غير مراد عند أهل المعرفة، فمعناها الصحيح الحقيقى الأمر للعباد بأن يتقوا ربهم.
ومعنى تقوى الله تعالى ليس مجرد القيام بصورة الصلاة وصورة الصيام والزكاة والحج وكثرة التردد إلى المساجد وكثرة التلاوة للقرءان، إنما التقوى عبارة عن أمر عظيم شاق على النفوس فهى وإن كانت كلمة موجزة خفيفة على اللسان لكنها ثقيلة فى المعنى وذلك لأنها تشمل أداء ما افترض الله على عباده كله واجتناب ما حرم الله عليهم كله. فالأمر الذى افترضه الله على العباد منه أعمال قلبية ومنه أعمال بدنية ومنه علم ومنه عمل، ليست التقوى مجرد القيام بصور الأعمال من صلاة وصيام وملازمة مسجد وحج وإكثار الصدقات، بل التقوى مدارها على أمرين عظيمين، أحدهما أن يؤدى العبد ما افترض الله عليه من أعمال القلب وأعمال البدن. فأما أعمال القلب فهى معرفة الله تبارك وتعالى ومعرفة رسوله أى الإيمان بهما إيمانا جازما بلا تردد ولا تشكك، وكذلك العلم بما بعد ذلك من أصول العقيدة كالإيمان بملائكة الله والإيمان برسله والإيمان باليوم الآخر أنه لا بد منه بأن يحشر الناس بأجسادهم وأرواحهم بعد إعادة الأجساد التى بليت أى أكلها التراب ليس مجرد عود الروح، فالمعاد الروحانى لا يكفى اعتقاده بل لا بد من اعتقاد المعاد الجسمانى والمعاد الروحانى، أما الجسم فإنه يعاد بعد أن انعدم.
الله تبارك وتعالى الذى بدأه قادر على أن يعيده بعد الفناء، وأما إعادة الروح فالروح منذ انفصلت من الجسد بالموت لم تزل موجودة، هى باقية خلقت للبقاء، إنما الفناء الذى يصيب الإنسان هو مفارقة الروح الجسد، هذا الذى لا بد منه لكل إنسان، الأنبياء والشهداء وغيرهم، أما فى ما بعد ذلك فالروح لا تزال باقية الله تعالى خلقها للبقاء فأما الأجساد فقسمان
قسم خلقها الله تعالى للبلى أى يتسلط عليها التراب فتنعدم وقسم منها خلقها الله للبقاء كأجسام الأنبياء والشهداء الذين ماتوا فى قتال الكفار ومن أراد الله تبارك وتعالى لهم ذلك من أوليائه وخاصة خلقه.
وأصل الأمور الواجبة العلمية أى الأصل الذى لا بد منه لصحة الإسلام والإيمان هو معرفة الله ورسوله، هذا أساس الدين الذى لا يكون الإنسان مؤمنا ولا مسلما بدون ذلك، فمن حصلت له هذه المعرفة جازما بها من غير تردد ولا تشكك فهو مسلم مؤمن لكنه لا يكون مسلما كاملا إلا بأداء جميع ما افترض الله عليه واجتناب جميع ما حرمه عليه. قال بعض العلماء العلم أولا ثم العمل وذلك لأن العلم يشمل العلم بالله أى معرفة الله والعلم برسوله أى معرفة رسوله لذلك قالوا العلم قبل العمل لأن العمل لا يصح بدون علم لذلك قال الله تبارك وتعالى ﴿فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين﴾ [سورة محمد] الآية.
قدم ذكر العلم، والعلم هنا شامل للعلم بأصول العقيدة، وأصل العقيدة هو معرفة الله، ويقترن بذلك معرفة رسوله ﷺ. ومن جملة ما افترض الله على عباده تعلم هذا العلم الذى فرضه الله على العباد وهو علم أصول الدين، وعلم الأحكام كمعرفة أحكام الصلاة لأدائها على الوجه الصحيح الموافق لما أمر الله به، وسائر الأعمال التى لا يستغنى عنها المسلم لكونها فرضا عينيا على كل مكلف. فمن تعلم أصول العقيدة وتعلم علم الدين الضرورى المتعلق بالعمليات، بالعبادات العملية كأمر الصلاة واجباتها ومبطلاتها وأحكام الصيام واجباته ومبطلاته، فهذا قد قام ببعض ما افترض الله عليه.
فمعنى قوله تعالى ﴿واتقوا الله ويعلمكم الله﴾ [سورة البقرة] أدوا ما افترضت عليكم من علم وعمل وتجنبوا ما حرمت عليكم من أعمال القلوب وأعمال البدن.
فمن فعل ذلك يكرمه الله تبارك وتعالى بالعلم الذى هو العلم اللدنى.
فالعبد المؤمن إذا تعلم ما افترض الله عليه من العلم الضرورى فى دين الله وعمل وصدق فى عمله، عمل بإخلاص كما أمره الله تبارك وتعالى عندئذ يكون أهلا للعلم اللدني، وهو العلم الذى يفاض على القلب على قلب العبد المؤمن التقى، أما من دون ذلك أى من دون أداء جميع ما افترض الله عليه بما فيه من علم الدين الضرورى فليس للعبد حظ فى هذا العلم اللدنى.
كثير من الناس يعيشون فى غرور لا يتعلمون العلم الضرورى من علم الدين لكنهم يقومون بصور الصلاة والصيام والزكاة والحج ويترددون إلى المساجد ويكثرون من الصدقات ويظنون مع جهلهم بعلم الدين الضرورى، يظنون بأنفسهم أنهم صاروا أهلا للعلم اللدنى بلا تعلم وأن العلم اللدنى يأتى بلا تعلم، هؤلاء يظنون بأنفسهم أنهم صاروا أهلا لذلك العلم، يقولون نحن نلازم الصلوات والصيام والزكاة ونتصدق ونكثر القراءة والذكر وقد انتسبنا إلى الطريقة الفلانية فنحن صرنا أهلا للعلم اللدنى فيزعمون لأنفسهم أنهم صاروا أهلا للمكاشفات بأسرار خفية يطلع الله عليها أولياءه، فهؤلاء فى غرور يؤدى بهم إلى الهلاك العظيم.
ظنوا أن تقوى الله هى عبارة عن القيام بصور الصلاة والصيام والحج والزكاة والإكثار من الصدقات والتردد إلى المساجد، يظنون أن هذه هى تقوى الله فهيهات هيهات أن يكون هذا ميزان التقوى، لذلك كثير ممن ينتسبون إلى بعض الطرق يظنون أنفسهم صاروا أهلا لذلك فيعتمدون على أوهامهم وخواطرهم، مع أن الأولياء الصادقين الكاملين الذين سلكوا هذا المنهج وهو أداء الواجبات جميعها واجتناب المحرمات كلها بما فى الواجبات من تعلم العلم الدينى الذى لا يستغنى عنه مكلف، مع ذلك كله لا يعتمدون على خواطرهم بل يردون خواطرهم ويزنونها بميزان الكتاب والسنة أى بميزان القرءان والحديث فإن وافقت خواطرهم ذلك أى الكتاب والسنة فرحوا بها وإن خالفت ردوها.
هذا الإمام الجنيد أبو القاسم البغدادى سيد الطائفة الصوفية جاء عنه أنه قال «ربما تخطر لى النكتة من نكت القوم» أى يرد على وارد من الواردات التى ترد للأولياء «فلا أقبلها إلا بشاهدى عدل من الكتاب والسنة» أى أرجع إلى الكتاب والسنة فإن وافق هذا الوارد الكتاب والسنة أخذت به وإلا فلا ءاخذ به ومع ذلك فقد قال علماء الأصول إلهام ولى ليس بحجة أى أن الحجة الكتاب والسنة، فالمجتهد إذا عرف أن مسألة من المسائل التى تحدث له أو تحدث لغيره، غير منصوص عليها يستخرج لها الحكم من القرءان والحديث على حسب اجتهاده وفهمه الذى ءاتاه الله فله أن يعمل لنفسه باجتهاده وأن يفتى لغيره باجتهاده، هذا فى حق المجتهد، وأما من كان دون المجتهد فليس له ذلك أى ليس له أن يحاول استخراج أحكام الحادثات التى تحدث له فى خاصة نفسه أو تحدث لغيره فيستفتى عنها، أن يفتى نفسه أو غيره ويكتفى بذلك، لا يجوز لأن الرسول ﷺ بين لنا أن الذين يسمعون القرءان أو الحديث قسمان قسم يروون اللفظ، حظهم أن يرووا اللفظ وهم أكثر المسلمين، وقسم لهم حظ فوق ذلك، وهو أن الله تبارك وتعالى أعطاهم قوة ذهن بحيث يقتدرون على إخراج مسائل من القرءان والحديث ليست منصوصة إنما القرءان يدل عليها من طريق الإشارة والتنبيه أو الحديث يدل عليها من طريق الإشارة والتنبيه.
فالحاصل أنه لا يجوز الاعتماد على الخاطر بحيث يتخذ دليلا شرعيا بل المرجع فى ذلك بالنسبة للأحكام الرجوع إلى المجتهدين لمن لم يكن مجتهدا.
وأما من رزقه الله تعالى مرتبة الاجتهاد فهو غنى عن تقليد المجتهدين لكن الذى يرزقه الله الاجتهاد لا يخرج عما أجمع عليه الأئمة الذين مضوا قبله، لا يخرج عن مجموع أقاويلهم إنما غاية ما يصل إليه أنه يرى أن قول المجتهد الفلانى أقوى من قول الآخرين بالنظر إلى وجوه الدلالة من الآيات والأحاديث وله أيضا أمر ثان وهو أنه يستخرج فى الحادثات التى لم يتكلم عليها الأئمة الماضون أى لم يفتوا فيها لا فى مؤلفاتهم ولا مشافهة لغيرهم، فهذا الذى رزق الاجتهاد بعد أولئك الأئمة يستخرج لهذه الحادثات التى تحدث له أو لغيره، مما لم يسبق للمجتهدين الماضين الكلام فيها فيستخرج لها أحكاما من الكتاب والسنة فهؤلاء لا نقول إنهم معدومون بعد المائة الرابعة كما يقول بعض العلماء بل نقول كما قال بعض الأصوليين لا تخلو الأرض من قائم لله تعالى بحجة أى لا تخلو الأرض ممن أعطى هذه المرتبة مرتبة الاجتهاد لكن ليس شرطا أن يعلن عن نفسه للناس، ذلك ليس شرطا بل كثير منهم يأتى اجتهادهم موافقا لاجتهاد الشافعى أو اجتهاد مالك أو غيرهما فلا يعلن عن نفسه لأن اجتهاده فى الغالب لا يخرج عن اجتهاد الشافعى أو اجتهاد مالك أو اجتهاد إمام ءاخر فيرى فى نفسه أن الناس بغنى عنه لأخذهم بمذاهب الأئمة المتبوعين كهذا الإمام الشافعى والإمام مالك وغيرهما.
فإذا قال لكم قائل هذا اجتهادى وهو ليس بأهل للاجتهاد فاعلموا أنه مفتون يهلك نفسه ويهلك غيره، الرسول ﷺ قال «رب حامل فقه إلى من هو أفقه منه ورب حامل فقه ليس بفقيه» رواه الترمذى وابن حبان. المعنى أن منكم من يسمع منى فقط ولا يستطيع أن يستخرج الأحكام مما يسمعه منى، وقد يكون هذا الذى يسمع منى الحديث أو القرءان حظه أن يبلغ غيره، وذلك الغير يكون أقوى منه قلبا أقوى منه ذكاء فيستطيع أن يستخرج الأحكام.
بعض الصحابة كان حظهم أن يرووا الحديث للناس لمن لم ير الرسول، يرووه كما سمعوه، هذا كان حظهم أما أن يجتهدوا فيستخرجوا الأحكام مما يسمعونه من الرسول فلا، ليس لهم اقتدار على ذلك، ثم أولئك الذين يبلغونهم هؤلاء الصحابة الذين هم ليس لهم اقتدار على الاجتهاد، منهم من أعطى تلك المقدرة على استخراج الأحكام من القرءان والأحاديث، هذا معنى قول الرسول «فرب حامل فقه ليس بفقيه ورب حامل فقه إلى من هو أفقه منه» فعلمنا من هذا الحديث أن من الصحابة من ليسوا مقتدرين على الاجتهاد إنما حظهم أن يبلغوا الحديث إلى غيرهم كما سمعوه. إذا كان هذا فى الصحابة فما ظنكم بأهل عصرنا هذا، كيف يدعى أحدهم لنفسه أنه يجتهد فيقول أولئك رجال ونحن رجال كما اجتهدوا نجتهد. أليس هذا غرورا ظاهرا، فلو كان معرفة الحديث الاطلاع على الحديث والآيات القرءانية لو كان مجرد ذلك كافيا للاجتهاد ما قال الرسول هذا «رب حامل فقه ليس بفقيه» أى لا يقدر أن يجتهد فيستخرج الأحكام إنما حظه أن يروى ما سمع لأن القرائح تختلف قريحة أقوى من قريحة، وهكذا الناس مراتب، مراتب فى الفهم والذكاء والحفظ، فلو طالع هذا الذى لم يؤت تلك القريحة القوية لو طالع كل ما ألف فى الدنيا من كتب علم الشريعة لا يصل إلى تلك المرتبة مهما حاول لأن قلبه ليس له استعداد لذلك. فمن أين يصل، نحن إذا إنسان رزق تلك المرتبة لا نكذبه لا نقول لا يأتى بعد القرن الرابع الهجرى مجتهد كما قال بعض العلماء، لا بل نسلم له إن كان مستوفيا لشروط المجتهد وإلا فنرشده إلى الرجوع عن دعواه والتوبة من ذلك والتزام فتاوى أئمة الاجتهاد الذين سبقوه.
ثم من علامات كون الرجل كذابا من غير أهل الاجتهاد أن يأتى بفتوى هى تخالف جميع المجتهدين الذين سبقوه، المجتهد لا يؤديه اجتهاده إلى الخروج من الإجماع إنما اجتهاده يؤدى به إلى ترجيح اجتهاد إمام على غيره فيأخذ به ويفتى به للناس. وقد يجتهد فى مسألة لم تحدث قبل ذلك فى أيام الأئمة فيجتهد فيها ويستخرج لها حكما. فلا يعدو أمر المجتهد هاتين الحالتين. أما من تجاوز هاتين الحالتين فإنه من المخدوعين المغرورين.
نذكر مثالا لما يدل على أن القرائح تختلف بالفطنة والذكاء والفهم. كان الشافعى رضى الله عنه عمره نحو أربع عشرة سنة أو خمس عشرة سنة، كان يدرس العلم عند مالك بالمدينة المنورة فاتفق أن رجلا جاء إلى مالك فاستفتاه قال له إنى حلفت بالطلاق أن هذا القمرى لا يهدأ من صياح فنظر مالك فأداه نظره واجتهاده إلى أن هذا الإنسان حنث فى حلفه فطلقت امرأته لأن القمرى لا بد أن يهدأ من صياح، ليس كل ساعة يصيح فأفتاه بطلاق امرأته فعلم الشافعى بهذه الفتوى فاجتهد الشافعى فلم يوافق عليها قال الشخص مراده بقوله إن هذا القمرى لا يهدأ من صياح أنه كثير الصياح، ليس معناه أنه ليست له فترة يسكت فيها عن الصياح وأن الطلاق لم يقع على زوجته لأنه فى أكثر أحواله يصيح وفى بعض منها لا يصيح فلم يحصل الطلاق لأنه فى العرف يقال له لا يهدأ من صياح فلم يحنث فى حلفه، ما انكسر حلفه، قال له لم تطلق امرأتك. هو الشافعى أخذ هذا الحكم من حديث صحيح أن نبى الله ﷺ جاءته امرأة فاستشارته للتزوج برجلين رجل يقال له أبو جهم ورجل ءاخر هو معاوية بن أبى سفيان فقال لها الرسول من باب النصيحة «أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه» يعنى أنه ضراب، ضراب للنساء «وأما معاوية فصعلوك، عليك بفلان» سمى لها شخصا ثالثا.
الشافعى من هذا الحديث استخرج أن هذا القمرى ليس المراد أنه لا يهدأ بالمرة من الصياح إنما المراد أنه كثير الصياح، ما دام مستيقظا الصياح يغلب عليه، صياحه يغلب على سكوته، فلا يحنث هذا الرجل الذى علق طلاق زوجته. كما أن الرسول لما قال «أما أبو جهم فلا يضع العصا عن عاتقه» ما أراد أنه فى حال النوم وفى حال الأكل والشرب وفى حال الصلاة يظل حاملا عصاه على عاتقه، ما عنى ذلك إنما عنى أنه كثير الحمل للعصا، يغلب عليه حمل العصا على عاتقه، فالشافعى من هنا استخرج فتوى لهذا الرجل فرجع الرجل إلى مالك فقال له إن ههنا فتى يقول لم تطلق امرأتك فقال على به فحضر الشافعى فقال من أين قلت ما قلت فقال له من الحديث الذى أنت حدثتنا أن فاطمة بنت قيس جاءت إلى رسول الله ﷺ فقالت إن أبا جهم ومعاوية خطبانى فقال الرسول «أما أبو جهم فإنه لا يضع العصا عن عاتقه» أنا من هذا الحديث أخذت فسكت مالك ما عارضه لأنه وجد معه حجة. هنا قريحة الشافعى الذى هو تلميذ مالك أقوى من قريحة مالك. أدرك الشافعى ما لم يدرك مالك، مع أن مالكا أستاذه وأكبر منه سنا لكن العلم مواهب من الله.
وسبحان الله والحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على سيدنا محمد الأمين وءاله وأصحابه الطيبين.