التحْذيرُ مِنْ قول: الله في كُلِّ مكان:
اعلم أخي المسلم أنّ عقيدة الأنبياء والملائكة وجميع المسلمين أنّ الله كان مَوْجُودًا قَبْلَ السماء وقبلَ العرش وقبلَ كُلِّ الأمْكِنَة بلا مكان، وبعدَ أنْ خلقَ المكانَ مازالَ مَوْجُودًا بلا مكان لأنّ الله لا يَتغَيَّر، لَوْ كانَ يَتغَيَّرُ لاحْتاجَ إلى مَنْ يُغَيِّرهُ والمُحتاجُ إلى غَيْرِه لا يكون إلها. فهذه العِبارة “الله في كُلّ مكان” لَيْسَتْ من قَوْل عُلماءِ الإسْلام إنّما هي مِنْ قَوْلِ شخص كافر يُسَمَّى جَهْم بن صَفْوان الذي كان يقولُ عَن الله: “هوَ هذا الهواءُ وعلى كُلّ شَىْء” فكفّرَهُ المسلمون وقتِلَ بِسَبَبِ الرِّدَّة، فلا يجوز لِلمسلمِ أنْ يَتَّبِعَ جَهْمَ بنَ صَفْوان في مَقالَتِه هذه، فمَنْ قالَ: “الله في كُلّ مكان” فإنْ كان يَفْهَمُ مِنْ هذهِ العِبارة أنّه تعالى مُسَيْطِرٌ على كُلّ شَىْء وعالِم بكُلّ شىء فلا يَكْفرُ، أمّا إذا كان يعتقدُ أنّ الله كالهواء مُنْتَشِرٌ في كُلّ الأمْكِنَة فهذا لا يكون مُسلما. قال الإمام ابن فورك في كتاب مُشْكِل الحديث: “اعلمْ أنّه لا يجوز أنْ يُقالَ إنّ الله تعالى في مكان أو في كُلّ مكان” وقال عبدُ الوهّاب الشعْرانيّ في كتاب اليواقيت والجواهِر: قال عَلِيّ الخوّاص: “لا يجوز القَوْلُ إنّه تعالى بكُلِّ مكان كما تقولُ المُعْتزِلَة” ومِثْله قال أبو حامِد الغزالي في أصُول الدِّين. فالذي يعتقدُ في الله التَحَيُّزَ في كُلِّ مكان جَعَلَ الله مُنْتَشِرًا في الأماكِن النظيفة والأماكِن القَذِرَة ولا يقولُ بذلك مُسلم قَط. فالاعتِقادُ الصحيحُ أنّ الله مَوْجود بِلا مكان لأنّه لَيْسَ حَجْمًا وليس معناهُ أنّ الله يَنْتَقِلُ مِنْ مكان إلى مكان لأنّ التَنَقّلَ مِنْ صِفاتِ المخلوق. فالله لا يَسْكُن السماءَ ولا يَسْكُن العرشَ ولا يجوز أنْ يُقال: “الله في مكان نحن نَعْرِفه” أو “هو في مكان نحن لا نَعْرِفه” لأنّ هذهِ العِبارات فيها نِسْبَة المكانِ لِلّه ومَنْ نَسَبَ المكانَ لِلّه جَعَلَهُ حَجْمًا فلا يَكون مُسلما، قال الله تعالى “لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَىْء”.