درس ألقاه المحدث الشيخ عبد الله بن محمد العبدري رحمه الله تعالى في سويسرة في الحادي عشر من شهر محرم سنة عشر وأربعمائة وألف من الهجرة الشريفة الموافق للرابع عشر من شهر ءاب سنة تسع وثمانين وتسعمائة وألف رومية وهو في التحذير من تحليل الحرام أو تحريم الحلال. قال رحمه الله تعالى رحمة واسعة:
الحمد لله رب العالمين له النعمة وله الفضل وله الثناء الحسن صلوات الله البر الرحيم والملائكة المقربين على سيدنا محمد أشرف المرسلين وعلى جميع إخوانه النبيين والمرسلين وسلام الله عليهم أجمعين.
أما بعد: فإن الله تبارك وتعالى قال في كتابه العزيز: {وما جعل عليكم في الدين من حرج} [سورة الحج: 78] وقال رسول الله ﷺ: «إن الدين يسر»([1]).اهـ. والحديث رواه البخاري، وروينا في معجم الطبراني مرفوعا إلى النبي ﷺ أنه قال: «إن محرم الحلال كمستحل الحرام([2]).اهـ. إن محرم الحلال كمستحل الحرام.اهـ. إن محرم الحلال كمستحل الحرام».اهـ. أعدته عليكم ثلاث مرات لأجل أن يرسخ في نفوسكم فتحفظوه فإن كثيرا من الناس في هذا العصر يتكلمون في الدين فيحرمون ما أحل الله أو يحلون ما حرم والله تعالى لا يحب الإفراط ولا التفريط، الله تعالى يحب في عبده أن يكون معتدلا لا يحرم شيئا إلا على وفق الدليل الشرعي ولا يحل شيئا بأن يقول هذا فرض هذا سنة إلا استنادا إلى دليل شرعي.
ثم إن مما أحل الله تعالى لعباده المؤمنين اللهو المباح واللهو المباح منه السباحة ومنه تأديب الرجل فرسه، أي: رياضة فرسه ومنه ملاعبته زوجته؛ لأن الله تعالى يحب حسن المعاشرة، كان عبد الله بن عباس يقول: إني أحب أن أتزين لنسائي كما أحب أن يتزين لي.اهـ. هو الإنسان مطلوب منه أن يراعي خاطر زوجته أن يحسن إليها فيتواضع، لا يقول أنا رجلها أنا زوجها كيف أتواضع هي لتتواضع لي هي لتكن ذليلة تحت قدمي هذا ليس مما يحبه الله تعالى.
ثم من اللهو المباح الضرب بالدف والضرب بالطبل إلا الطبل الذي يسمى الكوبة([3])، وهو طرفاه واسعان ووسطه ضيق هذا من بين الطبول حرام أما ما سواه فليس بحرام.
ثم من اللهو المباح الرقص الذي ليس فيه تثن ولا تكسر، فإن كان فيه تثن وتكسر حرم على الرجال وعلى النساء، ثم إن الرقص الذي يكون بغير تثن وتكسر قد يكون برفع قدم واحدة والقفز بالأخرى. في حديث رواه ابن حبان([4]) والإمام أحمد في مسنده من حديث أنس بن مالك قال: «كانت الحبشة تزفن بين يدي رسول الله ﷺ ويقولون بكلام لهم محمد عبد صالح فقال رسول الله ﷺ: «ما يقولون» فقيل: إنهم يقولون: محمد عبد صالح فلم ينكر عليهم».اهـ. هنا الدليل على أنه يجوز اللهو المباح ولو كان مقرونا بشيء من العبادة كمدح النبي ﷺ، مدح النبي ﷺ عبادة، هؤلاء الحبشة قرنوا بين اللهو المباح وهو الزفن معروف في بلادهم يرفع قدما ويقفز بالأخرى هذا نوع من الرقص يقال له: الزفن الحديث فيه جواز أن يقرن بين لهو مباح وقربة إلى الله؛ لأن هذا الزفن لهو مباح ومدح النبي ﷺ قربة إلى الله أي عبادة، الله تعالى يحب أن يمدح نبيه ﷺ أليس من أعظم المدح أن يقال: أشهد أن لا إلـٰه إلا الله وأن محمدا رسول الله كلمة محمد رسول الله ﷺ من أعظم المدح فنحن مأمورون بهذا الكلام بأن نقول هذا المدح فإذا مدح النبي عبادة ولو كان مقرونا بنوع من اللهو كالضرب بالدف أو الزفن هو عبادة يحبها الله.
بعض الممقوتين الذين مسخت قلوبهم في مسجد قباء قبل ست سنوات([5]) قال على المنبر يوم الجمعة: لا يجوز تعظيم الرسول ﷺ كفر هذا الرجل الخبيث الكافر لم يستح من الله ولا من المؤمنين فتجرأ على هذه الكلمة فقال له رجل: كيف تقول هذا والله تعالى يقول: {وعزروه} [سورة الأعراف: 157] في القرءان الكريم {وعزروه}، أي: محمدا، أي: عظموه فقال هذا الخبيث: {وعزروه} نصروه قال له: {ونصروه} [سورة الأعراف: 157] وردت بعد هذه الكلمة، فانقطع فأوهم الناس أنه يريد صلاة النفل السنة فاستقبل القبلة قال: الله أكبر من شدة خجله؛ لأنه أقام عليه الدليل القرءاني. الله أكبر في هذا العصر تسمع كلمات كفرية غريبة. هذا تجرأ على الكفر في أفضل مسجد بعد مسجد الرسول ﷺ في الحجاز وهو مسجد قباء. الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر.
كذلك النساء إذا تغنين بكلام ليس بمحرم ولو بحضور الرجال فهو جائز في الدين الله ليس حراما ومن يقول: إنه حرام فليس معه دليل إنما يتكلم عن هواه فقد روينا في سنن ابن ماجه من حديث أنس بن مالك قال: مر رسول الله ﷺ ببعض المدينة فإذا جوار يضربن بالدف ويتغنين ويقلن:
نحن جوار من بني النجار | ||
يا حبذا محمد من جار | ||
فقال رسول الله ﷺ: «الله يعلم إني لأحبكن»([6]).اهـ. حديث صحيح صححه الحافظ البوصيري، هذا الحديث حجة في جواز تغني النساء مع الضرب بالدف بما هو مدح للرسول ﷺ والجواري في اللغة الفتيات إذا قال لكم قال الجواري البنات الصغار مثل بنات السبع سنوات قولوا له دعواك هذه مردودة في كتب اللغة تفسير الجواري بالفتيات الشابات وهذا في الطريق كان الرسول ﷺ يمر ببعض شوارع المدينة فإذا بهؤلاء الفتيات يتغنين ويضربن بالدف ويمدحنه يقلن نحن جوار من بني النجار بنو النجار قبيلة مشهورة من قبائل الأنصار أهل المدينة، أهل المدينة الذي ءاووا رسول الله ﷺ وءازروه قسم منهم يقال لهم: بنو النجار هؤلاء الفتيات كن يقلن في تلك الساعة نحن جوار، أي: فتيات من بني النجار، أي: نحن منسوبات إلى هذه القبيلة المشهورة التي ءازرت رسول الله ﷺ يا حبذا محمد من جار، معناه: محمد أفضل من يجاور. الرسول ﷺ ما أنكر عليهن ما قال لهن أنتم فتيات شابات كيف تتغنين وتضربن بالدف وتمدحنني؛ بل قال: «الله يعلم إني لأحبكن»، يعني: هذا تأكيد لجواز هذا الفعل الذي فعلنه هؤلاء الشابات تأكيد قال: «الله يعلم إني لأحبكن» فبعد هذا إذا قال قائل صوت المرأة عورة لا تلتفتوا لكلامه، لا تلتفتوا لكلامه؛ لأنه قول مخالف لتقرير الرسول ﷺ هذا إسناده صحيح والحديث الآخر أيضا باعتبار شواهده الذي فيه أن الرسول ﷺ رخص للنساء عند إهداء العروس إلى بيت زوجها أن يقلن:
أتيناكم أتيناكم | ||
فحيونا نحييكم | ||
وفي لفظ فحيانا وحياكم، هذا مروي وهذا مروي ذاك أيضا إسناده بدرجة الحسن. هذا بالنسبة للنساء أما بالنسبة للرجال فقد ثبت في ذلك الحديث الذي رويناه أولا في هذا الدرس الذي هو من فعل الحبشة الذي فيه إقرار فعل الحبشة الذين مدحوا النبي ﷺ وهم يزفنون فأقرهم رسول الله ﷺ ما اعترض عليهم ما أنكر عليهم.
وكذلك كثير من الناس من قلة معرفتهم بعلم الدين يحرمون إذا وجدت نساء ورجال في مجلس واحد من دون أن يكون ستار ممدود بين الرجال والنساء يحرمون هذا لا سيما بعض الأتراك وبعض من في سورية أيضا، من أين لهم هذا، من أين لهم هذا، الرسول ﷺ كان يصلي صلاة الجماعة في مسجده في المقدم ثم يليه الرجال ثم النساء من دون أن يكون ساتر ممدود ما كان في القديم أيام الرسول ﷺ يمد ساتر بين صفوف الرجال وصفوف النساء في صلاة الجماعة ولا في غير صلاة الجماعة.
بعض مشايخ سورية عندهم كأنه حرام يعتبرونه حراما وليس معهم دليل كيف كان الرسول ﷺ يصلي في المقدم ثم يليه الرجال ثم النساء من غير ستار ممدود بين صف الرجال وصف النساء، لا حول ولا قوة إلا بالله لا حول ولا قوة إلا بالله، صار نظر أكثر الناس إلى العادات هذا ينظر إلى عادة بلده وهذا ينظر إلى عادة بلده وهذا ينظر إلى عادة بلده ولا يفكر بالدليل إنما يتبعون عادات بلادهم فيحلون ما حرم الله ويحرمون ما أحل الله وكلا الأمرين هلاك الذي يحرم ما أحل الله هلك والذي يحل ما حرم الله كذلك هلك. انتهى.
والله سبحانه وتعالى أعلم.
[1])) رواه البخاري في صحيحه، باب: الدين يسر.
[2])) رواه الطبراني في المعجم الكبير.
[3])) كالذي يسمى في بعض البلاد الدربكة.
[4])) رواه ابن حبان في صحيحه، ذكر بعض ما كانت الحبشة تقول في لعبهم ذلك.
[5])) أي: في تاريخ إلقاء هذا الدرس.
[6])) رواه ابن ماجه في سننه، باب: الغناء والدف.