الأربعاء يناير 28, 2026

المبحث الثالث

التجسيم في فكر بعض المحدثين

من المعروف أن كتب الرجال وبيان حال الرواة ومصنفات المحدثين تشهد بأن في رواة الحديث من حكم عليهم بالبدعة ومخالفة السنة، وحالهم كان معروفا فلا يؤخذ منهم ما يخالف الشرع.

وكما هو معلوم فإن أهل الحديث هم من يعنى برواية الحديث ودرايته، والسواد الأعظم هم من أهل السنة والجماعة إلا من شذ وضل، فمن أهل التنزيه من يجاهر بتنـزيه الله عز وجل باختيار مذهب التأويل الإجمالي أو التأويل التفصيلي في المتشابه، وعلى رأس هؤلاء من المحدثين إمام دار الهجرة مالك بن أنس رضي الله عنه الذي كان ينهى عن التحديث بالأحاديث التي توهم التشبيه وتشكل في المعنى([1])ـ لمن يخشى عليه الوهم ـ، مثل الحديث الذي جاء في صورة آدم عليه السلام، وكان ينكر ذلك إنكارا شديدا كما في سير أعلام النبلاء للذهبي([2]).

ومن أصحاب هذا الموقف الإمام أحمد بن حنبل رضي الله عنه الذي ثبت عنه التأويل التفصيلي، ومن أصحاب هذا الموقف من حكينا عنهم كابن الجوزي والنووي اختيار التأويل الإجمالي الذي يعده ابن تيمية ـ الذي شذ ـ من شر أقوال أهل البدع كما سبق.

ومنهم أيضا من نص على اختيار وجه من وجوه التأويل في أحد الأحاديث كما سبق، فلولا أنه رأى ما يقتضيه الحمل على الظاهر من مخالفة أدلة التنـزيه ما اختار التأويل، وهؤلاء الذين ساروا على نهج الإمام مالك والإمام أحمد بن حنبل هم الجديرون بالانتساب إلى الحديث الشريف.

وهناك قلة ممن يثبت بعض الأخبار الواهية المنكرة التي لا تكاد تحتمل التأويل، ومن هذا الفريق من ألف وجمع من هذه الأحاديث والأخبار التي يسمونها أخبار الصفات، وعلى هؤلاء العمدة في تقرير ما يسميه المشبهة اليوم بعقيدة السلف، والسلف الصالح بريء من عقيدة التجسيم.

وهنا نشير إلى بعض المصنفات مع المرور على بعض ما فيها لندرك التباين الشاسع جدا بين أصحاب الموقف الأول وأصحاب هذا الموقف الذين  يتتبعون المتشابه.

أولا: كتاب «الرد على الجهمية» وكتاب «نقض عثمان بن سعيد([3]) على الـمريسي([4]) العنيد» لعثمان بن سعيد الدارمي (ت 280هـ)([5]) وهو غير صاحب السنن فليتنبه([6]) .

أما كتاب الرد على الجهمية ففيه الكثير من الأسانيد الواهية والمتون المنكرة التي تخالف التنـزيه، وأثبت فيه أن العرش يئط من ثقل الجبار فوقه، وأنه ينزل في الليل إلى جنة عدن، وهي مسكنه يسكن معه فيها النبيون والصديقون والشهداء، وأنه يهبط من عرشه إلى كرسيه ثم يرتفع عن كرسيه إلى عرشه، وعقد فيه بابا في تكفير الجهمية، وبابا في قتلهم واستتابتهم من الكفر، ولا يخفى أن «الجهمية» مصطلح تشنيع يريد المشبهة به أحيانا من نزه وأول المتشابهات، ولا يريدون تلك الفرقة التي انتسبت إلى جهم بن صفوان، مع أن شيخهم الضال ابن تيمية كان اتبع جهما في بعض أقواله كالقول بفناء النار([7]) وهو كفر.

أما الكتاب الآخر فهو مثل سابقه، وزيد فيه باب سمي باب إثبات الحركة لله عز وجل، وفيه إثبات الحد، وأن الله مس آدم مسا بيده، وأنه يقعد على العرش فما يفضل منه إلا قدر أربع أصابع، وأنه قادر على الاستقرار على ظهر بعوضة، وأنه إذا غضب ثقل على حملة العرش، وأن رأس المنارة أقرب إليه من أسفلها، وغير ذلك مما هو مبسوط في موضعه، وكل ذلك كفر وضلال.

وهذان الكتابان لهما منزلة عظيمة عند ابن تيمية وتلميذه ابن قيم الجوزية، وقد أكثرا النقل عن هذين الكتابين، حتى قال ابن القيم([8]): «وكتاباه من أجل الكتب المصنفة في السنة وأنفعها، وينبغي لكل طالب سنة مراده الوقوف على ما كان عليه الصحابة والتابعون والأئمة أن يقرأ كتابيه، وكان ابن تيمية يوصي بهذين الكتابين أشد الوصية ويعظمهما جدا، وفيهما من تقرير التوحيد والأسماء والصفات بالعقل والنقل ما ليس في غيرهما» اهـ. وهذه عادة المشبهة بعد أن يتطاولوا على أئمة أهل السنة والجماعة بالطعن والإنقاص من شأنهم يمدحون قدماء المشبهة ويثنون على مصنفاتهم المملوءة بالتجسيم بأبلغ الثناء.

[1] ) الشفا، القاضي عياض، 2/ 542.

[2] ) سير أعلام النبلاء، الذهبي، 5/449.

[3] ) عثمان بن سعيد بن خالد الدارمي السجستاني، ت 280هـ، أبو سعيد من هراة.  تذكرة الحفاظ، الذهبي، 2/146، 147. الأعلام، الزركلي، 4/205 ، 206.

[4] ) بشر بن غياث بن أبي كريمة عبد الرحمن المريسي، العدوي بالولاء، ت 218هـ، أبو عبد الرحمن، معتزلي عارف بالفلسفة، يرمى بالزندقة. قال أبو زرعة الرازي: «بشر المريسي زنديق» اهـ. لسان الميزان، ابن حجر، 2/29، 30. الأعلام، الزركلي، 2/55. والمـمريسي نسبة إلى (مريس) كأمير أدنى بلاد النوبة التي تلي أرض أسوان. تاج العروس، الزبيدي، مادة م ر س، 8/ 470.

[5] ) سير أعلام النبلاء، الذهبي، 13/319.

[6] ) هو غير الإمام الحافظ السني أبي محمد عبد الله الدارمي رحمه الله صاحب كتاب «السنن» الذي توفي سنة 255هـ.

[7] ) الرد على من قال بفناء الجنة والنار، ابن تيمية، ص67.

[8] ) الكتاب المسمى اجتماع الجيوش، ابن قيم الجوزية، ص 143.