السبت فبراير 14, 2026

التجسيم في عقيدة اليهود وأثره في عقائد بعض من انتسب إلى الاسلام

اليهود من انزع الملل والنحل الى التجسيم، فالقرآن الكريم يحدثنا عن ارتداد اليهود الى التجسيم وسيدنا موسى عليه السلام ما زال بين ظهرانيهم، فلم يصبروا على التنـزيه برهة، اذ لم يلبث بعضهم بعد ان جاوز الله بهم البحر وانجاهم من فرعون الا ان طالبوا نبي الله موسى عليه السلام بان يتخذ لهم الها مجسما، قال تعالى: وجاوزنا ببني اسرائيل البحر فاتوا على قوم يعكفون على اصنام لهم قالوا يا موسى اجعل لنا الها كما لهم الهة قال انكم قوم تجهلون {138} (الأعراف)، وقال سبحانه ايضا: واتخذ قوم موسى من بعده من حليهم عجلا جسدا له خوار الم يروا انه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلا اتخذوه وكانوا ظالمين {148} (الأعراف)، وتشهد نصوص التوراة المحرفة الموجودة بين الايدي الآن على اليهود بانتقالهم من التنـزيه الى التجسيم ايضا. ونشير الى بعض هذه النصوص، ففي ما يسمى بسفر الخروج([1]): ولما رأى الشعب ان موسى ابطأ في النزول من الجبل اجتمع الشعب على هارون وقالوا له: قم اصنع لنا الهة تسير امامنا.

وفيه ايضا([2]): وارتحلوا من سكوت ونزلوا في ايثام في طرف البرية، وكان الرب يسير امامهم نهارا في عمود سحاب ليهديهم في الطريق وليلا في عمود نار ليضيء لهم. والعياذ بالله ينسبون لله المشي والحيز والجهة.

وفيه ايضا([3]): صعد موسى وهارون… وسبعون من شيوخ اسرائيل ورأوا اله اسرائيل وتحت رجليه شبه صنعة من العقيق الازرق الشفاف… لكنه لم يمد يده الى اشراف بني اسرائيل فرأوا الله واكلوا وشربوا. والعياذ بالله من الكفر المبين.

ويطول البحث اذا اردنا تتبع ما في التوراة المحرفة من التجسيم، ويشهد لذلك قول السموأل بن يحيى المغربي([4]) الذي كان عالما باليهودية ثم اسلم والف كتابه افحام اليهود([5]): وايضا فان عندهم في توراتهم ـ المحرفة ـ ان موسى صعد الجبل مع مشايخ امته فأبصروا الله جهرة وتحت رجليه كرسي منظره كمنظر البلور. ويطول الكتاب اذا عددنا ما عندهم من كفريات التجسيم، على ان احبارهم قد تهذبوا كثيرا عن معتقد ابائهم بما استفادوه من عقيدة المسلمين اهـ. ويعزو الشهرستاني([6]) ميل اليهود الى التجسيم الى كثرة النصوص التي توهم ذلك في كتبهم فيقول([7]): وأما التشبيه فلأنهم وجدوا التوراة المحرفة مملوءة بالمتشابهات مثل الصورة والمشافهة والتكليم جهرا، والنزول على طور سيناء انتقالا، والاستواء على العرش استقرارا([8])، وجواز الرؤية فوقا وغير ذلك اهـ. وبالجملة فان نسبة التجسيم الى اليهود مما اتفق عليه كتاب الملل والنحل والمؤلفون في دراسة الاديان، فلا نطيل البحث فيه، الا ان من الضروري التنبيه قبل ان نختم المبحث الى ان كتاب الفرق يرون ان لتجسيم اليهود اثرا في ظهور التجسيم في معتقد بعض الفرق التي انحرفت عن عقيدة التنـزيه، ومن ذلك قول الامام فخر الدين الرازي([9]): اعلم ان اليهود اكثرهم مشبهة، وكان بدء ظهور التشبيه في الاسلام على يد بيان بن سمعان الذي كان يثبت لله الاعضاء والجوارح، وهشام بن الحكم، وهشام بن سالم الجوالقي، ويونس بن عبد الرحمن القمي، وابى جعفر الاحول الذي كان يدعى شيطان الطاق، وهؤلاء رؤساؤهم، ثم تهافت في ذلك المحدثون ممن لم يكن لهم نصيب من علم المعقولات اهـ.

[1]) ما يسمى سفر الخروج في التوراة المحرفة، 32/1.
[2]) ما يسمى سفر الخروج في التوراة المحرفة، 13/20، 21.
[3]) ما يسمى سفر الخروج في التوراة المحرفة، 24/9_11.
[4]) السموأل بن يحيى بن عباس المغربي، ت570هـ، مهندس رياضي، عالم بالطب والحكمة. اصله من المغرب، سكن بغداد مدة، وانتقل الى فارس، وكان يهوديا فاسلم، ومات في المراغة (باذربيجان). له: المفيد الاوسط في الطب، و بذل المجهود في افحام اليهود. الاعلام، الزركلي، 3/140.
[5]) افحام اليهود، السموأل بن يحيى المغربي، 1/131.
[6]) محمد بن عبد الكريم بن احمد، ابوالفتح الشهرستاني، ت548هـ، كان متقدما في معرفة ادیان الامم ومذاهب الفلاسفة. ولد في شهرستان بين نيسابور وخوارزم وانتقل الى بغداد سنة 510هـ، فأقام ثلاث سنين وعاد الى بلده وتوفي بها. من كتبه: الملل والنحل. الاعلام، الزركلي، 6/215.
[7]) الملل والنحل، الشهرستاني، ص211. البدء والتاريخ، المقدسي، 4/34.
[8]) ليس معناه ان التوراة الصحيحة فيها النزول بالانتقال، ولا الاستواء بالاستقرار، لكن اليهود اعتقدوا في الله الانتقال والاستقرار ونحوه من معاني الاجسام فضلوا والعياذ بالله.
[9]) اعتقادات فرق المسلمين والمشركين، فخر الدين الرازي، ص34. راجع: الفرق بين الفرق، البغدادي، ص28.